عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

حفزني إلى كتابة هذا المقال  مقال نشره مؤخراً زميلنا الدبلوماسي البحاثة ، والأديب الناقد الاستاذ خالد موسى دفع الله ، نعى فيه على بعض الناس في السودان ، تبرمهم وضيقهم ذرعاً بالاهتمام والحفاوة الشديدة التي قوبلت بها الذكرى الأولى لرحيل أديبنا الأشهر الاستاذ الطيب صالح عليه رحمة الله. وكان أكثر ما حفزني لكتابة هذه السطور إشارة الاستاذ خالد إلى مشاركة الاستاذ الدكتور عبد الله حمدنا الله في احتفال بمرور عام على رحيل الطيب صالح نظم بالخرطوم ، وأمه لفيف من كبار الأدباء والنقاد والباحثين السودانيين وغيرهم ، حيث قال إنّ الدكتور حمدنا الله قد آثر أن يسلط من خلالها بعض الضوء على المشروع النقدي للطيب صالح عبر سياحة وئيدة في مختاراته العشر ، مبيناً أن الطيب صالح كناقد قد اختار استخدام المنهج الذوقي التأثري الذي يقوم على التذوق الأدبي كمعيار رئيس لقياس جماليات الأثر الإبداعي.

أما الطيب صالح ناقداً ، فإنه بالفعل موضوع مهم قد ندَّ عني مع الأسف وأنا أعد كتابي الذي صدر متزامناً مع الذكرى الأولى لوفاة الأديب الكبير بعنوان: " عن المريود اللامنسي: مباحث في إبداع الطيب صالح " ، ولتكن هذه الكلمة إذن ، بمثابة الاستدراك على ذلك النقص الذي اعتري كتابي المومى إليه ، والكمال لله وحده.

على أنني كنت قد ألمعت بالفعل في كتابي ذاك إلى ملكات الطيب صالح الفذة في مجال النقد الأدبي والاجتماعي ، وخصوصاً من خلال مختاراته التي تعتبر بحق ذخيرة ثقافية ومعرفية وأدبية في غاية النفاسة.

تذخر مؤلفات الطيب صالح كما هو معروف ، بالعديد من الاشارت والاقتباسات والاستشهادات بنصوص كثيرة ومتنوعة شعرية ونثرية وفلسفية لمبدعين من شتى الخلفيات والجنسيات والميول والاتجاهات الفكرية والفلسفية والدينية ومستويات التعليم. وهذا الصنيع مما يدخل في باب الاختيار بلا ريب. ومما لا شك فيه أن الاختيار باب أصيل في النقد ، إذ أنه يدل على التذوق ، مثل ما أنه يشي بالحكم على المادة المختارة بالجودة ، على الأقل من وجهة نظر الشخص المتذوق المعني بطبيعة الحال.

وفي تراثنا العربي القديم والمعاصر اشتهر عدد من المجموعات أو ما يعرف بالانطولوجيات الشعرية نذكر منها على  سبيل المثال فقط: المفضليات للمفضل الضبي ، والأصمعيات للأصمعي ، وديوان الحماسة لأبي تمام ، وجمهرة أشعار العرب ، مروراً بمختارات البارودي ، وانتهاءً بأحلى عشرين قصيدة في الغزل لفاروق شوشة وهلمّ جرا.

وهكذا وفي ذات السياق وجدت أسماء ونصوص امرئ القيس ، وذي الرمة ، والمتنبيء ، والمعري ، وأبي تمام ، وأبي نواس ، وشوقي ، ومحمد سعيد العباسي ، والفيتوري ، ومحمد المكي إبراهيم ، فضلاً عن وليام شكسبير ، وشيلي ، وكولردج ، وييتس ، وأيديث سيتويل وغيرهم طريقها إلى أعمال الطيب صالح.

