عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

صدرتْ في العام الماضي 2017م ، أول ترجمة إلى اللغة العربية ، لرسالة الدكتوراه في الأدب العربي ، التي حصل بموجبها العلاَّمة الراحل البروفيسور عبد الله الطيب ، على تلك الدرجة العلمية من جامعة لندن في عام 1950م ، والتي جاءت في نصها الأصلي بالإنجليزية بعنوان:
Abū al-ʿAlāʾ al-Maʿarrī as a Poet . وكان الدكتور عبد الله الطيب رحمه الله ، قد أعدَّ تلك الرسالة تحت إشراف أستاذه آنئذٍ ، المستشرق الإنجليزي ، البروفيسور ألفرد قِيُوم Alfred Guillaume ( 1888- 1965م ).
وقد اطَّلع بترجمة هذا العمل ، الذي ربما اعتبره البعض واحداً من أهم وأكبر الإنجازات العلمية والثقافية ، وفي عالم التأليف والنشر عموماً في السودان - على أقل تقدير - خلال هذين العقدين الأوليْن من هذا القرن الحادي والعشرين. ذلك بأنه عمل ظلت الأجيال المتعاقبة من دارسي الأدب والشعر والنقد الأدبي ، والباحثين في مجالاتها ، وعامة المهتمين بالدراسات الشعرية والأدبية بصفة عامة ، تترقب منذ مدة طويلة إنجازه ونشره على الملأ باللغة العربية ، التي هي لغة كلا الرجلين: الشاعر أبي العلاء المعري ، والناقد والباحث عبد الله الطيب ، فضلاً عن كونها لغة الأثر الأدبي نفسه موضع الرسالة المعنية بطبيعة الحال ، اضطلع بها وأنجزها إنجازاً لا مزيد عليه إتقاناً ، ودِقَّةً ، ولغةً ، وأُسلوباً ، وتحريراً ، وإخراجاً ، الأستاذ: " عبد المنعم أحمد الشاذلي " ، المحاضر بوحدة الترجمة والتعريب بجامعة الخرطوم ، وأحد المنتسبين لآخر الدفعات من طلاب كلية الآداب ، الذين تخرجوا على يد العلامة الراحل في مرحلة البكلاريوس ، إذ أنه من خريجي عام 1991م ، وتلك لعمري في حد ذاتها ، آية من آيات الوفاء المعجِب لهذا العلم الراحل ، أستاذ الأجيال البروفيسور عبد الله الطيب.
هذا ، ومن الواضح أنَّ مَلَكات عبد الله الطيب ، ومواهبه ، وقدراته ، ومعارفه الموسوعية ، قد تجلَّت من خلال هذا العمل المدهش ، فبدا عالماً فذّاً ، وباحثاً أكاديمياً رصيناً ، وناقداً أدبياً من طراز رفيع ، منذ تلك المرحلة المبكرة نسبيا من تاريخ حياته. ولا غرو في ذلك ، إذ كان يومئذٍ في أوج مرحلة النضج ، واكتمال العُدَّة والآلة ، المتمثلة في اطلاعه الواسع والمتنوع والعميق ، على آفاق كلا التراثين العلميين والنقديين العربي التقليدي والمعاصر من جهة ، والغربي الكلاسيكي والحداثي في أن واحد من جهة أخرى ، فضلاً عن أنه قد كان ما يزال في نضارة الشباب وفتوته ، إذ أنه كان دون الثلاثين من عمره آنئذٍ.
