بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
بندوة: " تأثير العربية في اللغات الإفريقية من منظور لساني وثقافي "
الأيسسكو ، الرباط ، ( المملكة المغربية )
27/ أغسطس / 2018م

مقدمة:
عيش الريف ، هو الاسم الذي يطلقه السودانيون في لهجتهم العربية الدارجة ، على ذلك النوع من الغلال أو الحبوب الغذائية ، التي تُعرف على نطاق أوسع بين عامة الناطقين بالعربية ، بالذرة الصفراء أو الذرة الشامية. وهي ذاتها التي تُعرف في الإنجليزية إما ب Corn أو ب Maize ، بينما تعرف في الفرنسية ب Maïs ، اشتقاقاً من ma-hiz في الهايتية أي اللغة القديمة لسكان جزيرة هاييتي الأصليين ، وهو ذات الاسم الذي يُرجح أنه قد أُخذ منه الاسم العلمي لهذا النبات وهو Zea mays. ( Aikhenvald,2012 )(1)
وإلى جانب الاسم " عيش الريف " هذا ، يُطلق السودانيون المتحدثون بالعربية في عاميتهم ، اسماً آخر على الذرة الشامية كذلك هو: " قَنْقَر " بفتح القاف المعقودة كالجيم القاهرية ، وسكون النون وفتح القاف التي تليها Gangar . على أن الدكتور عون الشريف قاسم (قاسم ، 1985)، يعرف القنقر في كتابه: قاموس اللهجة العامية في السودان ، بأنها: " أكواز الذُرَة ، جمع قَنْقَرة " وقال إن الكلمة بجاوية الأصل. (2)
ومن الواضح هنا أن البروفيسور عون الشريف ، لم يحدد عما إذا المقصود بالقنقر في كلام البجا هي سنابل الذرة الرفيعة البيضاء فقط ، أم تدخل في ذلك الذرة الشامية الصفراء ، بحسب الاستخدام الشائع في عربية أهل السودان المحكية. على أن العربية الدارجة في السودان ، تشيع وتشتهر فيها كلمة أخرى للدلالة على مطلق سنبلة ، أو سنبلة الذرة بصفة خاصة ، هي كلمة " قَنْدُول " بفتح القاف على وزن مفعول ، وتُجمع على " قنادِيل " ، بينما كأنهم يخصون سنابل الذرة الشامية تحديداً ، بكلمة " قنقر " الآنف ذكرها.
وفي ظننا أنَّه ربما لا تكون كلمة " قنقر " كلمة بجاوية أصيلة حقا ، ولعلها قد دخلت في لغة البجا مثلما دخلت في عربية أهل السودان الدارجة عامةً ، من أصل قديم مجهول. ذلك بأن القنقر نفسه ينطق في تبداوية البحر الأحمر كما علمنا هكذا: " دَنقَر " بصيرورة القاف دالا ، وهي تعني عندهم سنابل الذرة والحبوب بصفة عامة ، بينما يسمون عيش الريف أو الذرة الشامية ، " أيشاريف " أخذا عن العربية السودانية كما هو واضح ، بصيرورة العين همزة نسبة لعدم وجود صوت العين الحلقي في النظام الصوتي للغة البجة. (3)
أما الريف الذي يُنسب إليه ذلك العيش في كلام أهل السودان العامي ، وخصوصاً العتيق منه ، فهي مصر ذلك القطر لا غير. وهذا في حد ذاته لعله يشي بترجيح أن تكون هذه الغلة ، أي الذُرة الصفراء أو الشامية وزراعتها تبعاً لذلك ، إنما جاءتهم من مصر ابتداءً ، ولذلك نسبوها إليها.