أما حب الطيب صالح لذي رمة وتذوقه لشعره الغزلي البدوي القح ، فهو مدين فيه كما اعترف هو بنفسه ، لصديقه الأديب الموريتاني الراحل عبد الله ولد أربيه ، فهو الذي عرفه على شعر غيلان بن عقبه المعروف بذي الرمة وأوقفه على أسراره وخباياه. والمعروف بهذه المناسبة أن الطيب صالح كان يكن مودة وتقديراً عظيمين للشناقطة ، وهم في المقابل لعمر الله كانوا وما يزالون يبادلونه محبة بمحبة وتقديرا بتقدير ، وقد لمست ذلك بنفسي في نواكشوط. وقد ذكر الطيب صالح على سبيل المثال أيضاً أن المرابط محمد سالم ولد عدود رحمه الله ، العالم والشاعر الموريتاني الكبير كان قد شرح له بيت المتنبيء:

لقيتُ بدرب القلة الفجر لقيةً      شفتْ كبدي والليل فيه قتيلُ

غير أنني أرى أن حب الطيب صالح وتذوقه لشعر ذي الرمة خاصة ، وشعر أبي العلاء المعري – كما سنرى لاحقاً – ناتج علاوة على الأثر الشنقيطي المشار إليه ، إلى نوع تأثر على نحو ما بالعلامة عبد الله الطيب ، وليس في ذلك غضاضة فالطيب صالح كان يشهد بأن عبد الله الطيب أستاذه على كل حال ،وكلاهما يصدر فيما نظن عن موجة ذوقية ومزاجية واحدة ، وإن بدا هذا الأمر مستبعداً في نظر بعض الناس.

وقد سبق عبد الله الطيب الطيب صالح إلى حب ذي الرمة وإلى تذوق شعره ونقده ، وله فيه أبحاث قيمة بمجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة ، بل أنه ألف فيه كتاباً كاملاً منذ سبعينيات القرن الماضي بعنوان: " شرح أربع قصائد لذي الرمة " ، وهو من إصدارات دار جامعة الخرطوم للنشر.

وكتب الناقد السوداني الشاب النابغة ، وعضو هيئة تحرير مجلة الدوحة القطرية في حلتها الجديدة ، الأستاذ محمد الربيع محمد صالح هذه اللمحة ذات الدلالة العميقة عن الجانب النقدي في تراث الطيب صالح ، وذلك في معرض مقال له نشر بموقع سودانيز اونلاين الالكتروني الشهير:

" وعلى النسق نفسه والطريقة ذاتها قدم قراءة عارفة وناقدة للابداع الألماني في مقالاته " الإقامة في فايمار " واحتفظ بالتقليد ذاته في محاضرته عن أبي العلاء شاعراً في خيمة البرنامج الثقافي لمعرض الدوحة للكتاب ، فاتخذ المؤانسة مدخلاً إلى أسماع ووجدان الحضور ، واللغة العذبة بسيطة الجرس ، عميقة الدلالة لمناقشة أكثر الأفكار تعقيداً ، وليحاجج الدكتور طه حسين نافياً عن أبي العلاء الفلسفة التي أثبتها له ، ومؤكداً أنه شاعراً أولاً وأخيراً ، معززاً منطقه بإرسال العلامات الدالة على مركزية الشعر في تجربة أبي العلاء ، بالإشارة إلى الإلفة في قصيدة أبي العلاء التي يقول فيها:

 

طربنَ لضوء البارق المتعالي         ببغدادَ وهناً مالهنّ ومالي

إذا لاحَ إيماضٌ سترتُ وجوهها      كأنيَ عمروٌ والمطيَّ سعالي

 

قائلاً: إنها قصيدة باذخة الجمال ، ونص بليغ يضيء أحوالنا المعاصرة ، حيث الناس مثل إبل أبي العلاء تريد عالماً أليفاً ويصر الناس على إحاطتها بالنوازع المادية ". أ.هـ

ومرةً أخرى لعله يحق لنا ان نلاحظ أيضاً أن عبد الله الطيب ذاته كان يحب المعري ويستعذب شعره ، بل إن الاطروحة التي نال بموجبها شهادة الدكتوراه من جامعة لندن في عام 1950 م ، كانت بعنوان: " أبو العلاء المعري شاعراً " ، سوى أنه كتبها بالإنجليزية ، فتأمّلْ.