إنَّ معدَّ هذه الأطروحة العلمية التي صارت الآن كتاباً منشوراً باللغة العربية تحت عنوان: " أبو العلاء شاعراً " ، هو شخص غني عن التعريف كما يُقال. بيد أنه لما كانت هذه الكلمة تهدف – من ضمن ما تهدف إليه – إلى شيء من التعريف والتوثيق ، فإن بوسعنا أن نقول عنه باختصار أيضا: إنه البروفيسور عبد الله الطيب ( 1921 – 2003م ) ، أستاذ اللغة العربية والأدب العربي بجامعات بريطانيا ، والسودان ، ونيجيريا ، والمغرب سابقاً ، والعضو العامل بمجمع اللغة العربية بالقاهرة منذ عام 1961م وحتى تاريخ وفاته ، ورئيس ومؤسس أول مجمع للغة العربية بالسودان ، ومدير جامعتي الخرطوم وجوبا بالسودان سابقا ، والأستاذ الممتاز Emeritus Professor مدى الحياة بجامعة الخرطوم منذ عام 1979م ، والحاصل على جائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي في عام 2000م ، ومؤلف العشرات من الكتب والرسائل والمقالات والأبحاث ، في مختلف ضروب العلم والمعرفة ، ومُعد ومقدم العديد من المحاضرات والدروس والبرامج الإذاعية والتلفزيونية ، داخل السودان وخارجه.
صدر كتاب " أبو العلاء شاعراً " ، الذي هو كما أسلفنا ، ترجمة من الإنجليزية لرسالة الدكتور عبد الله الطيب للدكتوراه ، عن شركة " مطابع السودان للعملة المحدودة " بالخرطوم ، في 550 صفحة من القطع المتوسط.
وقد جاء هذا الكتاب في ثلاثة أجزاء وسبعة فصول ، سبقها في فهرست محتوياته إهداءٌ مُستَحَق بقلم المترجم إلى أمه وأبيه وشقيقه وزوجته.
تلا ذلك مقدمة المترجم ، ثم مقدمة معد الرسالة التي بعدها تمهيد عام بقلم صاحب الأطروحة جاء تحت عنوان: " أبو العلاء شاعراً... تمهيد ".
ثم تتوالى الأجزاء والفصول وبداخلها أقسام فرعية بعد ذلك على النحو التالي:
- الجزء الأول / الفصل الأول: حياة المعري
- الفصل الثاني: علمه ومؤلفاته
- الجزء الثاني / الفصل الثالث: سقط الزند
- الفصل الرابع: شعره ببغداد وبعدها والدِّرعيات
- الجزء الثالث / الفصل الخامس: اللزوم واللزوميات
- الفصل السادس: الجانب الفني في اللزوم
- الفصل السابع: الجانب الفكري في اللزوم.
وإلى جانب ذلك ، هنالك مذكرتان ملحقتان بالرسالة هما: الكلمات التي وردت في اللزوم ولم ترد في المعاجم ، مذكرة مضافة أخرى عما أسماها المؤلف: المدرستين المعريتين الشرقية والغربية ، مذهب الجماعة ، وكلمة في عدم سيرورة اللزوم. وأخيراً ، هنالك ثبتٌ بالمراجع والمصادر.
على أنَّ هنالك الكثير من الآراء والتحليلات والمباحث النقدية السديدة والمثيرة للانتباه في شعر المعري وفكره وأدبه ، التي عرض لها المؤلف بالتفصيل في الأقسام العديدة المُدرجة تحت فصول هذه الأُطروحة ، بما يضيق المجال عن ذكره مفصلا هاهنا. وهي آراء ومباحث اشتملت على لمع كثيرة وباهرة حقاً في مجالات النقد التطبيقي للشعر ، فضلاً عن علوم اللغة ، والبيان ، والأدب المقارن ، والفلسفة ، والعقائد المقارنة وغيرها. كما عمد المؤلف باقتدار أيضاً ، إلى تحليل شخصية المعري ، وبيان نوازعه النفسية ، وآرائه ، وأفكاره ، وميوله ، واعتقاداته. وقد أظهر الباحث من خلال كل ذلك ، قدراً ملحوظاً من غزارة العلم ، والتبحُّر ، والموسوعية المدهشة.
