عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
يكاد معظم المراقبين والمتابعين والمحللين يجمعون على أن التحول الدراماتيكي الهائل الذي حدث في مصر بتاريخ الخامس والعشرين من يناير من عام العجائب الحالي 2011 م ، قد مثل انقلابا جذرياً ، وثورة حقيقية ، وتحولاً جوهرياً عميق الأبعاد وغير مسبوق البتة في تاريخ مصر السياسي والاجتماعي المديد ، وضارب الجذور في أعماق التاريخ.
ويتظاهر أولئك المراقبون والمتابعون والمحللون على أن السر الكامن من وراء هذا التحول ، أو بعبارة أخرى ، أن الرافعة الأساسية ، أو القوة المحركة الرئيسية لتلك الثورة ، هو ذلك التحول الكبير الذي حدث في ذهنية ، وطرائق تفكير وتعبير وتصورات الأجيال المعاصرة من الشباب المصري ، الذي كان هو صانع هذه الثورة المظفرة بامتياز ، وبشهادة الجميع.
ويبدو لي من خلال ملاحظتي الشخصية – وربما كانت تلك هي أيضاً ملاحظة أناس كثيرين غيري – أن ذهنية الشباب المصري المعاصر وصانع الثورة ، هؤلاء الشباب الذي يمتازون جلهم بالحيوية ، والعفوية ، والاريحية في المخاطبة والتعامل الاجتماعي ، والبعد عن مظاهر التنطع والملق ، يبدو أن هذه الذهنية الجديدة والمتوثبة قد بدأت تنزع عن كاهلها نير التسلط والوصاية والبطريركية Paternalism  التي ظلت تسم المجتمع المصري العتيد ، وبمختلف مستوياته وطبقاته وهياكله وتنظيماته ، وتفارق تلك الروح الفرعونية المتنطعة ، وتخرج عليها الى حد كبير ، وذلك من خلال تغيير متئد ، وحراك سوسيولوجي تدريجي وتراكمي ومطرد ، ظل يعبر عن نفسه فكرياً وسلوكيا ولغويا على نحو متنام ، وبصفة خاصة خلال العقود الأخيرة.
وقد ظلت هذه المفارقة ، وهذا الخروج ، أو هذا ( التمرد ) إن شئت ، يتم بهدوء وروية ، ومن دون تشنج ، أو سوء أدب ، أو وقاحة ، بل عبر سلوك حضاري مهذب ، يتمسك صاحبه فحسب بحقه في الاعتراض وقول " لا " ، بجنان ثابت ورباطة جأش ، وفي وجه جميع أنواع " السلطات " ، سواء كانت سلطة زعيم أو نظام سياسي ، أو سلطة رب عمل ، أو رئيس مصلحة ، أو والد الخ.. متى ما اقتنع بوجاهة " لا " تلك ، ومتى ما كان ذلك لازما.
فلئن كان أفراد الأسرة المصرية ما يزالون يخاطبون أباءهم وأمهاتهم بلقب " حضرتك وحضرتك " بفتح التاء وكسرها على التوالي حتى يوم الناس هذا ، ولا يجسرون مثلا على مخاطبتهم بالضميرين " أنت و أنت : على التوالي ، بخلاف الفرنسيين – على سبيل المثال – الذين يخاطبون الأغراب بصيغة الجمع vous   بينما يخاطبون آباءهم وأمهاتهم بصيغة المخاطب المفرد tu ، لآن المفروض هو أنه ليس هنالك تكلف أو حاجز بين الابن وأبيه أو أمه ، فلقد لاحظت على سبيل المثال ، أن الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية التي ظلت تعرض خلال العقدين الأخيرين ، قد جعلت تخلو في حواراتها من بعض الألفاظ والعبارت التي تنم عن تلك الروح والذهنية الواقعة تحت تأثير التراتبية والبطريركية ، والاحتفاء المفرط  بالصفات والألقاب ، التي كنا نشاهدها ونسمعها في أفلام ومسلسلات عقدي السبعينات والثنمنينات وما قبلهما من القرن الماضي مثل: لقب " أبله " للاخت الكبيرة ، و " أبيه " للاخ الكبير على التوالي. وهكذا  أضحى ما كان يعرف ب " أبيه مصطفى " في السابق ، مصطفى فحسب ، وأصبحت " أبله أحلام " سابقاً ، أحلام والسلام في السنوات الأخيرة.
هذا ، وشد ما ظل يثير عجبي واستغرابي في اللهجة المصرية ، والحياة الاجتماعية المصرية عموماً – والشيء بالشيء يذكر – سماعي لفتاة تخاطب رجلاً في احدى المشاهد السينمائية أو التلفزيونية أو المسرحية مثلاً ، بعبارة من قبيل: " مع السلامة يا جوز بنت عمتي ! ". ذلك بأن زوج بنت العمة هذا في الثقافة السودانية مثلاً ، سرعان ما يندغم ويتم استيعابه في إطار الأسرة الصغيرة وربما الكبيرة لأصهاره ، وسوف يغدو للصغير منهم عما ، وللكبير منهم ابنا ، ولانداده من الذكور والاناث ومن هم في حكمهم أخاً ، وبالتالي فسوف يناديه الصغار " عم فلان " ، بينما سيناديه الكبار باسمه مجردا ، دلالة على طرح مؤونة التكلف معه ،و أنه قد صار بالفعل جزءاً منهم. وهم لا ينادونه بالتالي زوج اختهم او ابنتهم أو عمتهم الخ.. إلا في معرض تعريف الآخرين به ، أو الإشارة إليه أمامهم.
ذلك ، وكان مما قاله لنا المرحوم السفير تحسين بشير في عام 1987 م ، ونحن يومئذ في أولى عتبات السلك الدبلوماسي ، نمضي فترة تدريبية بالمعهد الدبلوماسي المصري بالقاهرة ، أن من أوائل القرارات التي أصدرها مجلس قيادة ثورة يوليو 1952 م ، هو إلغاء جميع الألقاب التي كانت سائدة قبل اندلاع الثورة ، وقد كانت معظمها ألقاباً تركية الأصل مثل: باشا وبك وبيه الخ ، والاستعاضة عنها جميعاً بلقب وحيد هو: " السيد ". وذلك هو بالضبط ما ظل يجري العمل به في المخاطبات والمكاتبات الرسمية. ولكن تلك الألقاب الخديوية لم تختف مطلقاً في الواقع عن التداول في الاستخدام الدارج ، وخصوصاً عبارات من قبيل: " يا سعادة الباشا ، ويا سعادة البيه ".
وهكذا ، وعلى ذات المنوال ، ظللت ألاحظ أن معظم الحوارات التي يديرها الشباب بصفة خاصة من خلال القنوات الفضائية المصرية مؤخراً ، وفي مختلف المواضيع ، سواء كانت سياسية أو فنية أو رياضية أو اجتماعية ، قد جعلت تتخفف شيئاً فشيئاً عن ترديد ألفاظ من قبيل " حضرتك " و " سعادتك " و " سيادتك " ، اللهم إلا إذا كان الشخصي المعني " سيادته " فعلاً بطبيعة الحال ، وليس " حتة أفندي غلبان زي حالاتي " ، وقد صار معظم الأشخاص المستضافين يخاطبون في أغلب الأحيان مؤخراً ، بضمير المخاطب المفرد ( إنت ) ... عادي جداً. وهذه لعمري هي الثورة الحقيقية .. واخد بال حضرتك !