عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 لا شك أن هنالك أدبيات كثيرة منشورة ، وأخرى ما تزال مخطوطة حول تاريخ الغناء والموسيقى في السودان ، وأن تلك الأدبيات قد بدأت تتخذ منحىً علمياً ومنهجياً بصفة خاصة بعد أن برز إلى حيز الوجود معهد الموسيقى والمسرح ، أو ما صار يعرف الآن بكلية الموسيقى والدراما التابعة لجامعة السودان للعلوم والتكنلوجيا، وربما من قبلهما إلى حد ما ، وحدة أبحاث السودان التي شكلت نواة لمعهد الدراسات الإفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم ، بعد أن كانت المصنفات السابقة ، مهما اختلفت أشكالها وأحجامها ومضامينها ، مجرد اجتهادات فردية من قبل مبدعين هواة ، أو حتى بواسطة متذوقين ونقاد فنيين و " سميِّعة " أنسوا في أنفسهم الكفاءة للخوض في هذا المجال ، تحدوهم في ذلك الرغبة في التوثيق لفن الغناء في السودان ، تبصيرا وتنويرا لمعاصريهم ، وكذلك حرصاً منهم على حفظ هذا التراث الوطني ونقله للأجيال اللاحقة.
 ولكن البحث في مجال توثيق حركة الغناء والموسيقى في السودان قد بدأ يتجه اتجاها علميا منهجيا كما أسلفنا عبر بعض المصنفات التي كتبت بأقلام بعض المبدعين والمشتغلين بفني الغناء والموسيقى ممن تلقوا تدريبا أكاديميا نظاميا في هذا الباب ، نذكر منهم الأساتذة: جمعة جابر ، وعبد الماجد خليفة ، ويوسف الموصلي ، وأنس العاقب ، وعبد القادر سالم على سبيل المثال فقط. كما يمكننا أن نذكر كأمثلة على النمط الآخر من الأعمال المنشورة في مجال تاريخ الموسيقى والغناء في السودان التي ألفها من نؤثر تسميتهم بالمتذوقة أو " السميعة " المستنيرين ، مؤلفات الأساتذة: محمود أبو العزائم ، وعلي المك ، ومعاوية يس ، وذلك أيضا على سبيل المثال فقط وليس الحصر. ذلك دون أن نغفل عن ذكر النقاد الفنيين الكثيرين الذين ظلوا يرتادون هذا المجال من خلال الصحف والمجلات السودانية عبر الحقب المختلفة ، والذين لا يتسع المجال لذكرهم.
 وفي تقديري الخاص فإن عامة الكتاب والباحثين في مجال تاريخ الغناء السوداني ، قد دأبوا على استعراض الحقب التاريخية من حيث التسلسل الكرونولوجي بصورة نمطية ، بحيث أنها أغفلت تموضع ما يمكن أن نسميه بالأغنية الجهوية أو المناطقية في السودان بالنسبة للتسلسل التاريخي لمسيرة الغناء السوداني بصفة عامة.
 وتلك الصورة النمطية التبسيطية يتم استعراضها على النحو التالي: "  كان النمط السائد في أم درمان عند مطلع القرن العشرين هو الدوبيت ونظم المربعات ، ثم ساد غناء الطنابرة خلال العقدين الأولين من ذلك القرن ، ثم قدم محمد ود الفكي من كبوشية فما لبث أن أحدث نقلة في أغنية أم درمان ، فانطلقت من ثم ما صارت تعرف بعد ذلك بأغنية الحقيبة واستمرت خلال الفترة من 1920 وحتى عام 1940. ومنذ عام 1940 فما بعدها ، بدأت مرحلة الغناء الوتري الحديث برواده المعروفين: عبد الحميد يوسف ، والكاشف ، وحسن عطية ، وأحمد المصطفى الخ ، وهي المرحلة التي ما تزال مستمرة إلى يوم الناس هذا.
 على أنّ هنالك من الناس من يقول إن " إبراهيم عوض " قد أحدث نقلة جديدة في إطار الغناء الوتري ، باستحداثه للألحان الخفيفة الراقصة.
