عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

            كنتُ قد نشرت قبل عامين أو نحوه من الآن مقالاً حول تأثيل وتأصيل مفردة  "زول"  السودانية الشهيرة ، تلك اللفظة التي أضحت كما ذكرت في مقالي ذاك سمة مميزة للدلالة على الفرد السوداني حيثما سار أو حلَّ في سائر أرجاء العالم العربي بصفة خاصة ، كما صارت مصدر تندر عليه ، وسخرية منه في بعض الأحيان أيضا. وقد عمدت في مقالي المومى إليه إلى تبيين فصاحة تلك المفردة ، وأوردت جملة من الشواهد الدالة على قدمها وفصاحتها ، وأوضحت أنَّ العرب قد تلفظت بها بذات المعنى الذي يقصده السودانيون منها في عاميتهم الدارجة.

            وأحسب أنني قد ذكرتُ عرضاً في ذلك المقال أيضاً ، أن لفظة "زول" هذه بمعنى: شخص أو إنسان ، هي بعينها موجودة في بعض اللهجات العربية المعاصرة ، ولكن يبدو أنَّ الأجيال الحالية داخل تلك البلدان المعنية قد ذهلت أو اغتربت شيئاً ما عن هذه الحقيقة التي قد لا يدركها إلا بعض كبار السن من مواطنيهم.

            وأذكر أنني قد مثلَّتُ لذلك بأن أحد الأصدقاء الليبيين قد ذكر لي ذات مرة مقطعاً من أغنية ليبية قديمة فيها حديث عن: " زولي يا زولي الخ " ، بمعنى: " محبوبي .. يا محبوبي " ، وهي مطابقة كما ترى لمقطع المطرب السوداني الراحل: هاشم مرغني: " زولي أنا يا زولي " ، حذوك القذة بالقذة . فتأمَّلْ !.

            ولعلني نسيت أن أذكر في ذلك المقال أنني كنت قد وقعت على لفظة "زول" هذه نفسها في النص الشعري الباذخ للسيرة الهلالية المنظومة الذي جمعه ونشره الشاعر المصري الكبير عبد الرحمن الأبنودي قبل نحو عقد من السنين أو يزيد. فقد جاء في بعض مقاطعها في وصف الدنيا وتقلب أحوالها  ، واستحالة دوام السعادة والهناء فيها على لسان احد شخوص السيرة قوله: " بتدي كل زول رقصة الخ ".

            ثم إنَّ الصدفة السعيدة قد قيضت لي قبل أشهر قليلة من تاريخ كتابة هذا المقال ، قيضت لي لقاء ومعرفة الأخ الفاضل الأستاذ عبد العزيز العيفان ، سفير المملكة العربية السعودية الشقيقة لدى السنغال ، الذي قدم علينا في داكار حديثاً منقولاً إليها من جيبوتي ، وهو رجل نجدي صميم من قلب السعودية ، وسليل ثقافة ولهجة عربية صافية لم تتأثر كثيراً بثقافات ولغات الوافدين على سائر أطراف الجزيرة العربية الأخرى من الشرق والغرب.

            وقد زودني سعادة السفير العيفان بحصيلة وافية من النصوص والشواهد من الشعر الشعبي النجدي الذي يحتفي بمفردة "زول" هذه ، ويضعها موضعاً مرموقاً وأصيلاً ، يدل دلالة واضحة على أنَّ القوم في ذلك الجزء من الجزيرة العربية عموماً ، والسعودية خصوصاً قد عرفوا هذه اللفظة ، وأنها قد جرت على ألسنتهم نثراً وشعراً ، وبنفس الدلالة التي يستخدمها لها السودانيون. وفيما يلي أورد تلك النصوص السعودية النجدية القاطعة الدلالة:

جاء في قصيدة لزوجة ابن عرَّوج (موفي الكثيري) قولها:

الزول زوله والحلايا حلاياه      والفعل ماهو فعل وافي الخصايلْ

وقال الشاعر عمّاش بن قاعد:

ما كل زول يعوّض بزول     ولا كل الأزوال مملوحه

زول عجيب وزول هول       وزول يكفِّي  منه منضوحه 

وقال الأمير خالد الفيصل:

أقعد معك وأشوف زولك واحاكيك   وأوصل النفس الحزينة مناها

الجيد يا جيد ريميه                             تجعل من الزول لعَّابه

وقالت الشاعرة نوف العتيبي:

ما عاد يفرق زول حرمه ورجّال     دام الفعايل تشبه البعض دايم

وقال الشاعر محمد الأحمد السديري:

أهيم بحبها وأخفي جروحي       وقلبي ما عشق زول سواها

وقال الشاعر المشتاق:

ما كل زول تقبل النفس طاريه       إلا حبيب القلب تدمح خطاياه

وقال الشاعر عبد الله العليوي:

لا تحسبين اللي بقلبي لك شويْ     لا تحسبينك زول مرَّ ونسيته

وقال الشاعر غازي بن دخيل العتيبي:

الفرق في الأفعال ما هو في الزول    وإلا ترى أطيب ما من الثور زوله

لو غرّهم زوله حطوه مسؤول          صاروا مثل راعي الغنم ومخيوله

وقال الشاعر خلف بن هذال العتيبي:

ولّ يا زول بوسط السوق شفته      يمشي مع طلوع الشمس

هذا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.