وهذه القصيدة التي أعجب بها الطيب صالح بالذات ، وهو محق وأصيل في هذا التذوق بلا أدنى ريب ، كان  عبد الله الطيب شديد الإعجاب بها كذلك ، ولا غرو أنه ظل يدرسها لطلابه على مختلف أجيالهم على مدى خمسين عاماً ، مثلها مثل مفضلية متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك: لعمري وما عهدي بتأبين هالك الخ. وسيقول لك تلاميذه إنه كان يبلغ قمة التأثر والافتنان لدى شرح قول متمم:

قعيدك ألاّ تُسمعيني ملامةً      ولا تنكئي قرح الفؤادِ فييجعا

وكان عبد الله الطيب قد ذكر في الجزء الثاني من مذكراته التي نشرها في اوائل ثمانينيات القرن الماضي تحت عنوان: " من حقيبة الذكريات " ، أنه قد أنشد قصيدة المعري " طربن لضوء البارق المتعالي " تسميعاً في الثلاثينيات من ذات القرن ، أمام الشاعر المصري الكبير: " علي الجارم " الذي زارهم وهم طلاب آنئذ في كلية غوردون التذكارية بالخرطوم.

ومن عجيب الصدف أن المعري نفسه قد جاء بذكر ذي الرمة في قصيدته هذه التي أعجبت أديبينا الفاضلين معاً ، وذلك حين يقول فيها:

 

وإني تيممتُ العراقَ لغيرِ ما            تيمّمهُ غيلانُ عتدَ بلالِ

يشير بخبث و بطريقته الملغزة الظريفة التي اعتادها ، إلى أنه لم يزر العراق مستجدياً كما زاره الشاعر غيلان بن عقبة المشهور بذي الرمة يرجو نوال بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ، وكان وقتئذٍ والياً على الكوفة من قبل الأمويين.

هذا ، ولقصيدة المعري هذه شرح وتحليل بلاغي وأسلوبي غاية في الروعة نشرته الدكتورة لطيفة إبراهيم في العدد رقم 28 من مجلة التراث العربي الصادر بتاريخ 28 يونيو 2008 موجود على الشبكة العنكبوتية تحت عنوان: " بلاغة الحنين في قصيدة " لقد زارني طيف طيف الخيال فهاجني " لأبي العلاء المعري ، مجتزءً من بيت المعري في ذات القصيدة:

 

لقد زارني طيف الخيال فهاجني    فهلْ هاج هذي الإبْلِ طيفُ خيالِ

والراجح عندنا أن المعري نفسه كان معجباً بشعر ذي الرمة من شعراء العصر الأموي ، مثل ما كان شديد الإعجاب - كما نرجح - بشعر البحتري من شعراء العهد العباسي ، بآية ما كان يذكره باسمه الأول تحببا وتدليلا له في أكثر من مناسبة مثل قوله:

وقال الوليدُ النبعُ ليس بمثمرٍ      وأخطأ ، سربُ الوحشِ من ثمرِ النبعِ      

أو قوله في الأخرى:

ذم الوليدُ ولم أذمم جواركمُ فقال ما أنصفت بغداد حوشيتا

وإن لقيت وليداً والنوى قذفٌ يوم القيامة لن أعدمه تبكيتا

ومن شعرائنا المعاصرين المجيدين المعريي الهوى – إذا جاز التعبير - الشاعر المفلق الأستاذ ابراهيم محمود الدلاّل حفظه الله. ووصف صديقنا المشترك الأمين البدوي أبا العلاء المعري مرةً بأنه: " برطن بالعربي ". ويقصد هذا الناقد الماكر اللماح أن المعري من فرط استظهاره لكلام العرب ، واستيعابه له استيعابا يكاد يكون كاملا ، أضحى يتفنن في استخدامه في براعة مذهلة تشبه التلاعب ، ولكنه لا يلعب كما يلعب مثلاً طفل في الثالثة من عمره بالكرة ، وإنما كما يلعب ميسي أو رونالدينو ، لعباً متقناً يجمع بين البراعة والتطريب وإحراز الأهداف. والمعنى هو أن المعري قد أوتي فصاحة اللفظ ، و حلاوة الأسلوب ، وطلاوة العبارة مع إصابة المعنى المراد بسهولة ويسر.