 ومنذ مطلع الستينيات ظهر نمط جديد من الأغاني يؤدى بمصاحبة آلة " الرق " مثل أغاني الحقيبة تماماً ، ولكنه يختلف عن الحقيبة من حيث البنية النصية ومضامينها ، أسماه الناس " الغناء الشعبي ". وشعراء هذا الضرب من الغناء هم أنفسهم شعراء الغناء الوتري أو الحديث في أغلب الأحيان: ( عوض جبريل ، الصادق الياس ، التجاني حاج موسى الخ ) ، كما أن القاموس الشعري واحد في كلا النمطين. ويجمع الباحثون على أن رائد فن الغناء الشعبي من المطربين هو الفنان: " محمد أحمد عوض ".
 وأُلحقَ بهذا النمط " الغناء الشعبي " أيضاً ، ذلك الضرب من الغناء الذي يأتي مصاحباً للعزف على آلة الربابة الاعتيادية منها ثم الكهربائية لاحقا ، والذي بدأ في الظهور خلال فترة السبعينيات من القرن الماضي ، وكان رائده بلا منازع الفنان: " أبو عبيدة حسن " ، بأغنيتيه الشهيرتين: " شوفوا لي حللْ " و " يا عقد الجواهر " ، كما أُلحق به على سبيل التوسع أيضا ، الغناء بمصاحبة آلة الماندولين كما عند: إبراهيم خوجلي ، والنور الجيلاني ، وصديق متولي مثلا.
 ولكن كما قد يلاحظ ، فإن هذا التوصيف التاريخي لا يخلو من مركزية ذاتية ، على اعتبار أنه يختزل الحركة الغنائية السودانية فيما يسمى بأغنية أم درمان بالتحديد ، مع العلم بأن مؤرخي هذا الفن يعترفون هم أنفسهم بأن فن الحقيبة ذاته في أصله فن جهوي ومناطقي ، جاء به محمد ود الفكي من كبوشية ، ولم يكن لأهل أم درمان عهد به قبل عقد العشرينيات من القرن الماضي.
 ولعل من ابرز مظاهر الغناء الجهوي وتجلياته ، هي ما تسمى بأغاني الربوع ، أي تلك الأغاني التي تذاع من خلال برنامج " من ربوع السودان " مساء كل جمعة ، وهو البرنامج الذي وثق ، وما يزال يوثق لقدر هائل من الأغنيات التراثية الشعبية ، بأداء مطربين فرادى أو مجموعات من مختلف المناطق والقبائل السودانية من شتى أنحاء البلاد.
 ولكن هذا الضرب من الغناء ، على ثرائه وتنوعه وصدق تمثيله لتعددية الخارطة الموسيقية واللحنية والغنائية بالسودان ، إلاّ أنه لا يعدو كونه أشبه ما يكون بالمتحف الإثنوغرافي الذي يفتح أبوابه للزوار مرة كل أسبوع مثلا. فهو لا يعبر عن روح الجرأة وأخذ زمام المبادرة باقتحام فضاء الوسط أو التيار العام ، بالعطاء الفني المميز الذي يعبر عن منطقة بعينها لكي ما يصبح فيما بعد ، بتفرده وجدته وقوته وجاذبيته الخاصة ، جزءً من التراث الغنائي القومي ، بعد أن كان مجرد تراث جهوي محدود ، أو مناطقي ، أو ربوعي ، نسبة لبرنامج " من ربوع السودان ".
 ولعلي أشير في هذا المقام إلى نجاح تجربة ما سميت ب " الأغنية الكردفانية " في مطلع السبعينيات ، والتي أبرزت عددا من المطربين الذين تركوا بصماتهم الواضحة على خارطة الغناء السوداني ، بما قدموه من لونية مستطرفة وجديدة تمام الجدة على أسماع أبناء المناطق الأخرى في السودان: إيقاعات المردوم ، والجراري والتويا ، وخصوصا الأنغام القريبة الصلة بأنغام الموسيقى العربية ، خلافا لما كانت قد تعودت الأذن السودانية على سماعه من موسيقاها الخماسية الصرفة.