والحق كذلك ، أن المترجم الأستاذ عبد المنعم الشادلي ، قد وُفِق أيما توفيق في ترجمة هذه الرسالة العلمية الرصينة والباذخة شكلاً ومحتوى ، والتي تتناول تراث واحد من أساطين الأدب والثقافة العربية خصوصاً ، بل العالمية على وجه الدهر ، ألا وهو شاعر الفلاسفة ، وفيلسوف الشعراء ، رهين المحبسين ، أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري التنوخي ، المولود في عام 363هـ/973م ، والمتوفى في عام 449هـ/1054م . وقد بلغ الأستاذ الشاذلي بهذه الترجمة التي نحن بصددها ، من حيث تمَثُّل لغة المؤلف الأصلي العلامة عبد الله الطيب ، واصطناع أسلوبه ذلك الجزل والسلس في آن واحدٍ معاً ، مبلغاً يجعل القارئ يحس كأنها ليست ترجمة البتة ، بل كأنَّ عبد الله الطيب نفسه هو الذي كتبها بالعربية ابتداءً. حتى كأنها يصدق عليها قول ابن الرومي في وصف معشوقته المغنية " وحِيد ":
تتغنَى كأنها لا تُغنّي
من سكون الأوصالِ وهي تُجيدُ
فتأمل – على سبيل المثال - اللغة والأسلوب اللذيْن اختارهما المترجم لتعريب ما خطَّه الباحث بالإنجليزية في النص الأصلي من الرسالة ، في هذا الاقتباس التالي من صفحة 204 من النص المترجم إلى العربية:
" ... التجنيس الصوتي الذي يحكي صوْتَيْ (را – را ) و(ذا – ذا ) في البيت:
لعلَّ كَرَاها قد أراها جِذابَها
ذَوائبَ طَلْحٍ بالعقِيقِ وضَالِ
يؤدِّي ويحكي صوت الإبل وهي منهمكة في مضغ أغصان أشجار الطلح. وتَكرار الصوتين (مِمْ) و (مِنْ) في البيت:
فسقياً لكأسٍ من فمٍ مثلِ خاتمٍ
من الدُّر لم يهْمُمْ بتقبيلهِ خالُ
يمثل فكرة قُبلة الحبيب التي مُنحها الشاعر في خياله. والكافات الطروبة الجذلة ، وأحرف العلة في قوله:
صَحِبتْ كَرَانا والرِّكابُ سفائنٌ
كَعادِكِ فينا والركائبُ أجْمَالُ
تُوحي بفكرة خشخشة أثواب المحبوبة. وتوشك أن تسمع حوشكة ضرم النار ، وحسيس لهيبها من هذه الأحرف الصوامت من قوله:
نارٌ لها ضَرَميَّةٌ كَرَميَّةٌ
تأريثُها إرثٌ عن الأسلافِ " أ.هـ
أفلا تُذكِّرك خشخشة أثواب المحبوبة ، وحوشكة ضرم النار هذه ، بأسلوب عبد الله الطيب وقاموسه اللفظي المعروف ؟.
ذلك ، وسيزداد عجب القارئ وإعجابه أيضاً ، عندما يكتشف أن المترجم قد عمد إلى ترجمة جميع المقاطع التي استشهد بها المؤلف في متن رسالته من عيون الشعر الإنجليزي ، ترجمةً رائقة ، وفي منتهى السلاسة والعذوبة إلى اللغة العربية ، بل جاءت ترجمته في بعض الأحيان ، في نظم عربي موزون ومقفى. ومن ذلك على سبيل المثال ، ترجمته لهذا البيت من مسرحية " الملك لِير " لوليام شكسبير ، ذلك البيت الذي يقول فيه الملك لير في آخر حديث له وهو يتفجَّع على موت كُورديليا:
Why should a dog, a hoarse, a rat
Have life!
And thou no breath at all?
