عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 التَّكاكي ، بتاء مشددة مفتوحة وكاف مفتوحة بعدها ألف تليها كاف مكسورة بعدها ياء ، على وزن " التباكي " ، هي الاسم القديم لمنطقة الرباطاب التي تقع بين الشلالين الخامس والرابع على ضفتي النيل بشمال السودان. ويرد هذا الاسم في التراث الشفاهي المتداول بين أهل تلك المنطقة ، وفي مصنفات بعض الرحالة الأجانب ، كما تثبته بعض المدونات والوثائق الوطنية مثل كتاب " الطبقات " للشيخ محمد النور بن ضيف الله.
 أما " لغة التكاكي " ، فهي لغة افترض زميلنا السفير الدكتور أحمد المعتصم الشيخ – وهو سليل أسرة المشايخ العبابسة الذين يقطنون في تلك المنطقة -  في بحث أعده مؤخرا ، ما يزال مخطوطاً ، وتهيأ لكاتب هذه السطور أن يتحصل على نسخة مصورة منه من يد المؤلف ذاته مشكورا ، افترض افتراضاً أن تكون هي اللغة الخاصة بمنطقة التكاكي التي يرى أنها كانت تحتل الجزء الشمالي من مملكة " علوة " النوبية المسيحية في العصور الوسطى.
 يرجح الدكتور أحمد المعتصم أن كلمة " تكاكي " مشتقة في الغالب من Takkarki التي أوردها امبروستر في قاموسه للغة الدنقلاوية بمعنى: طريق ضيق Narrow Path ، مضيفاً أن " تكاكي " توجد أيضاً بنفس المعنى في الكلمة البجاوية توكاك  Tokak والتي تحمل معنى الطريق أو الدرب الضيق في الغابة ، وفي الفتحة بين جبلين ، والكوة في الحائط.
 قلتُ: ما أقرب هذه اللفظة البجاوية " توكاك " من حيث الجرس والمعنى من لفظة معروفة ومنتشرة في الكثير من البوادي والأرياف السودانية ألا وهي لفظة: " دوداب أو ديداب " التي تعني بالضبط: الدرب الضيق بين الأشجار أو الحشائش !. ولا أذكر ما أورده العلامة عون الشريف في تأثيلها في معجمه لألفاظ العامية السودانية ، فأنا أكتب الآن وهذا المرجع العمدة ليس بمعيتي مع الأسف.
 ويرى الدكتور أحمد المعتصم أنه على الرغم من أن سكان منطقة الرباطاب (التكاكي) يتحدثون الآن لهجة تعتبر من ضمن اللهجات السودانية العربية ( الصفة الأخيرة مضافة من عندي وليست في متن البحث ) السائدة الآن في وسط السودان ، إلا انه يستبصر مع ذلك وجود ما أسماه بتيار قوي مستمر من لغة قديمة في صلب لهجة سكان المنطقة الحالية ، هي اللغة التي يقترح الكاتب افتراضاً تسميتها بلغة التكاكي. ويعرب أحمد المعتصم عن اعتقاده بأن ذلك التيار يظهر أحياناً بمثابة لغة متوارية ، أكثر من كونها مجرد ألفاظ أو كلمات متفرقة بقيت أو تم استلافها من لغة قديمة.