أما لماذا يسمي السودانيون مصر ريفاً ، أو " بلاد الريف " في كلامهم القديم خاصةً ، فلأنَّ صفة الريف تصدق وتنطبق عليها تماماً ، كما يصورها كلا المخيال العربي القديم ، ومقتضيات اللسان العربي الكلاسيكي معاً. ذلك بأن الريف في اللغة العربية الفصحى ، يطلق على أية أرض خضراء مُمرِعة خصبة ، وذات زروع ومياه ورياض.
وقد كانت تلك لعمري ، هي صفة وادي النيل في مصر منذ قديم الزمان ، وعلى مدار التاريخ.
وفي هذا يقول أبو العلاء المعري يذكر ناقته ، وهو آنئذٍ مغتربٌ بالعراق ، وقد مرَّ عليه هناك أحد شهور الصيف اللاهبة ، ويصف اشتياقها لديارها الخضراء والمعتدلة الهواء بأرض الشام:
حَنَّتْ قلُوصي بالعراقِ وشاقَهَا
من ناجِرٍ بَرَدُ الشَّــآمِ ورِيفُـــهُ
فكأنَّ كلمة " ريف " هذه ، قد اعتراها نوع من الحصر الدلالي في العربية الحديثة ، إذ أنها صارت تدل فقط على عكس ما هو حضري أو مديني ، ولم يعد الاستخدام المعاصر ، يتضمن معاني الخصب ، والخضرة ، والإمراع المتضمنة في الاستخدام القديم ، أو كأن الاستخدام القديم لكلمة ريف ، يتضمن معنىً طبيعياً وبيئياً ومورفولوجياً ، بينما أن الاستخدام المعاصر لهذه الكلمة ، قد اقتصر على البعد السوسيولوجي فحسب.
هذا ، وربما يكون دخول الذرة الصفراء أو الشاميَّة من مصر إلى السودان ، قد شهد وتيرة أكثف وأكثر انتظاماً بصفة خاصة خلال ما تسمى بفترة الحكم التركي – المصري للبلاد 1821 – 1885م ، ولا نستطيع – مع ذلك – أن نجزم بأن الحقب السابقة لذلك العهد ، لم تشهد بدورها دخول تلك السلعة أو تلك الغلة من مصر إلى السودان ، وإنما نقول ذلك على سبيل التخمين والترجيح. ذلك بأنَّ المؤرِّخ الشعبي السوداني ، الشيخ محمد النور بن ضيف الله 1727-1810م ، رغم أنه – على سبيل المثال – قد ذكر لفظ " الريف " في كتابه الشهير في بابه: " الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان " ، وهو يعني به مصر ، إلاَّ أنه لم يذكر " عيش الريف " لفظاً هكذا ، ولكنه أشار إليه باسمه العامي السوداني الآخر القديم ، أي: " القَنْقَر ".(4)
وإلى جانب الاسمين الشعبيين المذكورين للذرة الشامية في السودان ، أي: عيش الريف والقَنقر ، يطلق بعض الناس في غرب السودان خاصة على هذا النبات ، اسمين محليين للغاية ، وغير منتشرين على نطاق واسع داخل السودان نفسه هما: " أم اباط " و " أب ضباية أو أبُن ضباية ".
وأما كلمة " عيش " المضمَّنَة في عبارة " عيش الريف " ، فهو اللفظ الذي يطلقه السودانيون في عاميتهم ، كاسم جنس جمعي ، على سائر أصناف الغلال والحبوب الغذلئية ، مثل الذرة الرفيعة والدخن ، وبأنواعها المختلفة التي يستخدمونها في طعامهم الأساسي التقليدي. وإنما أسموه عيشاً لأنهم يعيشون عليه في غذائهم الرئيسي ، ويعتمدون عليه في حياتهم. وهو لعمري ، استخدام مشابه بل مطابقٌ تماماً لتسمية المصريين الخبز المصنوع من القمح " عيش " في لهجتهم ، ومطابق كذلك لإطلاق بعض أهل الجزيرة العربية والخليج على الأرز اسم " عيش " ، لأنه طعامهم الأساسي أيضا.