 والواقع أن ما سميت بالأغنية الكردفانية هي من حيث التوصيف الأنثربولوجي الدقيق عبارة عن أغنية البدو المترحلين تحديداً  سواء كانوا رعاة إبل مثل الحمر ودار حامد ، أو بقارة مثل المسيرية والحوازمة وأولاد حميد الخ. ذلك بأن الجيل الأقدم نسبيا من الفنانين الكردفانيين إنما كانوا يغنون غناء الوسط ، وذلك بحكم خلفياتهم الحضرية مثل: خليل إسماعيل ، وصالح الضي ، وأم بلينة السنوسي ، وثنائي النغم الخ.
 وكذلك كان غناء الشايقية في الستينيات الذي قدمه مطربون مثل: النعام آدم ، وعبد الرحمن بلاص ، والسر كرم الله ، وإدريس إبراهيم الخ .. جزءً من أغاني الربوع ، أي انه كان غناءً جهوياً مناطقياً بحتاً ، ولكنه بدأ يأخذ وضعه في الخارطة القومية انطلاقاً من إذاعة أم درمان منذ منتصف السبعينيات ، وخصوصاً مع أغنية " محمد كرم الله " الشهيرة " حتى الطيف رحل خلاني .. وما طيب لي خاطر " ، التي حررت شهادة " القومية " في تقديري الخاص للأغنية الشايقية ، فانطلقت بعدها لا تلوي على شيء ، حيث استمرت تلك المسيرة " القومية " الظافرة مع أسماء مثل: محمد جبارة ، وصديق احمد والذين أتوا من بعدهما. وقد كرس لنجاح الأغنية الشايقية على المستوى القومي ، ارتباط نصوصها بشعراء غاية في الإجادة والإتقان مثل: السر عثمان الطيب ، وعبد الله محمد خير ، ومحمد جيب الله كدكي ، ومحمد الحسن حميد الخ.
 وفي اعتقادي أن نجاح محمد كرم الله ومحمد جبارة وصديق أحمد وغيرهم على المستوى القومي ، هو الذي ساعد على رد الاعتبار للفنان الكبير النعام آدم على المستوى القومي أيضا ، مما مهد له أن يتوج ملكاً للطمبور غير مدافع.
 وإذا ما كان عقد السبعينيات من القرن الماضي هو عقد ظهور الأغنية الكردفانية والأغنية الشايقية ، فإنّ عقد التسعينيات هو في تقديري الخاص أيضا ، هو عقد ظهور الأغنية الدارفورية وانتشارها على المستوى القومي. وفي ظني أنّ أهم فنانيْن ظهرا في السودان في التسعينيات هما: عمر إحساس ، وأحمد شارف ، وكلاهما من دار فور. وقد مثّلا الغناء الدار فوري  والإيقاعات الدار فورية خير تمثيل ، علاوة على أنه قد توفر لهما التأهيل النظري والعملي في مجال الموسيقى ، فضلا عن الاطلاع عن كثب على تراث المنطقة بحكم الأصل والمعايشة.
 ولا شك أن بعض الومضات الخاطفة من التراث الغنائي الدار فوري كانت قد وصلت إلى الوسط ، وبدأت تنتشر من خلال الإذاعة منذ السبعينيات ، ولكنها كانت في الغالب تؤدى بأصوات وأحاسيس ولهجة غير دار فورية كما هو المرجح.
 فمن ذلك مثلاً أغنية:
وليد دار فور بمشي معاك الليلة
محل ما تدور بمشي معاك الليلة
أو الأغنية التراثية الدارفورية التي صاغتها إحدى الفتيات هناك لكي تؤكد حقها في اختيار شريك حياتها:
إيّا أمي أنت يا الحراير
زوجتيني راجل الضراير
هوي .. ما بدور بلا ...
بدور زولي أب وجيهاً ناير
كان ما أخدتّا .. قولوا لي كضّابة ..
