عندما أنذر رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون مواطني بلاده عشية بدء انتشار جائحة كورونا في المملكة المتحدة قبل نحو شهرين أو أكثر قليلاً من الآن ، بأن عليهم أن يستعدوا لفقدان العديدين من أحبائهم كما قال ، كنتُ استمع إلى حديثه الصادم وفاجع العبارة وغير المطمئن ذاك ، بشئ من اللامبالاة وعدم الاكتراث بصراحة ، وذلك نظراً لما كنت أتوهمه وكان يتوهمه الكثيرون من السودانيين ، من أن مرض فيروس كورونا الذي ظهر في مدينة " ووهان " من بلاد الصين البعيدة ، وما لبث أن انتقل منها إلى إيران ، فإيطاليا ، ثم باقي أوروبا ، لكي يواصل زحفه الرهيب إلى سائر أرجاء المعمورة ، هو مرضٌ من أمراض البلدان الغنية والمتقدمة والمرفهة ، بل الباردة أو معتدلة المناخ أيضاً. وأننا وأهلونا وأحباؤنا في البلدان المدارية الحارة بما فيها السودان ، سوف نكون بمنأى ومنجى عنه ، وأن شمسنا الحراقة التي تُذيب مُخ الضب كما يُقال ، كفيلة بأن تقضي على ذلك الفيروس اللعين المُسبب له ، قضاءً مبرما في ثوان معدودات. 

وما كنتُ أُدرك أن المستر بوريس جونسون بحديثه ذاك الذي بدا لي – من ظاهره – فجا وقليل اللياقة والكياسة ومنذرا بالشؤم ، ولا يليق بالتالي بأرفع مسؤول تنفيذي وسياسي في بلاده أن يفجأ به قومه هكذا ويُرعبهم به ، إنما أراد منه في الواقع ، أن يواجه شعب بلاده بالحقيقة المرة والصادمة ، التي مفادها أن هذا المرض مرض خطر وفتاك إلى أبعد الحدود ، وأنه سوف يغدو بعد حين ، الشغل الشاغل للعالم كله ، وذلك لجهة ما أحدثه ، وما يزال يحدثه فيه من خسائر فادحة في الأرواح خصوصاً ، أرواح الأحباء كما وصفهم السيد جونسون محقا ، من الأقارب ، والأصدقاء ، والزملاء ، والمعارف في كل مكان في العالم الفسيح ، حتى قيل: انجُ سعد فقد هلك سعيد.
وتشاء إرادة الله سبحانه وتعالى ، أن يكون نصيب الأطباء وسائر العاملين في الحقل الطبي من الإصابة والوفاة بسبب التعرض لفيروس كورونا كبيراً ، وذلك نظراً لملابستهم اللصيقة للمرضى المصابين بهذ الداء ، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، وذلك بحكم عملهم جنوداً في خط الدفاع الأول في مكافحة هذه الجائحة العالمية. وقد فقد السودان من جراء ذلك بالفعل ، من بين أولئك الجنود المخلصين ، ثلة صالحة من الأطباء وغيرهم من العاملين في المجال الصحي داخل السودان وخارجه ، فشق نعيهم على أهل السودان جميعهم.
بيد أنني لم أصب حقيقةً في اللحم الحي ، كما يجري بذلك تعبيرنا العامي ، إلا عندما نعى لي الناعي وهو صديقنا الدكتور طارق حسن محجوب ، عبر مكالمة هاتفية في الساعات الأولى من فجر الجمعة الثاني والعشرين من شهر رمضان المعظم ، الموافق للخامس عشر من شهر مايو الحالي 2020م ، ونقل لي النبأ الفاجع برحيل أخي وصديقي وزميل دراستي وابن مدينتي وخلي الوفي ، المغفور له بإذن الله ، اللواء طبيب م الدكتور أسامة عوض جعفر القاضي ، إستشاري أمراض النساء والتوليد بمستشفى الضعين التعليمي ، بعد قضائه خمسة محتجزاً لخمسة أيام تقريباً بقسم العناية المكثفة بمستشفى " علياء " بالسلاح الطبي بأم درمان ، والذي كان قد نُقل إليه بطائرة مروحية من الضعين ، لكي يستكمل علاجه بالخرطوم ، على إثر تعرضه لصعوبة في التنفس ، اتضح لاحقاً أنها من جراء إصابة مؤكدة بفيروس كورونا ، لكي يُسلم الروح إلى بارئها في أبرك الليالي: ليلة الجمعة ، وأعظم الأيام: فجر الجمعة نفسه ، وخير الأيام: الأيام العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك. فالحمد لله رب العالمين أولا وأخيراً على ما قدر وقضى ، فإنه لا راد لقضائه وهو الحكيم الخبير.