ومما قد يجوز ذكره في ذات السياق كذلك ، أن أفراد قبائل عرب حَمَر والبقارة عموماً بغرب السودان ، فضلاً عن جميع المتحدثين بالعربية في تشاد وسائر بلاد وسط إفريقيا ، إلى موريتانيا غرباً ، يسمون العصيدة المصنوعة من دقيق الذرة البيضاء أو الدخن " عيش " ، وذلك إما على سبيل المجاز المرسل باعتبار ما كان كما يقول البلاغيون ، أو لأن العصيدة تمثل بالفعل الغذاء الأساسي الذي يعيش عليه الناس في تلك المناطق.
على أننا نود أن نخلُص من هذا التمهيد الاستطرادي ، الذي إنما ساقتنا إليه ضرورة شرح مصطلح " عيش الريف " السوداني شديد الخصوصية والمفتاحي في آن معا ، الوارد في عنوان هذه الورقة ، وخصوصاً بالنسبة للقراء والمطلعين عليها من غير السودانيين ، إلى تقرير حقيقة لاحظناها ، ونود أن ننبه إليها ، ألا وهي ميل عدد مقدر من اللغات ببلدان إفريقيا جنوب الصحراء ، إلى اقتراض واشتقاق الأسماء الدالة على الذُرة الصفراء أو الشاميَّة أو " عيش الريف " كما يسميه السودانيون ، من اسم " مصر " لفظاً ، وهو بالطبع المسمى العربي لتلك البلاد العريقة ، وذات الحضارة الباذخة والتاريخ التليد ، كما سنبينه هاهنا بعد قليل بإذن الله.
عن الذرَة والذُرَة الشامية: مقاربة لغوية وتاريخية:
جاء في معجم " مختار الصحاح " لمحمد بن أبي بكر الرازي ( تُوفي 666هـ/1268م )، في مادة " ذُرَة ": الذُرَةُ حبُّ نباتٍ يُؤكل ويُطحَن. وجاء عن هذا المادة في قاموس " قاموس المعجم الوسيط للغة العربية ما يلي:
" الذُرَةُ: نباتٌ زراعيٌّ ، حَبيٌّ ، عُشبيٌّ ، سنوي من الفصيلة النجيلية ، يُطحن ويُصنع منه الخبز.
ذرةٌ صفراء: نبات عُشبي حولي من فصيلة النجيليات ، زراعته منتشرة في أنحاء العالم ، أنواعه عديدة ، ساقه ليفية ، أوراقه سنانية الشكل ، وافر المحصول ، أمريكي الأصل ، ثماره حبوب بيض وصُفر ، تؤكل مسلوقة أو مُحمَّصة ، كما أنها تُطحن ليُتخذ منها الخبز ، أو بعض أنواع العصيدة ، أو الحريرة ، كما يُقدَّم علفاً للحيوانات ". (7)
أما الذُرةُ البيضاء ، أو الذُرةُ الرفيعة ، فتعرِّفها موسوعة " ويكبيديا " المبذولة على الشبكة العنكبوية ، بأنها: نوعٌ نباتيٌّ حولي ، يتبع لجنس السورغَمْ من الفصيلة النجيلية. اسمه العلمي باللاتينية: Sorghum bicolor .
