عجب الفيّا وكتاب المريود اللامنسي   ... بقلم: د. خالد محمد فرح

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

        نشر صديقي الأديب النحرير ، والناقد الفهامة الأستاذ عبد المنعم عجب الفيا في أواخر شهر فبراير من هذا العام بصحيفة " سودانايل " الالكترونية مقالاً استعراضياً ونقدياً لكتابي الموسوم ب " عن المريود اللامنسي: مباحث في إبداع الطيب صالح " الذي صدر في ذات الشهر متزامناً مع مرور الذكرى الأولى لرحيل أديبنا الأشهر ، فغمرتني البهجة والسعادة ، وامتلأت جوانحي بالفخر والاعتزاز من جراء ذلك التشريف الكبير الذي طوق به عنقي أخونا عبد المنعم ، هذا العالم والباحث والأديب والناقد الألمعي و " مُقلام الحجج " الثقافية والفكرية الذي لا يشق له غبار ، ووارث السلف الصالح من أدبائنا ونقادنا الأفذاذ السابقين منهم والمعاصرين من لدن  حمزة الملك طمبل و معاوية نور والأمين علي مدني وحسن نجيلة وعبد الله الطيب ومحمد محمد علي وعز الدين الأمين وجمال محمد احمد وعبد الله حامد الأمين ومحمد إبراهيم الشوش وإبراهيم الحاردلو وعلي المك وعبد الله علي إبراهيم وعبد الهادي الصديق وعبد القدوس الخاتم وأحمد محمد البدوي ، وانتهاء بجيل محمد الربيع محمد صالح ، و الأمين كاكوم ، وصديق عمر الصديق ، وأبو عاقلة إسماعيل والذين اتبعوهم بإحسان إلى يومنا هذا. فلعبد المنعم مني جزيل الشكر على ما أسدى من معروف ، وعلى ما قدم من إضاءة باهرة ، وتعقيب سديد على ما جاء في كتابي المومى إليه.

هذا ، وما أخرني في الرد على ذلك المقال الاستعراضي الباذخ إلاً أن الظرف التاريخي الذي تلا نشره مباشرة لم يكن ظرفاً مناسباً لاجتراح مثل تلك " الفياقات والنُّزَهْ " كما قد تبدو في نظر البعض ، ذلك بأنه كان سيكون متزامناً مع انشغال الجميع بالانتخابات العامة في البلاد وأخبارها ، فخشيت أن أوصف بما وصف به المك نمر أفراد تلك القبيلة البدوية المشهورة ، عندما تأخروا عن المشاركة في النفير من أجل صد الجيش الغازي بحجة أنهم كانوا يقيمون سباقاً للحمير ، فقال فيهم ذلك القول الذي صار من بعد مثلاً سودانياً سائرا.

أبدأ ردي بالتعقيب على ما جاء في مقال عجب الفيّا من إشارته لتلمذتي على العلامة بروفيسور عبد الله الطيب ، فأقول إنني أشهد بكل سرور بصحة تلك التلمذة ، ولكنني أرجو أن أوضح بأنها قد كانت تلمذة من خارج قاعات الدرس النظامي Extra-mural . ذلك بأننا عندما قبلنا بجامعة الخرطوم في عام 1979 ، كان عبد الله الطيب آنئذٍ يدرس بجامعة محمد الخامس بفاس بالمملكة المغربية ، ولم يعد نهائياً إلى جامعة الخرطوم إلا قريباً من نهاية فترة دراستنا بها في عام 1984. وكنت حينئذ قد هجرت دراسة اللغة العربية وآدابها دراسة نظامية ، وأقبلت على دراسة اللغتين الانجليزية والفرنسية ، ثم إنني تخصصت في هذه الأخيرة وتخرجت بها. بيد أنه صحيح أننا كنا نتردد كثيراً على عبد الله الطيب بمكتبه بكلية الآداب ، وبمنزله بضاحية بري بالخرطوم ، كما كنا نغشى محاضراته العامة حيث ما كانت داخل العاصمة المثلثة ، فضلاً عن حرصنا الصبا الباكر على الاستماع إلى محاضراته وأحاديثه الشائقة من خلال الإذاعة والتلفزيون شأننا في ذلك شان سائر فئات المجتمع السوداني. ثمّ إنني صرت أختلف إلى عبد الله الطيب في مكتبه بمجمع اللغة العربية بالخرطوم، والذي كان له فضل تأسيسه ورئاسته إلى أن اختاره الله تعالى إلى جواره في عام 2003م. وأنا افتخر بأنه – رحمه الله – كان قد أهداني ثلاثة من مؤلفاته بخط يده ، ما أزال أحتفظ بها أعلاقاً نفيسة ولله الحمد.