وهي ذات الأغنية التي عمد شباب فرقة " نمارق " إلى مجاراة لحنها والنسج على منواله في أنشودتهم ذات المضامين الوطنية:
سمرة .. سمرة التلالي قمرة
هوي ما بدور بلا ... الخ
فأين هذا الكلام الواضح من أغنية أحمد شارف التي لا تجدي مع مفرداتها جميع المعاجم والقواميس:
تيلم .. تيلمْ .. تيلم دانو
دانو سقردي.. سقردي المصران
مصران جربي ... جربي شُرو ... رو
* ملاحظة: تنطق النون في كلمة دانو على النحو الذي تنطق به في الكلمة التي تدل على الطعام في لغة الأطفال بالسودان. 
أما بخصوص شرق السودان وجنوبه ، فسيظل حاجز اللغة بالأساس هو الحائل الرئيسي دون اندماج عطائه الفني الأصلي على المستوى القومي وهذا شيء مؤسف حقا.
 أنا شخصياً ، أقدر مجهودات الفنان والباحث البجاوي " يحى أدروب " ، ويطربني للغاية أداء الفنان  " محمد البدري " وطبقات صوته الرحب الذي يخرج من مغاور عميقة من الشجن والتطريب والإمتاع.
وأعتقد أن هنالك مجالاً واسعاً للبحث والتنقيب في مجال الغناء باللغة العربية في شرق السودان. فعلى سبيل المثال: إلى أي مدى تأثر غناء الرشايدة بالبيئة السودانية ؟ ، نظرا لقرب عهدهم النسبي بها " منذ منتصف القرن التاسع عشر فقط ". ونفس السؤال ينطبق على غناء صائدي السمك أو " السماكة " السواكنية ، الذين ما يزالون يرددون غناءً أشبه بغناء اليمانية ، حتى في مفرداته مثل قولهم: " يا بنات المكلاّ " الخ ..
وخلاصة القول هي أنّ الجهات أو المناطق المختلفة عليها أن تتحرك وتأخذ زمام المبادرة لكي تعرض إبداعها وتراثها الفني الأصيل وغير المزيف ، وسيجد حتماً آذاناً صاغية ، وسيتم " تبنيه " قومياً وسيكتب له الذيوع والانتشار متى ما كان جيداً و مقنعا وملبيا للذائقة العامة. ذلك بأن ما تسمى بثقافة الوسط إنما هي نفسها ثقافة هجين و مركبة " مع الاعتذار لأستاذنا عبد الله علي إبراهيم " ، ساهمت فيها جميع الأطراف ، ولذلك فإن من الطبيعي أن تتجاوب مع  أية مساهمات لاحقة لتلك الأطراف.
انظر إلى إيقاع التُمْ تُمْ مثلاً ، هذا الذي توطن وأصبح إيقاعاً أمدرمانياً ثم سودانيا كلاسيكيا الآن. هذا الإيقاع لم يكن معروفا في وسط السودان قبل منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي. وقد قيل إن فتاتين توأمتين تسميان: أم بشاير وأم جباير جلبتاه من كوستي الرديف إلى العاصمة في منتصف الثلاثينيات ، فما عتّم أن استعذبه الناس في الخرطوم وأم درمان ، ومنهما انتشر إلى سائر أنحاء البلاد.
وفي تقديري أن السبب الذي جعل أهل أم درمان يستعذبون إيقاع التم تم وجعل الأفندية " يسكسكون " على نغماته في أواخر الثلاثينيات ، هو ذات السبب الذي يجعل شباب وشابات الخرطوم يطربون ويرقصون الآن مع فنان جيلهم " محمود عبد العزيز " ، وهو يغني أغنية " زينوبة " على إيقاع " الكِرَنقْ " الذي ظلت تعرفه بعض مناطق جبال النوبة منذ مئات السنين ، ولكنه ظل حبيسا هناك كل هذه المدة ، ولكنه قد أضحى الآن إيقاعا مألوف السماع في كل أنحاء السودان من ضمن الإيقاعات الكثيرة جدا التي حبا الله بها بلادنا الحبيبة.