تعودُ معرفتي بفقيدنا الغالي دكتور أسامة ، إلى العام 1976م ، وهو العام الذي قُبلنا فيه معاً بمدرسة خورطقت الثانوية. جاء هو إليها من مدرسة " البُلُك " الثانوية العامة بمدينة الرهد أبو دكنة ، وهي مدرسة أهلية حكومية شيدها على نفقته رجل البر والإحسان الحاج أبو زيد البلك رحمه الله ، وجئتها أنا من مدرسة " أم دم حاج أحمد " الثانوية العامة. ومنذ ذلك التاريخ ، نشأت بيننا صداقة خالصة وود عامر ، ما انفكا نموا وازدهاراً مع مر الأيام. ثم توثقت تلك الصلة وصارت أكثر حميمية وقُرباً ، عندما ارتحلت أسرتنا للإقامة بمدينة الرهد ابتداءً منذ عام 1977م. وتصادف أن كان الحي الذي يقع فيه منزلنا ، قريباً نسبياً من مباني المستشفى والمحجر البيطري وملحقاتهما ، بما في ذلك دور سكن العاملين بهما ، ومن بينها منزل عمنا " عوض محمد جعفر " رحمه الله وأسرته ، والذي كان يعمل مساعداً طبيا بذلك المستشفى البيطري. فبحكم تلك الصداقة والزمالة والجوار ، كنت أنا وأسامة متلازمين في معظم الأوقات ، سواء أثناء العطلات الصيقية بالرهد ، أو في رحلات السفر بالقطار بين الأبيض والرهد عندما كنا في طقت ، وهي رحلة قصيرة حقا ، ثم لاحقا بين الخرطوم والرهد ، عندما التحقنا للدراسة بجامعة الخرطوم.
أتاحت لي معرفتي بالراحل أسامة عوض في الواقع وبفضله ، الفرصة لمعرفة عدد كبير من أفراد أسرته الممتدة وأقاربه ، حتى غدوت شخصا مألوفا لديهم ، بل صاروا يعامولنني كما لو كنت أخاً لأسامة وليس مجرد صديق و " بلديات ". وهكذا تعرفت على أبناء عمه أحمد إبراهيم الكنزي بكوستي ناس مبارك ، الذين كنا ننزل عندهم عندما يتعطل القطار بكوستي في أثناء رحلات الذهاب الى الخرطوم للدراسة أو العودة منها في الإجازة ، كما تعرفت على أبناء عمة له تسكن بالثورة الحارة الثانية ناس حاتم ومصطفى وشقيقتهم سهام وكيل ديوان النائب العام الحالية ، وابناء عمته الأخرى بالثورة الحارة 17 ، إلى جانب ناس عادل محي الدين الرجل الفنان وغيرهم ، حياهم الله جميعا.