هذا ، ولا يجادل العلماء والباحثون كثيراً في تقرير قدم وجود الذرة الرفيعة أو " السورغَم " في القارة الإفريقية ، ومعرفة الإنسان الإفريقي القديم بها وبزراعتها منذ عهد ما قبل الميلاد. إذ ما تزال – على سبيل المثال – بعض النقوش والرسومات التي خلَّفتها لنا الحضارة المَرَويَّة التي ازدهرت في شمال السودان ، خلال الفترة ما بين القرن السادس قبل الميلاد والقرن الرابع الميلادي ، تُبرز صوراً واضحة لسنابل الذرة الرفيعة البيضاء ، في مشاهد احتفالية ، حُفرت على جدران بعض القصور والمعابد والمدافن. فعلى سبيل المثال ، تظهر سنابل الذُرة الرفيعة بصورة واضحة ، في رسم أثري يعود إلى عهد مملكة مروي ، نُقش على جبل قيلي بسهل البُطانة بشرق السودان.(8)
أما لُغوياً ، فقد حاول الفرنسي رولاند بورتريس (Portères – 1958) المجادلة باحتمال ألا يكون اللفظ " ذُرَة " نفسه من أصل عربي ، وإن لم يقطع بذلك. فقد زعم بورتريس في مستهل مقال له حول مُسميَّات الغِلال في إفريقيا ، نشره في جزئين على التوالي في عامي 1958 و1959م بمجلة: ( الزراعة التقليدية وعلم النبات التطبيقي ) ، أنَّ أول ذِكر للفظة " ذُرَة " ، قد ورد في قصة " رحلة سليمان التاجر " إلى الهند وبلاد الزنج بساحل إفريقيا الشرقي ، تلك الرحلة التي قام بها نفر من التجار العرب والفرس في حوالي سنة 851 ميلادية ، أي في القرن الثالث الهجري ، وتلقى حكايتها فيما بعد ، المؤرخ والجغرافي " أبو زيد السيرافي " ، فقام بتحريرها وشذبها في حوالي عام 916م ، وأضاف إليها معلومات أخرى عن الصين ، حتى صارت تُعرف باسم " رحلة السيرافي " أيضا.
والذي حدا برولاند بورتريس إلى الشك في أصالة عروبة لفظ " ذُرة " ، أنه نقل عن رحلة سليمان التاجر المذكورة ، أن الأناس الوثنيين الذين كانوا يقطنون في بلاد الزنج أو زنزبار بشرق إفريقيا ، كانوا يعتمدون في طعامهم على الذُرة كغذاء رئيسي.(9)
ويمضي بورتريس إلى القول بأنَّ أبا زيد السيرافي ، يصف بلاد الزنج في كتابه ، بأنها بلاد واسعة ، وأنَّ نباتات مثل الذُرة وقصب السكر وغيرهما ، تُزرع فيها.
ويختم بورتريس حديثه في هذه الجزئية متسائلاً: هل كان الاسم " ذُرة " لفظاً أصيلاً في لغة زنزبار ، أم أنَّ أولئك الرحَّالة العرب الذين وصلوا إلى تلك البلاد في القرن التاسع الميلادي ، ووجدوا الناس هناك يزرعون ذلك النبات ، قد أطلقوا عليه ذلك الاسم الذي كانوا يعرفونه سلفا ؟.
ولعل مما يُضعف افتراض بورتريس احتمال أن يكون اللفظ " ذُرة " لفظاً زنجياً أوزنزبارياً أصيلاً ، قوله هو نفسه في ذات السياق ، إن سكان زنزبار يسمون الذرة الرفيعة البيضاء ma taam في اللغة السواحيلية، نقلاً عن العربية الجنوبية أو السبئية التي تُسمي القمح " طعام "(10). وتاسيساً على ذلك ، فإنه يحق لنا أن نفترض أن لو كان لفظ " ذرة " لفظاً زنجيا بانتويا قديما حقاً كما تُوحي بذلك عبارة بورتريس ضمناً على سبيل الافتراض ، لتبنته السواحيلية بدلاً عن لفظة " طعام " السامية الأصيلة ، والتي هي - بالمناسبة - مستخدمة حتى في العربية الشمالية " العدنانية " كأحد أسماء القمح.
أما الذرة الصفراء أو الشامية نفسها ، فإنها تُسمى ( ماهِندي ) أي غلَّة الهند أو الغلَّة المنسوبة لبلاد الهند Mahindi (11) في اللغة السواحيلية ( Lusekelo, 2016 ) ، التي هي وريثة التراث اللغوي لما كانت تعرف ببلاد الزنج القديمة بامتياز. ومرة أخرى كما هو ملاحظ ، فإنه لا يوجد أي أثر للفظ ذُرة ، الذي حاول بورتريس افتراض أن يكون من أصل زنجي أو زنزباري.
