بسم الله الرحمن الرحيم

  

Khعنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  رحل عن دنيانا الفانية قبل بضعة أيام ، ووري الثرى بمدينة أم درمان السفير المتقاعد عصام حسن بعد مكابدة ومعاناة مضنية من مرض لازمه خلال أعوامه الأخيرة. وقد نعاه زملاؤه القدامى وتلاميذه في المهنة ، وعارفو فضله ، حيث أتاني نعيه مزفوفا عبر المحيط الأطلسي في بريدي الإلكتروني من صديق لي يعمل ويعيش في نيويورك. فالله نسأل أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته ، وان يجعل الجنة مثواه مع الذين انعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. يعتبر الراحل عصام حسن من الجيل الثاني من سفراء وزارة الخارجية السودانية ، أي الجيل الذي تسلم الراية من الجيل المؤسس ، بل كان من الجيل الذي عاصر جيل الرواد الأوائل ، ونهل من علمه وخبرته. ويجمع كل من عرف عصام حسن انه كان دبلوماسيا من طراز رفيع للغاية ، ذلك بأنه إذا ما كانت ذرابة اللسان والفصاحة والقدرة على التواصل والإبانة من أهم أدوات الدبلوماسي وعدته وعتاده ، فإن فقيدنا الراحل كان – كما بلغنا عنه – من أبرع من تحدث باللغة الإنجليزية من السودانيين ، بل قيل إنه كان يؤلف الشعر بها. لم تتح لي الأقدار رؤية السفير الراحل عصام حسن كفاحاً ، أو الالتقاء به ، على الرغم من أن دفعتنا قد التحقت بوزارة الخارجية في عام 1986 م ، أي في وقت كان فيه عصام حسن ما يزال في الخدمة ، ولم يتقاعد بعد للمعاش. وهذه هي لعمري إحدى مثالب العمل الدبلوماسي ، إذ من الجائز جدا أن تظل تسمع باسم زميل لك فيه ، ولا تتهيأ لك الفرصة أن تلتقي به بسبب التنقل و التعاقب الحتمي ما بين البعثات بالخارج ، والديوان العام للوزارة بالداخل. كان السفير عصام حسن عام دخولنا الخارجية ، يعمل سفيرا للسودان في بون عاصمة جمهورية ألمانيا الاتحادية ، أو ما كانت تعرف حينئذ بألمانيا الغربية ، ولعلها كانت تلك هي آخر محطة عمل بها الراحل قبل أن يحال للتقاعد. وفي عام 1989 م ، تم نقلي للعمل سكرتيراً ثالثاً بسفارة السودان بانجمينا عاصمة تشاد ، حيث تشرفت بالعمل مع ثلة من الأخوة الأفاضل الذين كان بعضهم لحسن الحظ قد عمل مع السفير عصام حسن من قبل ، مثل: السفير الرشيد خضر ، الذي كان هو السفير ورئيس البعثة ، والسفير عمر بشير مانيس ، وكان وقتها سكرتيرا أول ، ثم الإداري عمر الفاروق الهادي. وقد كان هؤلاء الأخوة الكرام يحدثوننا كثيراً ، وبتقدير عظيم ومحبة عن السفير عصام حسن ، وعن علمه ، وفضله ، ونبل أخلاقه ، وتهذيبه ، وظرفه النموذجي ، وروح الدعابة الاستثنائية التي كان يتحلى بها. وفي تقديري أن روح الدعابة من حيث هي ، خصيصة تكاد تكون ملازمة للدبلوماسي حيث ما كان. ذلك بان لحمة وسدى العمل الدبلوماسي إنما تكمن في عملية التواصل. ولما كان الدبلوماسي معرضا في كثير من الأحيان للضغط والتوتر بسبب المواقف العصيبة والمحرجة ، فإنّ عليه دائما أن يتحلى بروح الدعابة حتى يروح عن نفسه ، ويعينها بالتالي على التمسك بهدوء الأعصاب وضبطها ، وذلك لكي تجيء مواقفه وتصرفاته وأقواله سليمة ومتزنة. ليس مطلوبا بالطبع من الدبلوماسي أن يكون مهرجا أو مفرطا في الهزل ، كما انه ليس مطلوبا منه أن يكون مفرطا في الحزم والجد ، فخير الأمور الوسط دائما. ومما يمكن ذكره ههنا على سبيل الاستشهاد بتراثنا الدبلوماسي القديم ، خبر الشاعر الأندلسي الظريف يحي بن الحكم الجياني الملقب بالغزال لوسامته ، الذي بعثه الخليفة الأندلسي في القرن الرابع الهجري إلى بلاد النورماند بشمال أوروبا ، وكيف أنه تماجن مع ملكة النورماند حتى أضحكها ،وكانت هي البادئة. ويبدو أنّ عصام حسن قد بلغ في الظرف وروح الدعابة  ، مبلغاً تحول معه إلى ما يشبه الشخصيات شبه الأسطورية التي تمخضت عنها مدينة أم درمان مثل: موسى ود نفاش ، وكمال سينا ، والهادي نصر الدين الخ.. ولا غرو في ذلك. فعصام حسن هو نفسه رجل أم درماني عريق ، نشأ في كنف فولكلور مدينة شديدة الاعتداد بنفسها ، و ثقافة قولية معتقة ورائدة في بابها. حكوا أنّ أحد الأجانب الوافدين على السودان من بعض البلاد العربية ، قد نصح أخا ومواطناً له قدم إلى السودان بعده ، وبين له ميزات مدن العاصمة المثلثة على النحو التالي: " اسكن في بحري ، واشتغل في الخرطوم ، واتونّسْ في أم درمان ". هذا ، وقد زعموا أن جل الطرائف السياسية التي كانت رائجة خلال الحقبة المايوية كانت من تأليف السفير عصام حسن. وقد قيل إن الرئيس نميري كان يعرف مصدر تلك الطرائف ، بل حكوا أنه قابل عصام حسن مرةً وسأله: " أها يا عصام .. آخر نكتة شنو ؟؟ ". والله أعلم أي ذلك كان !. وكنت أرجو أن لو كان السفير ثم الوزير أبو بكر عثمان محمد صالح ، بحكم عمله في الخارجية أولاً ، ثم وزيراً بعد ذلك في حكومة مايو ، قد عرض إلى هذا الموضوع في مذكراته الماتعة والمفيدة التي نشرها في كتاب في العام الماضي ، خصوصاً وأنها قد جاءت حافلة في مواضع كثيرة منها بالمواقف الطريفة والملح اللطيفة عن تلك الحقبة المهمة في تاريخ السودان الحديث. لقد لامس السفير صلاح محمد علي بالفعل مسألة الطرائف الدبلوماسية هذه إذا جاز التعبير ، أي الأقوال والمواقف الطريفة التي تصدر عن دبلوماسيين ، أو يرويها دبلوماسيون ، في مقال له كتبه عن الأستاذ الكبير الراحل جمال محمد أحمد ، نشره قبل نحو عام من الآن ، ولا أشك في أنّ فقيدنا السفير عصام حسن عليه رحمة الله ، سيكون واسطة عقدِ لأي عمل يستهدف توثيق طرائف الدبلوماسيين السودانيين ، أو طرائف الدبلوماسية السودانية على حدٍ سواء. ألا رحم الله الفقيد وغفر له ، وألهم آله وذويه وزملاءه الصبر وحسن العزاء .. إنا لله وإنا إليه راجعون.