لقد أنستُ في أسامة عوض منذ أول عهدي به ، شخصاً ودوداً ومهذباً وأريحياً وحيياً وطيب القلب ، ومتديناً تدينا فطرياً بلا تنطع ولا غلو ، وإنسانياً وعطوفاً ومنفتحاً للغاية ، حتى ليشعر كل واحد من أصدقائه أنه هو فقط صفيه الوحيد من بين سائر الناس ، لفرط ما يغمرك به من اهتمام وإقبال وتركيز وحسن صحبة. على أنه بالرغم من تلك الأريحية ولين الجانب ولطف المعشر ، كان أسامة يتمتع بكل صفات الاستقامة والانضباط والجد والحزم والتعقل ، وسائر متعلقات الشخصية القيادية النموذجية ، ولذلك فلا غرو أن انتخبه زملاؤه بخورطقت رئيساً ثانياً لداخلية " ود التوم " ، رفقة أخينا الحبيب " أبو العائلة " الدكتور هاشم يوسف الدقير ، الاقتصادي المعروف ، ورئيس مجلس إدارة شركة بدر للطيران حالياً ، الذي كان هو الرئيس الأول لتلك الداخلية ، كما انتخبه بعد مضي بضعة اعوام من ذلك ، زملاؤه طلاب كلية الطب بجامعة الخرطوم ، رئيساً لرابطتهم في حوالي عام 1984م.
ولكن أسامة كان إلى جانب تمتعه بتلك الصفات القيادية من حزم وصرامة وانضباط وهلم جرا ، يتصف أيضاً بالرقة الشديدة ، والانجذاب إلى درجة التبتل نحو الحسن والجمال ، جمال الإنسان والطبيعة والأنغام والألحان والفنون عموماً. كان إنساناً ذا قلب شفيف وحساس ورهيف ، حتى لقبه صديقنا المشترك الدكتور سليمان عبد الرحمن " مرحب " ب " أسامة الحنين " بالتصغير. فكأنه هو الذي عناه الشاعر إدريس جماع بقوله:
حاسرُ الرأس عند كل جمال مستشفٌ من كل شئ جمالا
هينٌ تستخفه بسمةُ الطفل قويٌ يصارعُ الأجيالا
كان الفنان الراحل العندليب الأسمر زيدان إبراهيم ، مطربه المفضل ، وكانت تجمعه به صداقة وثيقة ، وكان كثيراً ما يستقدمه لكي يحي حفلات ساهرة بمسرح كلية الطب. ولذلك فقد قصدتُ أنا عمداً في عنوان هذه الكلمة ، الإشارة إلى بيت قصيدة الشاعر الرومانتيكي الكبير الدكتور إبراهيم ناجي – وهو طبيب أيضاً للمصادفة - التي يؤديها الفنان زيدان إبراهيم ، وهو قوله:
ما يهم الناس من نجم على وشك الزماع
غاب من بعد طلوع وخبا بعد التماع
آه لو تقضي الليالي لشتيت باجتماع
كان أسامة عوض رومانسياً إذن .. سألت عنه ذات مرة صديقنا المشترك وابن مدينتنا الدكتور عبد الحليم عمر ، وكنت أنا خارج السودان وانقطعت عن الناس لظروف العمل لبضعة أعوام ، فرد علي بطريقته الساخرة المحببة: "أسامة عوض اشتغل ضابط في السلاح الطبي.. نقلوه نيالا .. الرومانسية ديك كلها انتهت!! ".
كنا عندما نعود إلى مدينتا الصغيرة " الرهد " في العطلات الصيفية أثناء فترة دراستنا الجامعية ، فننخرط في الأنشطة الطلابية المختلفة خدمة لمجتمعنا الصغير ، مثل إقامة فصول محو الأمية للكبار ، أو فصول " تقوية " للطلاب الجالسين في العام المعني لامتحانات الشهادة الثانوية ، وسوى ذلك من الأنشطة الاجتماعية والثقافية والرياضية. وقد كان لدكتور أسامة إسهامه الفاعل في تلك الأنشطة جميعها. ثك كنا نخلو لأنفسنا كطلاب وشباب متقاربين في السن والاهتمامات ، فنمضي سحابة نهارنا في السوق ، فنرتاد منه أماكن أثيرة بالنسبة لنا ، مثل دكان الأستاذ الطاهر الطيب ، ودكان الزعيم محمد حسين أحمد البدوي رحمهما الله ، أومطعم عمنا خوجلي النيل ، أو كشك علي عوض الله ، نحتسي أكواب الشاي والقهوة والكركدي ، ونتجاذب أطراف الحديث في سائر القضايا السياسية والمجتمعية وخلافها ، ونستمتع بمناكفات الأخوين عبد الحليم عمر والنور كاني ونحن نعيش عصرئذ ، في أواخر سني نظام مايو ، فإذا ما جن علينا الليل ، انطلقنا نحو بعض الاندية الثقافبة بالمدينة ، أو لكي نؤم مناسبة اجتماعية سعيدة ما.