وللطيب صالح من بعد إشارت نقدية غاية في اللطافة والعمق في شعر أبي الطيب المتنبيء ، شاعره الأثير كما قال الشاعر الدلال في قصيدته التي رثا فيه الطيب صالح:

يحملجُ بالقصائد لا تُجارى     عتيقُ الخيلِ شاعرك الأثيرُ

وما جلّى حبيبٌ من جيادٍ       تتبّعَ شأوها الأعمى البصيرُ

أما حبيب الذي جلّى الخرائد الجياد من الشعر ، فالمقصود به هو أبا تمام حبيب بن أوس الطائي ، والذي تتبع شأو تلك القصائد الجياد ونسج على منوالها ، هو أبو العلاء المعري الذي وصفه بالأعمى البصير.

فمن مواقف الطيب صالح النقدية ذات الصلة بشعر المتنبيء ، ترجيحه لرأي صانع سيوف وحداد قابله في سلطنة عمان صحح له رواية بيت أبي الطيب من قصيدته في سيف الدولة التي مطلعها " فديناك من ربع وإن زدتنا كربا " ، والرواية المشهورة والشائعة هي:

تهاب سيوف الهند وهي حدائد     فكيف إذا كانت نزارية عربا

فصار يميل إلى رواية الحداد العماني للبيت هكذا:

تهاب سيوف الهند وهي حدائبٌ    فكيف إذا كانت نزارية عربا

 قال الطيب صالح إن صانع السيوف ببلدة صور العمانية قد أعلمه بأن المتنبئ لم يقل ( حدائد ) بالدال ، ولكنه قال ( حدائب ) بالباء ، وذلك لأن السيف الهندي أحدب او محدودب يقطع من جهة واحدة ، في حين أن السيف العربي مستقيم ذو حدين يقطع من جهتين ، فذلك موضع المدح.

 

وقد عرض الطيب صالح إلى هذا الرأي في مجلس مسامرة جمع بينه وبين الدكتور محمود مكي عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة ، والدكتور جابر عصفور رئيس المجلس الأعلى للثقافة بمصر قبل سنوات ، فاحتج الطيب صالح لرأيه قائلاً: " ظاهر المعنى أن الشاعر يعقد مقارنة بين سيوف الهند والسيوف العربية ، ويقول إذا كانت الناس تخشى سيوف الهند وهي من حديد ، فكيف لا تكون خشيتها من السيوف العربية ؟ " ، ثم يستدرك بطريقة منطقية قائلاً: " ولكن لماذا ؟ هل السيوف العربية ليست من حديد ؟! ".             

   ولكن الدكتور محمود مكي رد رأي الطيب صالح ورفضه رفضاً تاماً قائلاً: " إن كلمة " حدائب " لا وجود لها في اللغة ، لأنه لو صح ذلك فينبغي أن تكون جمعاً لحديبة أو حدوبة ، لأن وزن فعائل إنما هو جمع فعيلة أو فعولة ، ولا وجود للفظ حديبة أو حدوبة في اللغة. " أ.هـ

قلتُ: مع احترامنا التام لرأي الدكتور مكي ، إلا أننا نرى أن المنطق والسياق الكلي لمعنى بيت المتنبيء المشار إليه يقفان مع الطيب صالح وصديقه صانع السيوف العماني. ولغة العرب واسعة ومن المستحيل أن يحيط بها شخص واحد مهما بلغ علمه ، كما أن الثابت هو أن اللغويين والبلاغيين عبر العصور قد تصرفوا في الرواية وغيروها وبدلوها ، قصداً أو عن غير قصد.

فلقد سمعت عبد الله الطيب في أكثر من مرة يروي بيت جرير الشهير:

إن العيون التي في طرفها حورٌ     قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

سمعته يرويه هكذا:

إن العيون التي في طرفها " مرضٌ " الخ بدلا من " حور " الشائعة الآن. ويبدو لي أن الرواية الصحيحة القديمة هي " مرض " ذاتها استناداً لاختيار البروف رحمه الله ، إذ لا ينبئك مثل خبير.