سرني استحسان عجب الفيا لالتفاتي إلى أن الهاء في كلمة "هضليم" السودانية التي تقابل كلمة "الظليم" العربية الفصحى بمعنى ذكر النعام ، والتي أوردها الطيب صالح في استهلال رواية "بندر شاه" على لسان من أسماه "شاعر سوداني مجهول" ، وهو قوله:

يا بنوت هضاليم الخلا البنجاطن

أسرع قودع أمسيت والمواعيد فاتنْ

 

سرني استحسانه لالتفاتي إلى أن تلك الهاء في كلمة "هضليم " تشبه الهاء التي هي بمثابة أداة التعريف في اللغة العبرية.

وقد استوقفني بشدة وجذب انتباهي قول عبد المنعم عجب الفيا في ذات السياق ما يلي: "وقد لاحظت من خلال بعض مطالعاتي ومقارناتي المتواضعة بين اللغتين أن هنالك كثيراً من المفردات التي نستعملها في كلامنا السوداني الدارج ، موجودة كما هي في العبرية ، حتى أنني قررت أن انصرف إلى دراسة هذه الظاهرة ، ولكن هذا حديث آخر. " أ.هـ

قلتُ: ليتك يا عبد المنعم تنصرف ولو جزئياً وليس كلياً لبحث هذه الظاهرة ، وتخصص لها جزءا يسيراً من وقتك وجهدك البحثي والمعرفي خصوصاً ، وأنت رجل باحث مثابر ولك من العدة والعتاد الثقافي والمعرفي والفيلولوجي المعتبر ما يؤهلك لذلك.

على أن أمر المقابلة بين العامية السودانية واللغة العبرية ليس بالموضوع الجديد تمام الجدة ، فهو أمر قد فطن إليه على سبيل المثال من قبل الإنجليزي مايكل رسل Michael Russell في كتابه  بعنوان: بلاد النوبة والحبشة  Nubia and Abyssinia ، والذي نص فيه على ما دعاها بوجود مشابه مدهشة بين عامية أهل شمال السودان واللغة العبرية ، وذلك دون أن يأتي على ذكر أمثلة محددة.

مهم يكن من أمر ، فإنه على المستوى الصوتي مثلاً ، تميل العامية السودانية ، وخصوصاً عامية وسط وشمال السودان التي يتكلم بها سكان الحواضر وأفراد القبائل الزراعية والمستقرة ، بعكس القبائل البدوية ، تميل إلى تحريك وسط الأسماء الثلاثية مثل العبرية تماماً ، وليس تسكينه كما في العربية الفصحى ولهجات القبائل البدوية في السودان ، وكثير من العاميات العربية المعاصرة أيضا.

ففي عامية السودان الحضرية يقولون: كَلِبْ بكسر اللام وليس تسكينها: " كَلْبْ " ، وقلِبْ وليس قلْب ، ولَحَم وليس لحْم بفتح الحاء وليس تسكينها ، وهكذا ، واللغة العبرية تفعل ذلك أيضا.

وإلى عبد المنعم ، ثم إلى سائر القراء من بعده كذلك ، هذه الآبدة التي أرجو ألا أكون قد أبعدتُ النُّجعة بها: خطر لي وأنا أقرأ في الكتاب المقدس "التوراة" ذات مرة منذ بضعة أعوام أنّ الصفة التي وصف بها الخشب الذي صنعت منه سفينة نوح عليه السلام قد تكون ذات صلة باسم شجر بعينه في السودان. فقد وصف ذلك الخشب في التوراة بأنه خشب "جفر". ورب قائل يقول إن الصفة "جَفْر" بفتح الجيم وتسكين الفاء موجودة ومعروفة في اللغة العربية الفصحى ، ومعناها قوي وجذل. ومنه الغلام الجفر ، بمعنى الغلام الحزوّر المكتمل الصحة. ولكن وهلي ذهب إلى أنه ربما كان المقصود بالصفة " جفر " التي وردت في التوراة العبرية للدلالة على الخشب الذي صنعت منه سفينة نوح ، هو شجر " القَفَلْ " بالقاف السودانية المعقودة المفتوحة تليها فاء مفتوحة بعدها لام ساكنة ، وهو نوع من الشجر دائم الخضرة وذو خشب هش ولكنه متماسك وخفيف الوزن جدا يطفو بسهولة فوق الماء. هذا ، والمعروف أن القاف المعقود التي تقابلها الجيم القاهرية والجيم تتبادلان ، كما أنّ الراء واللام تتعاقبان ، وبالتالي من الجائز جداً أن تكون: خشب جفر هي "خشب قفل" ذاتها والله أعلم. ذكرت ذلك مرة للدكتور جعفر مرغني مدير معهد حضارة السودان، وعالم اللغويات والكلاسيكيات المشهور فاستحسنه.

