عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

   من حسن الحظ ويمن الطالع عليك ، وعلى ذريتك من بعدك أيضاً ، أن يتفق السودانيون – الذين قل أن يتفقوا على شيء – وأن يجمعوا على وصفك بأنك: " شخصية قومية " ، بمعنى أنك شخصية مستقلة تماما ، أو معدومة الانتماء أو الميول الحزبية أو الأيديولوجية الصارخة على أقل تقدير. ولكن ، ليس كل من هبّ ودبّ من السواد الأعظم من خلق الله من السودانيين " المسطحين " floaters الذين ليس لهم في الأمر ناقة ولا جمل لا حزبيا ولا ايديلوجيا ولا سياسيا ، أي ما يسمى بالأغلبية الصامتة أو البكماء ، ينطبق عليه وصف " شخصية قومية " ، حتى وإن استوفى شرط عدم الانتماء والميل السياسي الحزبي أو الايديلوجي. فمن تمام آلة الشخصية القومية أن يكون من يستحق أن تطلق عليه هذه الصفة ، شخصاً مشهوراً ومعروفاً ومؤثراً على نطاق مجمل التراب الوطني " كثيراً أو قليلا " ، وانطلاقاً من العاصمة " القومية " أيضاً في الغالب ، (كان الشيخ عبد الرحيم البرعي يعيش طول حياته في قريته الزريبة بكردفان مثلاً ، ولكنه كان بالرغم من ذلك شخصية قومية). ومن تمام آلته أيضاً أن يكون مجوداً لصنعته ، و " حافظاً للوحه " ، ومبرزاً في مجال موهبته ، أو وظيفته ، أو مهنته ، أو تخصصه ، سواء كان ذلك في المجال الأكاديمي أو العلمي أو الفني أو الأدبي أو الديني أو الصحفي الرياضي أو فيما سوى ذلك من المجالات. فإذا ما كنت من المحظوظين حقاً ، واقتنع الناس في السودان بصورة أو بأخرى بأنك " شخصية قومية " على الأساس الذي بيناه آنفا ، فحينئذٍ تنفتح أمامك القلوب والأبواب ، وتضمن عيشة هنيئة مريئة ، لا يشوبها أي كدر ، أو  تنغيص ، ولا تضييق ، ولا اضطهاد ، ولا اعتقال ، ولا فصل تعسفي ، ما حييت عبر مختلف الحقب والأوضاع السياسية المتعاقبة ، وستتوارث ذريتك بركات تلك "الشخصنة القومية" و س " يولعون " فيها حيناً من الدهر إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا ، وسوف تأتيك المناصب في مكانك منقادة تجرجر أذيالها ، ويتم تعيينك – دون مشورتك أحيانا – عضوا دائما في لجان مختلفات ، ومجالس إدارات شركات و مصارف ومؤسسات كثيرة جدا ، كما ستدعى عبر الصحف " وما أسخفها من بدعة تنم عن محض الكسل وعدم الاحترام للخصوصية مهما اعتذر عن ذلك بالرغبة في تحقيق السرعة والكفاءة " إلى أي اجتماع وأي ورشة عمل وأي مؤتمر مهما كان الموضوع الذي يناقشه. ومهما يكن من أمر ، فاللهم لا حسد ، و " من خلاني شخصية قومية " !. بلى قد يتجاوز أولئك الذين يسبغون هذه الصفة "شخصية قومية" ويتغاضون عن الخلفية الطائفية للأسرة التي تنتمي إليها الشخصية المعنية ، وذلك أمر منطقي وموضوعي لأن الخلفية الأسرية شأن خارج دائماً عن إرادة الفرد ، ولا يد له فيه ، مثل ما هو الحال مع إحدى أبرز هذه الشخصيات القومية التي رحلت عن دنيانا مؤخراً ، ألا وهو الدكتور عبد الحليم محمد رحمه الله ، الذي وجد نفسه حفيداً للأمير " عبد الحليم مساعد " أحد مقدمي أنصار الثورة المهدية ، والذي استشهد في معركة " توشكي " إلى جانب قائد تلك الحملة المعروفة الأمير عبد الرحمن النجومي ، ومن ثم ألفى نفسه ، ومن دون إرادة منه يعيش في خضم تراث جهادي وثقافي وسياسي يميل للحركة الاستقلالية ، حيث عرف عنه قربه وصلته بالسيد عبد الرحمن المهدي في وقت مبكر من تاريخ صلته بالحركة السياسية السودانية في أربعينيات القرن الماضي. ولكن الدكتور حليم عرف بعد ذلك أن يختط لنفسه طريقا مستقلا نأى به عن التصنيف labeling أو الانتماء الحزبي الضيق ، وركز جهده في مهنة الطب التي أضحى فيها أول شخص سوداني يتخصص في الطب الباطني ، حيث انه قد نال زمالة الكلية الملكية البريطانية في الطب الباطني في سنة 1948 م ، كما ركزه في الاهتمام بتطوير قطاع الرياضة في السودان وفي القارة الإفريقية بصفة عامة ، وخصوصا دوره المحوري في تأسيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم ، واقتراحه الذي تم تنفيذه باستضافة الخرطوم لأول بطولة لكأس إفريقيا لكرة القدم في عام 1957 ، على نحو ما هو مشهور ومعروف وموثق من سيرته العطرة. وبهذه المناسبة – والشيء بالشيء يذكر – أذكر أن لي صديقا جاورته في السكن في مطلع التسعينيات في بري ، وكان هذا الرجل يحتفظ بكم هائل من الوثائق الشخصية والعامة القديمة ، من بينها كراساته المدرسية عندما كان في المدرسة الأولية في مدينة الأبيض في الخمسينيات ، وكذلك بعض نتائج نقله بين الفصول منذ ذلك التاريخ ، وكان من بينها أيضا أعداد كثيرة من صحف ومجلات قديمة. فكان مما استوقفني منها بصفة خاصة عدد من مجلة " آخر ساعة " المصرية صادر في عام 1957 ، عام تنظيم السودان لأول بطولة لأمم إفريقيا لكرة القدم ، فكان ما أدهشني في ذلك العدد خبر أورده عن ذلك الحدث ومعه صورة لإستاد الخرطوم ووجوه بعض مشاهدي ذلك الحدث ، وخصوصا تعليق من محرر ذلك الخبر بما معناه: متى يكون لنا في القاهرة استاد بهذه الروعة وهذا التنظيم ؟. أي والله ! وبالطبع فإنه ليس من الصعب الاستيثاق من صحة هذه المعلومة من أرشيف هذه المجلة المصرية المشهورة. وهكذا حقق الدكتور عبد الحليم قوميته وكرّسها بفضل تبريزه في مجالات الرياضة والطب والتدريس الجامعي ، مما ممهد له الطريق للاختيار عضواً بمجلس السيادة بعد قيام ثورة أكتوبر 1964 م ، التي ترأست الحكومة الانتقالية التي تم تشكيلها بعد قيامها مباشرة شخصية " قومية " أخرى ، ولعلها تكون تاريخيا ، أول شخصية سودانية انعقد الاتفاق حول قوميتها ألا وهو السيد سر الختم الخليفة ، الذي كان معلما وتربويا ، وعميدا للمعهد الفني بالخرطوم قبل توليه منصب رئيس وزراء تلك الحكومة الانتقالية. وإمعانا منه في تأكيد تلك القومية ، استقال الدكتور حليم من منصبه عضوا بمجلس السيادة بعد مدة قصيرة من توليه إياه ، ليتفرغ بالتالي لما ندب إليه نفسه من رسالة الارتقاء بالرياضة في السودان وإفريقيا عموما.