عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

             أما فيما يتعلق بأسماء الأعلام من مواضع جغرافية وبشر وخلاف ذلك ، فنعتقد أنّ منطقة الرباطاب ليست ببدع في هذا الباب من مناطق السودان الأخرى. فجميع مناطق السودان المستعربة بلا استثناء متأثرة باللغات القديمة في الكثير من أسماء الأعلام ، علم مدلولاتها من علمها ، وجهلها من جهلها.           وغني عن القول أن الأسماء النوبية الأصل منتشرة على نطاق واسع في سائر البلاد. على أنّ ملاحظة المؤلف حول أسماء القرى والبلدات التي تبدأ بحرف الكاف في منطقة الرباطاب ، تبقى ملاحظة جديرة بالوقوف عندها. ولكنّ هذه الكافات الجغرافية تكاد تنتظم البلاد جميعها من لدن "كُبان" و"كلبشة" في النوبة المصرية ، وحتى "كادقلي" و "كاودة" في جبال النوبة. وأغرب من ذلك كله وجود بلدة في جبال النوبة تحمل اسم "كاتشا" ، وهو اسم مطابق تماماً لاسم أحد ملوك نبته ، هذا إلى جانب التطابق المدهش بين اسمي بلدتي "عبري" في كل من الولاية الشمالية وجبال النوبة على التوالي.           وأما اسم " الكَنْدَوْ " كاسم علم على الرجال ذكره الكاتب على أنه من ضمن الأسماء الخاصة بالمنطقة ، فالواقع أنه لقب منتشر في مناطق كثيرة من السودان. فهو موجود لدى الجعليين ، وفي الجزيرة ، وفي البطانة ، وفي وكردفان أيضا. ومعناه كما أخبرني الوالد قبل سنين (وكانت له خاله توفيت ، زوجها يقال له ود الكندو ، ومن هنا كان سؤالي وأنا صغير عن معنى هذا الاسم): تكوّر وتحوصل في بطن أمه لمدة تتجاوز التسع شهور المعتادة التي يمكثها الجنين كما كانوا يعتقدون ، فهو " مِكنْدِوْ ".           والكِنْدِوّة بكاف مكسورة ونون ساكنة وواو مشددة مفتوحة ، هي عبارة عن ورم أو خراج متصلب يكون داخل جسد الدابة تحت جلدها ، وخصوصاً الحمير. وعلاجها التقليدي أن يشاك موضعها بإشفى ضخم من الحديد يسمى "السَمنْديَّة". ومن ذلك ما قيل إن أهل قريتين متجاورتين من قرى شرق كردفان ، وقعت بينهم خصومة وخلاف في الزمان القديم ، فأسمى أهل إحدى هاتين القريتين حلتهم " كندوّة " ، فأسمى الآخرون قريتهم " سمندية " نكاية بهم وإغاظة لهم.           أما ظاهرة الترخيم الصوتي ، أو قطع أواخر الألفاظ عند الرباطاب ، والتي يرى الكاتب أنها قد تكون شاهداً على تأثر بتيار لغوي "متوارٍ" ما ، فإنها هي الأخرى ظاهرة شائعة في اللهجات العربية عموماً قديماً وحديثا ، وقد جاء في بعض كتب اللغة أن من العرب من كان يقول " يا أبا الحسا " ، يعني: يا أبا الحسن. أما في السودان فإن أهل كردفان على سبيل المثال يكادون جميعهم يقطعون أواخر الكلم في حديثهم ، ومن المألوف جداً أن تسمع أحدهم يقول مثلاً: " حسي ود النو .. تعال أُكل ليك فو !! " أي: حسين ود النور تعال أكل ليك فول. وزعموا أنّ أحد الناس سأل رباطابياً: لماذا تحذفون الحرف الأخير في كلامكم ؟ قالوا فرد عليه قائلاً: " إختصا ! " يعني " اختصار ". وفي رواية أخرى أنه رد عليه بقوله: " لذي !" أي لذيذ.           