والمعروف أن وصف العيون بالمرض ، بمعنى النعاس أو استرخاء الأجفان المستملح عن رقة ودلال ، كان من المجازات الشائعة في الأشعار العربية القديمة ، والتي يبدو أن الذوق المعاصر قد نبا عنها ، فصارت كلمة "المرض" مرتبطة بالعيون تحديداً ، تستدعي الرمد والتراكوما والجلاكوما وسائر أمراض العيون.

ثمّ إن رأي الطيب صالح والسياف العماني تعضده في تقديرنا حقائق مثبتة تدخل في باب الثقافة المادية من علم التراث الشعبي أو الفولكلور. فلقد كانت السيوف العربية بالفعل سيوفاً مستقيمة النصول وليست حدباء كسيوف الهنود ، وما تزال بعض السيوف التي ترجع إلى العهد النبوي محفوظة إلى يوم الناس هذا بمتاحف اسطنبول والقاهرة وغيرها ، وهي بالفعل سيوف مستقيمة النصول.

ولم يفت على الطيب صالح أن يدلي بدلوه أيضاً في نقد بعض الجوانب من خطاب الحداثة الأدبية ورموزها ، ففي هذا السياق نشر الناقد المثابر الأستاذ عبد المنعم عجب الفيا مقالاً بعنوان: " الطيب صالح ورولان بارت وفوكو ونظرية موت المؤلف " نجنزئ منه ما يلي:

 

" في الكتاب الثاني من سلسلة (مختارات ) ، والذي جاء تحت عنوان: أعلام الفرنجة والعرب ، انتقد الطيب صالح نظرية موت المؤلف التي روّج لها النقد البنيوي والتفكيكي من خلال كتابات الفرنسيين: رولان بارت ، وميشيل فوكو ، وجاك دريدا. ووصف النظرية بأنها لا تعدو أن تكون عبثاً فكرياً ومغالطات متعجرفة. وقد استهل الطيب صالح المقال باستشهاد ذي مغزى من الشاعر الفرنسي شارل بودلير:

(يا لها من بدع عجيبة تسربت إلى نقدنا الأدبي كسحابة مظلمة ساقتها إلينا ريح شؤم ، من جنيف أو بوسطن ، او من الجحيم ، حجبت عنا شمس "الجمال" المضيئة. يا لها من فلسفة عبثية ! أي عدوى غريبة ، ثصيب المروجين لهذه الترهات ، فيربربون بكلام مثل هذيان المجانين ؟) .. شارل بودلير 1859 م.

حيّر العالم الفرنسي رولان بارت مريديه. إنه لم يثبت على موقف واحد ، بل ظل يغير موقفه باستمرار. وسوف يجد القارئ أدلة كثيرة على عبثه الفكري في مقالته الشهيرة التي أعلن فيها "موت المؤلف" وهي من كتابه ( الصورة- الموسيقى – النص ) الصادر 1977 م.

لا يحتاج الإنسان إلى إعمال الفكر طويلاً لكي يدرك أنه لغو مملوء بالمغالطات والعجرفة ، وهو لم يترك للقارئ إي مجال للحكم. لم يترك شيئاً نقيس به أو مرجعاً نستند إليه لأنه رفض كل شيء ضربة لازب.

ورغم ذلك فإنّه لم يفلح أن يخفي المغالطة الكبرى في خطابه. إذا كان قد مات الكاتب والناقد والعقل والعلم والقانون ، فأين وضع هو نفسه ؟ ، ومن أين استمد الحق أن يصدر هذه الأحكام (اللاهوتية) كانها حقائق تنزلت عليه من السماء.

الأمر كما قال بودلير: " كلام مثل هذيان المجانين ". إنه لا يعدو أن يكون محض لعب بالأفكار والألفاظ  من رجل يتيه بعلمه. وهو فيما يتعلق بنا على أي حال ، علم لا فائدة منه ولا خير فيه. " أ.هـ