تمنّى عليّ عبد المنعم لو أنني جعلت مقالي بعنوان: "التصحيف في أعمال الطيب صالح" في أواخر الكتاب، لا كمقالة افتتاحية كما فعلت. الغريب في الأمر أنّ ذات التعليق أو الأمنية كان قد عبّر عنها صديقي الدكتور السيد ولد ابّاه ، أستاذ الفلسفة بجامعة نواكشوط الذي كان قد قام مشكوراً بالتقديم للكتاب. ومع احترامي وتقديري لرأي هذين الأديبين الفاضلين ، إلاّ أنني قصدت عامداً من الإتيان بهذا المقال أولاً إلى إرسال رسالة مفادها الحرص على إبطال الباطل أولاً ، قبل إحقاق الحق كما يتراءى لي. أو هي إن شئت بالسوداني: " أولاً بالتبادي .. الكلام ده عدلو ما كدي .. وما بقولوه كدي !! " ، ثم ننطلق من بعد ذلك لما ندبنا إليه أنفسنا من النظر في مادة إبداع الطيب صالح المنشور ، بعد أن اجتهدنا بقدر استطاعتنا في نفي الشوائب والأخطاء التصحيفية والمطبعية التي ألحقت به.

أما خبر "السوم والفردان" الذي جرى ذكره في رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" ، والذي ظننت خطاً مني أنه ربما اعترى رسم هذين الاسمين تصحيف ما ، رغم أنني اكتفيت بالتعليق بأنني لم اهتد لما يمكن أن يكون هو المقصود منهما في الأصل ، وهي بالمناسبة ، عبارة (لقطتها) من عالم تحقيق الكتب والمخطوطات ، وخصوصاً تحقيق يوسف فضل لكتاب: طبقات ود ضيف الله ، فإنني أرجو أن أعترف بأنني لم أكن أعلم عنهما شيئاً من قبل ، أعني " سوم وفردان " ، فإذا هما كما أوضح عبد المنعم كانتا من أكبر معارك الحرب العالمية الأولى ، وأنه قد دارت رحاهما بالجبهة الغربية بشمال فرنسا بين ألمانيا والحلفاء ، وتحديداً في سنة 1916 ، وهو ذات العام الذي وصل فيه مصطفى سعيد إلى لندن كما لاحظ ذلك بفطنته المعهودة الأستاذ عجب الفيّا ، مضيفاً أنّ السوم هو نهر بفرنسا ، وأنّ فردان موقع بها.

ثم إنني وقعت لاحقا على معلومات إضافية حول "سوم وفردان" هاتين من خلال مقال نشره الدكتور عبد الله علي إبراهيم بعنوان:" "الطيب صالح وكتشنر التي كانت تعاكسنا" بصحيفة "الأحداث" السودانية ، عدد يوم الخميس الموافق 11/3/2010 ، جاء فيه ذكر لما أسماها الكاتب بمعارك "سومى وفردى " ، كمثال صارخ على العنف الأوروبي الأهوج.

وزادتني موسوعة "ويكبيديا " المنشورة على الشبكة العنكبوتية علماً حول هاتين المعركتين – أي معركة "السوم" – التي اعتبرت من أكثر المعارك دموية في التاريخ ، نسبة لأن ضحاياها قد بلغوا المليون ونصف المليون إنساناً ما بين قتيل وجريح ، ومعركة فيردان ، نسبة لمدينة: فيردان سير ميز Verdun – Sur – Meuse  التي تصفها ذات الموسوعة بأنها كانت من أطول المعارك وأشدها شراسة في التاريخ ، مشيرةً إلى أنّه قد تم خلالها تبادل ما مجموعها أربعين مليون قذيفة مدفعية بين القوات الألمانية وقوات الحلفاء.

ويا ليتني قرأت بتمعن ترجمة دنيس جونسون ديفيز لذلك المقطع من رواية: موسم الهجرة إلى الشمال الذي يتحدث فيه مصطفى سعيد من داخل قفص الاتهام بمحكمة "الأولد بيلي " بلندن ، عقب اعتقاله بسبب اغتياله لزوجته الانجليزية (جين مورس) ، فكنت حتماً سأجتهد أكثر لمعرفة مدلول سوم وفردان هذه من مصادرها الأصلية ، خصوصاً وأنّ هذين الاسمين قد كتبت أوائلهما في النص المترجم إلى الانجليزية بحروف كبيرة Capital :

They imported to us the germ of the greater European violence, as seen on the Somme and Verdun, the like of which the world has never previously known, the germ of a deadly disease that struck them more than a thousand years ago… etc

أو كما قال.

 

           

 

khaled frah [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]