إذ ترجمه مرة بالشعر الحر هكذا:
ليت شعري ! كيف ينعمُ بالحياة كلابٌ فيها
وخيلٌ وجرذانٌ
وأنتِ لا تنعمين فيها بنفسٍ واحدٍ ؟
ثم ترجمها مرة أخرى بالتظم الموززن المقفى هكذا:
أكلبٌ ينعَّمُ بالحياةِ وأمْهرٌ
وجرذانُ هذي الأرضِ تُحْبَى كذا بِها
فما أنصفَتْ هذي الحياةُ إذ ابدلَتْ
مكان رخيمِ الصوتِ نبح كلابِها
وهي لعمري ترجمة مما كان سيروق لعبد الله الطيب لو قُدر له أن يطلع عليها ، لأنها تشبه طريقته وأسلوبه في ترجمة الشعر الإنجليزي خاصةً إلى العربية ، على نحو ما درج عليه ، وبرع فيه زمانا ، مثل ترجمته مثلاً لهذا المقطع من قصيدة " الملاَّح العتيق " لصموئيل تايلور كولريدج:
The ice was here, the ice was there
The ice was all around
It cracked and growled, and roared and howled
Like noises in a sound
الذي ترجمه هكذا:
صقيعٌ هنا وصقيعٌ هناكْ
لقد شمِلَ الكونَ ثوبُ الصقيعْ
وللريحِ زمجرةٌ خلْتُهَا
هَمَاهِمَ في حُلْمِ ليْلٍ مُرِيعْ
كذلك يتوجب علينا أن نشير هاهنا أيضاً ، إلى أن المترجم قد بذل جهداً خارقاً في إثبات النصوص الأصلية لجميع القصائد والمقطعات من شعر المعري ، التي أوردها المؤلف في أُطروحته ، وذلك بالرجوع إلى نصوص تلك القصائد والمقطعات في مظانها من دواوين المعري ومصنفاته النثرية الأخرى ، ثمَّ إنه عمد إلى شرح وتفصيل ما أجمله المؤلف أحيانا ، بل إنه صوبه واستدرك عليه في بعض الأشياء.
على أنه إذا جاز لنا أن نعقب على بعض ما جاء في متن الرسالة نفسها ، فإننا نقول إنه في تقديرنا أن من أبرز ما استبصره عبد الله الطيب في شخصية المعري وفنه كذلك ، ولعله تفرد به عن سائر النقاد المعاصرين بصفة خاصة ، أنه يرى أن ذلك الشاعر الذي عادة ما درج الناس على وصفه بأنه متشائم ، وسوداوي المزاج ، وساخر أحيانا ، أنه كان يتصف خصوصاً في نظره ، بصفة مركوزة في طبعه ، هي السخرية المنطوية على الفكاهة والهزل. أي بالدرجة الأولى ، ما تُعرف بروح الدعابة. ( انظر صفحة 139 من النص المترجم ).
والواقع أن عبد الله الطيب نفسه ، في شخصه وأدبه الكثير من روح الدعابة هذه. ولعل ذلك هو ما حبَّب إليه المعري ، فصار أثيراً لديه في سياقات محددة ، لا تتعارض البتة مع إعجابه مع ذلك و في نفس الوقت بأبي تمام ، وأبي الطيب المتنبي ، إذا ما رام الرَّكانة والجِدَّ ، والتمس الحكمة والمثل السائر.
فقد كان مما يُطربه ويسليِّه مثلاً ، قول المعري في قصيدته: ( مغاني اللِّوى ) ، في تصويره حنينه لوطنه الذي ينطوي على غير قليل من " الاستهبال " والزندقة الهازلة ، بله الخيال المُعْجِب.