 ويورد الكاتب في تأييد دعواه عبارات قاطعة الدلالة من قبيل قوله مثلاً:
"بالاستناد على اعتقادنا بأن ما أوردناه عن هذه اللغة ودلالاتها على الاستمرارية في الثقافة وفي العنصر السكاني في المنطقة ، فإننا نعتقد بأن الفرضية أن الأصل في لهجة المنطقة أنها تعتمد على لغة قديمة كان يتكلمها السكان في المنطقة حتى وقت قريب ، كما هو الحال في اللغة النوبية الحالية وغيرها من اللغات السودانية الأخرى ، وأنها تأثرت واستلفت من اللغة العربية واللغات المجاورة لها والمؤثرة فيها كالتبداوية والنوبية ، وان النواة التي تطورت منها هذه اللغة ما زالت موجودة في الكلمات والتراكيب اللغوية التي ذكرناها آنفا. " أ.هـ 
 غير أن أخانا أحمد المعتصم لا يقدم لنا في تقديرنا أية أمثلة أو بينات محددة ومقنعة على صحة هذه الفرضية التي تقتضي بالضرورة و بصفة أساسية إبراز ظواهر تركيبية وصرفية ونحوية بعينها   Specific structural, morphological and grammatical elements تقف شاهدا على ما دعاها المؤلف باللغة "المتوارية" ، وإنما تعرّضَ لمجرد رواسب معجمية آبدة ، و ألفاظ متفرقات هنا وهناك اندغمت في إطار البنية الصرفية والنحوية العربية بالأساس لهذه اللهجة العامية المحكية في هذه المنطقة.
  ولعل مما يمكن قوله في هذا الخصوص أنّه لو أن شخصا سودانيا قال لسوداني آخر " مسكلْ لي بالموبايل " فإن هذه الجملة هي جملة عربية صرفا ونحوا على الرغم من أن الفعل والاسم المذكورين فيها مشتقان من اللغة الإنجليزية. ولو أنّ شخصا إنجليزيا سمع هذه العبارة فإنه سوف لن يفهمها لأنها ليست عبارة انجليزية.
 ومهما قيل من أنّ قرابة الستين بالمائة من ألفاظ اللغة السواحيلية على سبيل المثال تعود إلى اللغة العربية ، إلا أنّ هذه اللغة كانت وما زالت وستظل إلى ما شاء الله لغة إفريقية بانتوية محضة من حيث بنيتها. ونفس الشيء ينطبق على علاقات لغات مثل الفارسية والأوردية والهندية والتركية التي تأثرت تأثرا كبيرا من حيث المفردات باللغة العربية ، إلا أن هذه اللغات تبقى منتمية إلى عوائل لغوية مختلفة تماماً عن تلك التي تنتمي إليها اللغة العربية.
 فالواقع الماثل للعيان إذن هو أن لهجة منطقة الرباطاب ، أو ما كانت تعرف في السابق بالتكاكي ، ما هي في تقديرنا إلا لهجة سودانية عربية تأثرت برواسب من لغات سودانية قديمة ومعاصرة شتى. ولا مندوحة في أن اللهجة هي في تعريف علماء اللسانيات مجرد درجة أو تنزُّل من ضمن تنزُّلات أخرى متقاربة ومتشابهة تنتمي جميعها إلى لغة واحدة ، شريطة أن يُستطاع التفاهم المشترك أو ما يسمى بال Mutual intelligibility بين الأفراد المتحدثين بتلك اللهجات المنتمية إلى لغة واحدة. وبمجرد ما ينتفي شرط التفاهم المشترك ، فإن تلك اللهجات تتحول حينئذ إلى لغات مستقلة بعضها عن البعض الآخر ، وذلك على النحو الذي حدث لما يسمى بمجموعة اللغات الرومانسية (الفرنسية والإيطالية والبرتغالية والأسبانية والرومانية) التي كانت قبل بضعة قرون فقط مجرد لهجات متفرعة عن اللغة اللاتينية الأم.
 وما من شك في أنّ أي شخص من أية بقعة في السودان يتحدث أهلها لهجة عربية ، يستطيع أن يتفاهم مع "أربطْ" رباطابي بكل سهولة ويسر ، وسوف لن تستعصي علي مثل هذين الشخصين المفترضين سوى بعض الألفاظ والمصطلحات وليست التراكيب ، نسبة لأن أية لهجة في السودان متأثرة حتماً من ناحية الذخيرة اللفظية تحديداً باللغات السابقة والمعاصرة لها في منطقة انتشارها.