وبنفس القدر فإنّ ظاهرة الإمالة ، أو كسر أواخر الألفاظ ليس وقفاً على قبيلة الشايقية ، ولا تنهض بالتالي – كما يذهب أحمد المعتصم إلى ذلك تأثراً بعون الشريف – لا تنهض هذه الظاهرة دليلا على تميز الشايقية حصراً بالأخذ عن لغة سودانية قديمة أو حديثة. ذلك بأنّ هذه الإمالة أو الكسرة موجودة بكثرة في كردفان عند الجوامعة والبديرية وغيرهم ، وكذلك عند الكبابيش. أعني قولهم: " كديسي .. للكديسة ، وكسرِي .. للكسرةالخ " ، مثل ما هي موجودة – أعني الإمالة – عند بعض أهل الشام المعاصرين ، وفي صعيد مصر أيضا. فإمالة الشايقية ينبغي أن تكون إذن وببساطة دليلاً على عروبة لهجتهم ، بأكثر من كونها دليلاً على فرضية تأثرها بلغة أخرى غير العربية. بل هنالك من الباحثين من يعتقد أنّ انتشار رواية أبي عمر الدوري لقراءة أبي عمرو بن العلاء البصري للقرآن الكريم ، ورسوخها في بلاد السودان ، راجع جزئيا إلى شيوع الإمالة في الكثير من اللهجات السودانية.           إنّ من الظواهر الصوتية الجديرة بالتأمل والوقوف عندها حقاً في لهجة الرباطاب ، أو سليلة اللغة التي آثر أحمد المعتصم تسميتها بلغة " التكاكي " ، ورود حرف العين الحلقي المرتبط باللغات السامية عموماً وباللغة العربية على وجه الخصوص ، وقد أشار الكاتب إلى ذلك محقا.  وقد لاحظ الكاتب أن حرف العين في الكثير من الكلمات غير العربية هو جزء أصيل في بنية اللفظ ذاته. وأورد على ذلك أمثلة من أسماء الأماكن مثل: عتمور ، وعشكوت ، وعوينينة ، وعتيتة ، وقويعة. ومن أسماء الحيوانات: عيسيت ، وعمسيب ، ومرعفيب ، وبعشوم ، وقعوية ، وعرة. ومن الطيور: بعنيب ، ومن المصنوعات: عنقريب ، وعتنيبة ، وعنقور. ومن أسماء الأشخاص, عتيبة ، وعنكيب ، وكعيك ، وكعيجيل. وقد رجح المؤلف أن تكون هذه العينة الواردة من الألفاظ غير العربية ،  من أصل لغة التكاكي ، وليست من تأثيرات اللغة العربية المتأخرة. واستشهد على ذلك بأن (النويري) ، وهو من المؤرخين العرب في العصور الوسطى الذين كتبوا عن بلاد النوبة والسودان ، قد ذكر أن هذه المنطقة عندما كانت لغتها غير عربية ، كان أهلها يتحدثون عن وحش يوجد في بلادهم يسمى " المرعفيب " بنفس نطقها الحالي. وأضاف أنّ عبد الله الطيب قد قال عرضاً ، عندما تعرض للفظ عنقريب في كتابه " من نافذة القطار ": "واحد العناقريب العنقريب. ونُبئت أن هذا اللفظ عينه عند أهل سوقطرة وهم شعب سامي الأصل.. ولا أرتاب أنّ لغة مروي القديمة من أصل سامي يمني السنخ ، والله أعلم. " أ.هـ           وقد لفتت انتباهي فقرة أثبتها الباحث أورد فيها مقارنة بين مسميات بعض الأشياء في ما يدعوها هو " لغة التكاكي " ، بينما نرى نحن أنها العامية السودانية من حيث هي ليس إلاّ ، وبين مسميات تلك الأشياء باللغة النوبية التي اشتهر أن عربية السودان قد أخذت منها أشياء كثيرة (وهو بالفعل كذلك) ، غير أن الباحث أوضح أن تلك الألفاظ ليست من اللغة النوبية في شيء ، سوى أنه لم يقل لنا إلى أي اللغات تنتمي تلك الألفاظ ( يتجه التفكير –بطبيعة الحال – إلى اللغة البجاوية ، أو لغات الجنوب ، أو دار فور مثلا الخ ).           