وكما هو معلوم فقد شهدت تلك الفترة بالذات انتخاب الدكتور حليم لرئاسة الكاف بين عامي 1968 و1972 ، هذا فضلا عن ترأسه للجنة الأولمبية السودانية ، وعضويته للجنة الأولمبية الدولية. لقد انداحت قومية دكتور حليم ، وتجاوزت الإطار القطري الضيق لكي يصبح شخصية مُجمَعا عليها في المجال الرياضي بصفة خاصة على المستويين الإفريقي والعالمي. فعلى المستوى الإفريقي ، ظل الدكتور عبد الحليم محمد يتمتع بالرئاسة الفخرية للاتحاد الإفريقي لكرة القدم حتى تاريخ وفاته ، وهي صفة لم تتمتع بها أية شخصية افريقية أخرى على الإطلاق. أما على المستوى الدولي ، فإن البرازيلي جواو هافيلانج ، والأسباني سامرانش ، والسويسري جوزيف بلاتر ، الرئيس الحالي للفيفا ، وسائر قادة الحركة الرياضية العالمية ، كانوا بالنسبة للدكتور حليم بمثابة التلاميذ والحواريين ، فقد كانوا يكنون له قدرا كبيرا جدا من التوقير والاحترام ، وكانوا كثيرا ما يلجأون إليه لطلب المشورة والنصح في مجال إدراة الرياضة على مستوى العالم. وقد كنت في باريس خلال النصف الثاني من التسعينيات ، أعمل بالسفارة السودانية هناك ، عندما جاء دكتور حليم لحضور مونديال باريس في يونيو 1998 ، وشاهدت شخصياً كيف وقَّره القوم وقدروه ، وأنزلوه في جناح كامل بفندق بريستول في وسط باريس ، ورأيت ما أوقفوه عليه من أسباب الحفاوة والرعاية. وقد كان أخونا ، وسفيرنا حاليا بالبرازيل ، عمر صالح ، وكان قد شخص إلينا من الخرطوم خصيصا لحضور المونديال ، يغدو ويروح على الدكتور حليم رحمه الله ، ويؤانسه بطرائفة وحكاياته العجيبة. كان الحصول على تذاكر المونديال أمرا صعبا جدا ، ولذلك فإننا لم نستطع مشاهدة أية مباراة كفاحا من داخل الاستاد ، اللهم إلا مباراة واحدة أذكر أنها كانت بين نيجيريا والبرتغال ، وذلك بفضل دعوة كريمة من أصدقائنا بالسفارة النيجيرية بباريس ، ولحسن الحظ فقد فازت نيجيريا في تلك المباراة على البرتغال بهدف يتيم أحرزه "جورج فينيدي". أما عمر صالح الذي جاءنا مزوداً ببطاقة " صحفي رياضي " الله وحده أعلم من أين أتى بها ، فقد أقبل عليَّ جذلاً بعد المباراة النهائية بين فرنسا والبرازيل وقد سألته " أها يا عمر .. خشيت الكورة بتاعة الكاس ؟ " ، فرد علي: " أخوك كان قاعد مع الجير !! ". هذا ، وعمر صالح من كبار " كورنجية " الخارجية المعاصرين ، بل هو يأتي على رأس الطبقة الثانية منهم بلا منازع أعني طبقة: عبد العزيز حسن صالح ، ومحمد البلة ، وابراهيم الشيخ وغيرهم.  أما الطبقة الأولى ، فهي طبقة علي قاقرين ، وبشرى الشيخ ، وعبد المحمود عبد الحليم ، لأن هؤلاء سفراء قدامى ، ونحن نحترم الأقدمية يا هذا !. لقد كنت والله أرجو أن يُنسأ في أجل فقيدنا الراحل حتى يشهد تنظيم أول نهائيات لكأس العالم في كرة القدم بأفريقيا ، وكنت أراه بعين خيالي ، وقد منحته اللجنة المنظمة شرف إعطاء ضربة البداية ، ليتقدم وهو فيه زيه الوطني السوداني المميز ، وبملامحه النبيلة ، وهو يتوكأ على عصاه الرشيقة ، ويركل الكرة إيذاناً بانطلاق مونديال جنوب أفريقيا في العام المقبل ، ولكن أجل الله إذا جاء لا يؤخر.  ألا رحم الله فقيد الأمة السودانية والرياضة الإفريقية والعالمية ، الدكتور عبد الحليم محمد ، وتغمده بواسع مغفرته ورضوانه ، وإنا لله وإنا إليه راجعون.