 والغريب أن الدكتور المعتصم ينص في بحثه على أنّ "معظم المفردات التي أوردناها معروفة في المناطق إلى الجنوب منها (يعني جنوب دار الرباطاب) ، في مناطق بربر والجعليين ومنطقة الجزيرة والبطانة حتى أطراف كردفان نجد في كلماتها المتبقية من ظواهر لغوية تتشابه مع لغة التكاكي." أ.هـ
 فما هي خصوصية منطقة التكاكي في هذا المضمار إذن ؟. ثم ماذا عن لهجات العناصر المستعربة القاطنة إلى الشمال من دار الرباطاب ؟ أعني المناصير والشايقية والبديرية وعرب دنقلة الخ؟. إنهم يتحدثون لهجات عربية متأثرة تأثراً كبيراً بلغات السودان القديمة والمعاصرة وخاصة النوبية وكذلك البجاوية.
 فإذا ما استثنينا الألفاظ الخاصة بالساقية ومتعلقات الزراعة بالري الفيضي على ضفاف النيل ، وهي ألفاظ يشترك فيها الرباطاب والشايقية والبديرية والمناصير وحتى الجعليين جنوباً ، فإن جل الألفاظ التي أوردها الدكتور المعتصم على أنها ألفاظ خاصة بمنطقة التكاكي ، واستعرضها على أنها تدل على عقابيل لغة بعينها هي لغة التكاكي ، هي في الواقع ألفاظ مألوفة في شتى أنحاء السودان المستعرب ، وربما في مناطق خارج السودان أيضا. فكلمة "بِرْكيب" مثلا ، بباء مكسورة وراء ساكنة وكاف مجرورة على وزن " قنديل " ، التي أوردها الكاتب على أنها كلمة تكاكاوية/رباطابية قحة ، نجدها تستخدم في عربية تشاد بذات النطق والدلالة. ومعناها: "نوع من اللبن الرائب ، غير شديد الحموضة وسائغ في الشراب". والكلمة موجودة في دار فور بذات اللفظ والمعنى ، واشتهرت بلدة "منواشي" فيما بلغني ببركيبها الجيد. والأخ أحمد المعتصم يعلم ذلك جيدا ، فقد عمل في السفارة بانجمينا وأصاب من بركيبها اللذيذ.
 وغني عن القول أن ألفاظاً مثل: عتود ، وعمبلوق ، وعبور ، ودانقة ، ودانقيل ، وكنتوش ، وكبوتة ، وبربور ، ودوكة ، ودحلوب ، وكركب ، وسبر ، وجرتق ، وتقروبة ، وجنقول (جنقور بالراء في دار فور ) ، ومعناها: الهدم البالي الخلق ، ومنه المثل الدارفوري: " سيد جنقور في فاشر ولا أجواد ! " ، هي جميعها من الألفاظ التي تتشارك فيها سائر اللهجات العربية في السودان. وهي بالتالي ليست وقفا على لهجة الرباطاب. أما لفظة " كبوتة " المذكورة ضمن هذه القائمة ، وتعني أداة من أدوات صنع القهوة قديما في السودان ، فقد وردت في قصيدة درامية مشهورة للشاعر الكردفاني المجنوني: "عبد الله الدريويش" جاء فيها:
الجبنة التمام عدتها
فنجان  والكبوتــــة
والتالتة  أوقايتها ... الخ
 استوقفتني في البحث إشارة المؤلف إلى المقطع الصوتي tig ، والذي – كما قال – يعني: فعل الشيء ، وذلك دون أن يوضح في أي لغة من اللغات يرد هذا المعنى. ومما قاله في هذا الخصوص ، أنّ كلمة jer – tig (جرتق) ، كلمة تعني: تنصيب العريس في محاكاة لتنصيب الملك. وهكذا يهتم أحمد بالطقس الفولكلوري ، ولكنه لا يمضي إلى آخر الشوط في عملية التأثيل اللغوي Etymology ، بحيث يوضح للقارئ على سبيل المثال ، أنّ المقطع jer  جر معناه كذا باللغة الفلانية ، وأن المقطع tig تق معناه كذا باللغة الفلانية. فأحمد المعتصم فولكلوري ومؤرخ في الأساس ، ولعله يضيق ذرعاً بمماحكات اللغويين وسلخهم للنمال. ونواصل..