فمن ذلك على سبيل المثال ، أنّ العيسيت أو فرس النهر (يبدو أنه ينطق هكذا في لهجة الرباطاب ، وإلا فإنه يقال له العينسيت بزيادة النون في مناطق أخرى من السودان ) يسمى " أرد " في اللغة النوبية ، وأن البعشوم يسمى في النوبية "أوكل" ، والمرعفيب يسمى "آدى" ( يقال له المرفعين في الصعيد والغرب ) ، واللدر (إدر) وهو التمساح ، يسمى في النوبية " ألم " ،  والأسد (عمسيب) هو في النوبية " كو " ، والنسر ( بعنيب ) هو في النوبية "سور" ، والضفدعة: قعونجة وهي في النوبية " قوقلتي " .. الخ.           ولا أدري إن كان الكاتب قد رجع إلى قاموس اللهجة العامية السودانية لعون الشريف لكي يقف على ما جاء فيه عن أصول هذا الألفاظ السودانية القحة والتي تشترك جلها وبصورة مدهشة في احتوائها على صوت العين الحلقي شديد الارتباط باللغات السامية. على أنّ من المؤكد أن كلمة " عتمور " - وهي اسم بلدة في الرباطاب - معناها: الصحراء بلغة البشاريين وهم قبيل من البجة كما هو معروف ، غير أن هؤلاء ينطقونها " أتمور " ، فالله اعلم أي اللفظين  أخذ من الآخر.           على أنه ربما اعترض معترض ما بأن شهادة عبد الله الطيب في أمر استبصار أية بارقة قربى بين الثقافة السودانية ، وخصوصاً بين اللهجة العامية السودانية والثقافة العربية القديمة ، واللغة العربية الفصحى على التوالي والتعويل عليها. ، هي شهادة مجروحة بسبب ما يشاع عن قناعاته الإيديولوجية الراسخة العروبية التوجه كما يقال. ولكن عبد الله الطيب يظل مع ذلك رجلاً عالماً موسوعياً بحراً قل أن يجود الزمان بمثله ، وهو يتصف فوق ذلك بسعة الأفق ، والأمانة العلمية ، والتجرد ، والموضوعية ، وما يمكن أن نسميه بحدس العلماء الذي  " ما بقع واطاة " كما نقول في عاميتنا. ولذلك أشعر أنّ حدسه بأن تكون اللغة المروية من أصل سامي يمني الأصل ، ينبغي أن يحمل على محمل الجد. ومن المؤكد أن الجدل لم يزل لم يحسم بصورة قاطعة حول أصل اللغة المروية ، وحول علاقتها باللغة النوبية التي ورثت رقعة انتشارها الجغرافي تقريبا ، بل إن هنالك من علماء اللسانيات المعاصرين من يجادل بان تكون المروية منتمية لعائلة اللغات الأفريقية- الآسيوية ، أي بما يجعلها في عائلة واحدة مع الأسرة السامية التي تنتمي إليها اللغة العربية: انظر Kristy Rowan, Meroitic: An Afro-asiatic language ?, SOAS working Papers in Linguistics, Vol 14, 2006, pp 169-206 وكنت قد اطلعت على هذا البحث في موقع مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن على الشبكة العنكبوتية.           