ومهما يكن من أمر ، فإننا نميل إلى الاعتقاد في أصالة اللفظ " ذُرة " في اللغة العربية ، إذ هو في تقديرنا من مشتقات الجذر الثنائي العربي الأصيل " ذ..ر " ، والذي تُشاطر كلمة ذُرة فيه ، ألفاظٌ عديدة تلتقي كلها في معاني: الصِّغَر ، والصِّغَر المتناهي ، والكثرة ، والتراكب ، والاستدارة ، والحُبيبية ، والانهيال ، والانتشار ، والانتثار ، والتذرية ، والتشتيت ، والتبديد ، والتناسل ، والاستيلاد.
تلك لعمري ألفاظ مثل: ذَرَّة ، وذُريَّة ، وذُرة ، وبَذْرَة ، وذَرْ (صغار النمل) ، وذرِيرة ، وتذرية ، وتبذير ( بمعنى تبديد وإضاعة وتفريق أي شيء ، كما يُفعل بالبذور لقابليتها لذلك ). بل يتعدى ذلك الاستخدام الفصيح إلى مجال العاميات ، مثل قولهم في العامية السعودية المعاصرة مثلاً " البذورة " يعنون: الأطفال الصغار تشبيهاً لهم بالبذور ، وكذلك قول عرب الكبابيش بالسودان في عاميتهم " البَذُّور " يعنون الأطفال كذلك. والشاهد في كل هذه الألفاظ اشتمالها جميعا على صوتي الذال والراء كصوتين أساسيين.
الذُرة الشامية وانتشارها في العالم وإفريقيا:
أما فيما يتعلق بالذُرة الشامية أو الصفراء بالتحديد ، فإنَّ هنالك شبه إجماع بين العلماء والباحثين ، على أنَّ موطنها الأصلي هو قارة أمريكا ، ومنها انتقلت إلى العالم القديم مع جحافل المستكشفين الأسبان والبرتغاليين الأوائل ، الذين رادوا تلك الأصقاع بعد رحلة كولمبوس الشهيرة ، أي بعد خواتيم القرن الخامس عشر ، ومطالع القرن السادس عشر الميلاديين.
وتذكر المصادر ذات الصلة ، أنَّ السكان المحليين بجنوب المكسيك ، كانوا هم أول من استأنس زراعة الذرة الشامية لأول مرة ، منذ حوالي 6000 سنة قبل الميلاد.2)1)
والحال كذلك ، فإنَّ بوسعنا أن نفترض بأن يكون المستكشفون البرتغاليون الذي داروا حول إفريقيا ، واستعمروا بعض المناطق في سواحلها الغربية والشرقية منذ القرن السادس عشر ، مثل جزر الرأس الأخضر ، وغينيا بيساو ، وساوتومي وبرنسيب ، وأنغولا ، وموزمبيق ، فضلاً عن توغلهم في الحبشة ، ونشاطهم العسكري والتجاري الكثيف في المحيط الهندي والبحر الأحمر ، قد حملوا معهم بذور الذرة الشامية ، وأدخلوا زراعتها إلى تلك المناطق.
أما مصر ، فيجوز أنها قد عرفت حبوب الذرة الشامية وزراعتها من بعد ، إما تأثُّراً بذلك النشاط البرتغالي ، باعتبار أنها كانت تمثل دائماً بؤرة جذب وملتقى طرق تجارية برية وبحرية ظلت تربطها بسائر أجزاء القارة وغيرها من بلدان العالم منذ قديم الزمان، وربما تكون زراعة الذُرة الشامية ، قد ازدادت وتيرتها فيها بصفة خاصة ، بعد الحملة الفرنسية عليها بقيادة نابليون في عام 1798م.