ولو أستطِعْ في الحشرِ آتِكَ زائراً
وهيهاتَ لِي يومَ القيامةِ أشغالُ
أو قول المعري يرثي أباه ، ويصفه بالرزانة والتَّأنِّي ، والبعد عن الخِفَّة والطيْش:
فيا ليتَ شِعْرِي هل يخفُّ وقارُهُ
إذا صار أُحْدٌ في القيامةِ كالعِهْنِ
وهلْ يردُ الحوْضَ الرَّويَّ مُبادِراً
معَ القوْمِ أمْ يخشّى الزِّحامَ فيسْتأنِي؟
وفي الجزء الثاني من سيرته الذاتية بعنوان " من حقيبة الذكريات " ، الذي أصدره عبد الله الطيب ثمانينيات القرن الماضي ، يورد المؤلف من ذكرياته طالباً بكلية غوردون التذكارية بالخرطوم ، أن الشاعر المصري الكبير الأستاذ علي الجارم قد جاء إلى الخرطوم في عام 1937م ، وزارهم بالكلية ، فأنشده عبد الله الطيب قصيدة " مغاني اللوى " المذكورة للمعري فأثنى الجارم عليه ، مما يدل على حبه لتلك القصيدة ، وتعلقه بها وبشعر المعري عموما ، منذ تلك الفترة.
وفي الخمسينيات من القرن الماضي ، يسمي عبد الله الطيب أحد دواوينه الشعرية " سقط الزند الجديد " ، على اسم ديوان المعري الشهير ، بل إن من قصائده قصيدة فيها نظرٌ وتناصٌّ واضح مع قصيدة " مغاني اللوى " المشار إليها آنفا ، وإن اختلفت حركة الروي ، ألا وهي قصيدته التي مطلعها:
بلندنَ مالي من أنيسٍ ولا مالِ
وبالنيلِ أمسى عاذليَّ وعُذَّالِي
المسألة الأخرى التي نود التوقف عندها ، هي رأي عبد الله الطيب الذي قصد التشديد عليه في رسالته هذه ، والذي مفاده أن أبا العلاء المعري هو شاعرٌ أولاً ، ثم تأتي صفاته و ملكاته وقدراته ومواهبه الأخرى تبعاً لهذه الصفة الأساسية. وسنرى أن الأديب والروائي ذائع الصيت الأستاذ الطيب صالح ، سوف يتبنى هذا الرأي لاحقاً جدا ، وذلك في معرض مقالٍ له بسلسلة مقالاته النقدية وغيرها ، التي كان ينشرها في تسعينيات القرن الماضي بمجلة " المجلة " تحت عنوان: " نحو أفق بعيد " ، ثم جُمعت من بعد ، في تسع مجلدات بعنوان " مختارات الطيب صالح ". ونستبعد أن يكون الطيب صالح قد قرأ رسالة عبد الله الطيب لأنها لم تُطبع ولم تُنشر في حياته. ولكن مَشرب الرجلين واحد ، وذائقتهما متقاربة جدا رغم كل شيء ، والطيب صالح هو تلميذ عبد الله الطيب على كل حال ، فقد درَّسه بمعهد التربية ببخت الرضا في مطلع خمسينيات القرن العشرين ، قبل أن يسافر إلى بريطانيا ، ويلتحق بالعمل بهيئة الإذاعة البريطانية.
ونود أن نشير في هذا السياق إلى أنَّ عبد الله الطيب قد فطن بالفعل في رسالته إلى تأثر المعري بغنائية البحتري الرنانة والطروبة. ومما يدل على ذلك مثلاً ، استبصاره للصلة الواشجة بين قول البُحتري:
لاحتْ تباشيرُ الخريفِ وأعرَضَتْ
قِطَعُ الغَمامِ وشَارفَتْ أنْ تهطِلا
وقول أبي العلاء:
قدْ أورَقَتْ عَمَد الخيامِ وأعْشَبَتْ
شُعُبُ الرِّحالِ ولونُ رأسيَ أغْبَرُ
ويجب أن نتذكر في ذات السياق أيضا ، أنه عندما سئل المعري عن أبي تمام والمتنبي والبحتري ، أجاب بقوله: أما البُحتريُّ فشاعرٌ ، وأما المتنبي وأبو تمام فحكيمان. فكأنه أراد أن يقول: وأنا أيضاً شاعرٌ كذلك !.