وعلى الرغم من أن عالم الآثار الألماني البروفيسور "هنتزه" ، كما ورد في البحث المشار إليه أعلاه ، قد أنكر في عام 1955 على زيلارس Zhylars الذي كان أول من قال بانتماء اللغة المروية إلى عائلة اللغات الأفريقية-الآسيوية منذ عام 1930 ، إلا أنّ هنتزه نفسه فيما يرويه عنه عبد الله الطيب ، أنه حاضرهم مرة منذ بضعة عقود في الخرطوم ، وقال لهم إن المرويين كانوا يصنعون طعام " الكسرة " السوداني المعروف إلى يوم الناس هذا ، والأغرب من ذلك أنه قال لهم إنهم كانوا يسمونه " كسرة " ، فتأمل !.           وشبيه بما أشار إليه أحمد المعتصم من أن النويري قد ذكر أن بعض السودانيين في زمنه كان عندهم وحش يسمونه " المرعفيب " ، هكذا ، بما في ذلك ألف ولام التعريف العربية الأصل ، فضلاً عن صوت العين "السامي" ، يلاحظ كاتب هذه السطور أنّ قدامى الجغرافيين والرحالة والمؤرخين العرب من أمثال اليعقوبي ، والمسعودي ، وابن حوقل وغيرهم ، ينقل بعضهم عن بعض ، أنّ لدى البجاة جمالاً سريعة العدو يسمونها (أي يسميها البجاة): " الصُّهبْ ". فقولهم يسمونها الصهب ، دل على  أنّ اللفظ كان مستخدما في بلاد البجة ، وليس وصفاً أسقطه أولئك الكتاب العرب على تلك الإبل. ولا شك في الأصل العربي للصفة " صُهب " في معرض الحديث عن الإبل. فهي الإبل المائل لونها إلى الاحمرار ، من الصُهبة بضم الصاد على وزن الصحبة ، وواحدتها صهباء ، وبه توصف الخمر. قال طرفة بن العبد يصف ناقته في المعلقة:  

صُهابيةُ العُثنون موجدة القرا     بعيدة وخد الرجل موّارةُ اليدِ

  يعني أن خصلة الوبر الموجودة في أسفل حنك تلك الناقة صهباء اللون. هذا ، ويكثر في جنوب كردفان شجر تميل أوراقه إلى الاصفرار والحمرة يسمى " الصّهَبْ " على وزن: الذهب ، واحدته: صهباية ، وخور الصهباية قريب من الدلنج. وقد تمنى حاج الماحي من ربه في مدحة " سمح الوصوفو " أن يعطيه " جملاً كُبّيري واصهب " ، فهذا من ذلك أيضا. فهذه الإشارات جميعها تحمل بالأحرى على الاعتقاد بأن وجود اللغة العربية في السودان هو أقدم  بكثير جدا مما يظن الناس من أنه مرتبط بمجرد احتكاك المسلمين الأولي مع النوبة في القرن السابع الميلادي ، وما ارتبط به من توقيع لاتفاقية البقط ، أو ببداية الاستعراب الثقافي والسياسي والبشري للبلاد الذي يؤرخ له بسقوط دنقلة في أيدي المماليك في القرن الرابع عشر الميلادي. وهذا الأمر يتطلب – من أجل إثباته - المزيد من البحث والتقصي الموضوعي البعيد عن الغرض والهوى. وخلاصة المقال أن لهجة الرباطاب التي يسميها أخونا أحمد المعتصم " لغة التكاكي " ، لا تعدو في حقيقة أمرها أن تكون لهجة عربية سودانية صميمة ، متأثرة ببعض رواسب اللغات السودانية المندثرة منها والمعاصرة ، شأنها في ذلك شأن سائر اللهجات العربية الأخرى داخل البلاد. وجزى الله أخانا أحمد المعتصم خير الجزاء عن العلم والبحث والثقافة السودانية ، على طرقه لهذا الموضوع المفيد والممتع وغير المسبوق ، والذي آمل أن يتوسّع فيه ، وأن يغنيه بالمزيد بالشواهد والبينات المعضدة ، توطئة لنشره على القراء في أقرب وقت ممكن.