كنا نتبادل الزيارات أنا وأسامة ، وكنت أنا أزور " عيال عوض " كما يسمونهم ، أي أسامة وشقيقه سامي في منزلهم ، في الأصائل والعشيات ، حيث يبرد الجو فيطيب الأنس وتحلو النزهة في أطراف المدينة. فكنا نذهب أحيانا إلى ضفاف بحيرتنا الساحرة " التُردة " ، حيث بساتين الفاكهة وقطعان المواشي الواردة وأسراب الطيور المائية الجميلة ، وكنا نذهب أحيانا إلى غابة النيم المجاورة ، خصوصا في فصل الخريف عندما يعسكر فيها العرب البقارة عند قفولهم من ديارهم الأصلية بجنوب كردفان ، فراراً بماشيتهم من الأوبئة والحشرات الضارة.
كانت محطة السكة الحديد بالرهد محطة كبيرة وعامرة جدا ، ذلك بأن الرهد هي قسم من أقسام خطوط السكك الحديدية بحسب التقسيم الإداري لتلك المصلحة العظيمة التي نأمل أن تعود قريباً إلى العمل مجددا بكامل طاقتها ، وبإدارة وخطة تشغيل موحدة لكامل التراب الوطني كما كان في السابق. وقد كانت المحطة مقصداً محبذاً لنا أنا وصديقي أسامة وسائر أبناء جيلنا بالمدينة ، وخصوصاً عندما كنا نحس بقدوم أحد قطارات الركاب ، سواء تلك القادمة من الأبيض ، وخصوصاً القادمة من الخرطوم ، فنهرع إلى المحطة لكي نمتع نواظرنا ، ونشبع فضولنا بمشاهدة ما تحمله تلك القطارات من البشر والبضائع والصحف والحكايات المثيرة والأخبار ، أخبار الخرطوم والحركة السياسية والطلابية وأخبار التقويم الأكاديمي والامتحانات والملاحق الخ.. في زمان لم تكن فيه ثورة الاتصالات الحالية قد حلت بعد . وفي ذات مرة ، سمعنا صوت صافرة قطار قادم ، فذهبنا إلى المحطة كالعادة ، فإذا به قطار " واو " ، وإذا به قد امتلأ بأولادنا السمر باطناً وسطحاً وأبواباً عن آخره ، وقد علتهم وعثاء السفر وشعثه وغبرته الكئيبة. ولكن صاحبي لم ييأس مع ذلك. وما هي إلا دقائق حتى حانت منه التفاتة ، فلمح من على البعد زهرة بيضاء ندية تطل من خلال أكداس الأبنوس من إحدى مقصورات النوم ، غادة من مثل ذلك النوع الذي عناه الشاعر أبو الحسن الرماح بن ميادة بقوله:
فيهن صفراء المعاصم طفلة بيضاء مثل غريضة التفاح
فلفت أسامة نظري إليها وقال معلقا بطريقته الفذة في الظرف وخفة الروح:
" خلي بالك دي بتكون بت إمام الجامع حقهم هناك !! ".
يا حليل أسامة .. ورحمه الله رحمة واسعة ، وغفر له ، وجعل الفردوس الأعلى من الجنة مثواه مع الأبرار ، وخلفه خيراً في ذريته ، وألهمنا وأسرتيه الصغيرة والكبيرة ، وزملاءه وأصدقاءه ، وعارفي فضله أجمعين الصبر وحسن العزاء ، إنا لله وإنا إليه راجعون ..
وشاركَ زيدان إبراهيم عثمان الشفيع الغناء ، فغنى من كلمات الشاعر محمد عوض الكريم القرشي:
عدت يا عيد بدون زهور .. وقد صدق لأنه قد عاد بدون أسامة عوض !!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.