ولما كان الكمال لله وحده ، فإنني قد وقفت على هنات بسيطة في ترجمة هذا السفر الرائع ، جلها أخطاء طباعية على الرغم من أنَّ المترجم قد حرص واجتهد اجتهادا بينا في ضبط جميع الألفاظ بالشكل ، وأخطاء أخرى قليلة في بعض أسماء الأعلام ، وأقل من ذلك بكثير في الترجمة نفسها ، وهي جميعها أخطاء يمكن استدراكها وتصويبها في الطبعات القادمة بإذن الله من هذا الترجمة المدهشة.
- فمن تلك الهنات على سبيل المثال ، ما كُتب في صفحة 32 من النسخة المترجمة أن الرَّحالة والفيلسوف والشاعر الفارسي مؤلف " سفرنامة " هو " نصري خُسرو " ، والصواب هو أن اسمه: " ناصر خسرو " بالألف بعد النون.
- وفي صفحة 63 ، عرَّب المترجم فقرة من الرسالة ، يتحدث فيها المؤلف عن كتاب " مَلْقيُّ السبيل " للمعري هكذا: " كان هذا الكتاب من أشهر ما كتب أبو العلاء ، وكان كثير من شعراء المغرب وإسبانيا يحاولون تقليده ومضاهاته الخ ". ونحسب أنه كان ينبغي عليه ترجمة ما نرجح أن يكون المؤلف قد كتبها Spain في النص الأصلي ، بالأندلس بدلاً عن اسبانيا ، لأن السياق يفيد ذلك ، ولأن الأندلس كانت هي الجزء المعنيِّ بالفعل ، الذي انتشر فيه الوجود والثقافة العربية والإسلامية من مجمل شبه الجزيرة الأيبيرية.
- وفي صفحة 115 ، ثمة خطأ في تشكيل كلمة " أَشَر " بفتح الهمزة والشين ، بمعني التفريق والتحزيز المستملح في الأسنان ، وقد رسمت خطأ بضم الهمزة والشين (أُشُر) في البيت:
من كلِّ أزهرَ لم تأشَرْ ضمائرُهُ
للثمِ خدٍّ ولا تقبيل ذي أَشَرِ
- وكذلك كلمتا " مُضَّغِن " بتشديد الضاد مع الفتح وكسر الغين و " اضِّغان " بتشديد الضاد مع الكسر في البيت بصفحة 115 ذاتها:
ومضَّغِنٍ عليكَ وليسَ يُجْدِي
ولا يُعْدي على الشمسِ اضِّغانُ
رُسمت خطأ بتسكين الضاد في كلا الكلمتين
- وفي بيت المعري القائل:
قدْ أورَقَتْ عَمَدُ الخيامِ وأعْشَبَتْ
شعَبُ الرِّحالِ ولونُ رأسيَ أغْبَرُ
شُكِّلتْ كلمة " عَمَد " جمع عمود بفتح العين والميم ، أو عُمُد بضم العين والميم ، خطأ بضم العين وتسكين الميم.
- وفي صفحة 164 ، عرّب المترجم كلمة Melancholy الإنجليزية ب " منخوليا " ولعله خطأ طباعي فقط. وكان حقه أن يعربها بالحنين ثم " ملانكوليا أو ملانخوليا " بعد ذلك بين قوسين ، لأن المنخوليا مرض ، بينما أن الملانكوليا عارض نفسي أو وجداني حميد ، وربما يكون مولدا للابداع في بعض الأحيان. وقد لاحظنا أن المترجم قد أصلح ذلك الخطأ في صفحة 197 ، عند ترجمته لعبارة تحدث فيها الكاتب عن : " الشعور الملنخولي المنطوي على الحُزن الخ ".
والشكر في الختام للأستاذ عبد المنعم الشاذلي ، الذي أتاح للأساتذة والباحثين والطلاب ومحبي الأدب وعامة المهتمين والقراء ، مائدة دسمة وعامرة بما لذ وطاب من صنوف العلم والشعر والأدب والفن والفكر ، بترجمته هذه المشرقة ، لرسالة العلامة عبد الله الطيب عن شعر أبي العلاء المعري.