أما إذا ثبت – على سبيل المثال - أنَّ المصطلح " ذُرة شامية " نفسه مصطلح مصري الصناعة ، فإنَّ ذلك من شأنه أن يدعونا إلى افتراض أن تكون هذه السلعة ، ربما قد جاءت إلى مصر نفسها في وقت ما من الأوقات من بلاد الشام.
على أنه يبدو أن هنالك من الباحثين ، من لا يميلون إلى التسليم بصورة مطلقة ، بالفرضية الشائعة وشبه الثابتة حتى الآن ، بأن تكون الذرة الشامية وزراعتها في إفريقيا ، قد أدخلها البرتغاليون إلى القارة السمراء ، بعد اكتشاف الدنيا الجديدة ، هكذا ضربة لازب. وذلك هو – على الأقل – ما توحي به ضمناً ، عبارة مارغن ميراكل ( Miracle, 1965 ) ، وذلك إذ يقول:
“The commonly repeated assertion that the Portuguese brought maize to the New World cannot be documented at this juncture.”(13)
فلعله يكون من المحتمل أن مصر قد كانت بالفعل موطناً قديما جداً وأصيلاً لزراعة الذرة الشامية منذ عصر ما قبل الميلاد ، وهو ما قد يفسر من ناحية أخرى – ولو جزئياً – حرص عدد من الشعوب والجماعات القاطنة في إفريقيا جنوب الصحراء ، على نسبة هذا المحصول أو هذا النبات إلى مصر ، كما رأينا في مصطلح " عيش الريف " في عربية أهل السودان الدارجة ، أو اشتقاق مسمى لهذه الغلة من اسم مصر نفسه ، كما هو ملاحظ في عدد مقدر من اللغات الإفريقية المعاصرة ، على نحو ما سوف نرى لاحقا.
ففي أثناء بحث كاتب هذه السطور عن المراجع العلمية اللازمة من أجل إعداد هذه الورقة ، استوقفته بشدة صورة نشرت بموقع على الشبكة العنكبوتية اسمه Spyderco Forum ، لما تبدو بوضوح بأنها سنابل ذرة شامية ، عُثر عليها كما قيل ، مرسومة على جدار أثر مصري قديم ، يعود إلى الفترة الفرعونية. وقد صُدِّر ذلك الخبر المصحوب بتلك الصورة بالعنوان التالي ، الذي ينطوي على تساؤل مفعم بالدهشة والاستغراب: Corn in Ancient Egypt ? ، أي: ذُرةٌ شامية في مصر القديمة ؟. وتاريخ نشر هذا الخبر والتعليقات عليه هو 21 ديسمبر 2015م.(14)
مهما يكن من أمر ، فإن هنالك ما يحمل على اعتقاد شبه مؤكد ، بأن أجزاء واسعة من القارة الإفريقية ، قد وصلت إليها حبوب الذرة الشامية لأول مرة من مصر ، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، ولذلك التمست لها في لغاتها المختلفة ، أسماءً لها علاقة بمصر ، أو باسمها المعروف في اللغة العربية.
ولعل من نافلة القول ، أن نقرر بأن مصر قد عرفت التواصل مع مختلف أصقاع القارة الإفريقية منذ العصور القديمة ، عن طريق الملاحة البحرية ، وكذلك عن طريق القوافل السالكة للطرق البرية عبر الصحراء خلال العصور الوسطى والحديثة.
فبلاد وسط وغرب إفريقيا ، كانت متصلة بمصر ومنتوجاتها التجارية عن طريق القوافل عبر " درب الأربعين " الذي كان يربط بين أسيوط في مصر وبلدة " كوبى " بدار فور، التي تقع إلى الشمال الغربي من الفاشر عاصمة ذلك الإقليم. (15)
) ومنها يواصل الطريق سيره إلى " وارة " عاصمة سلطنة " ودَّاي " بشرق تشاد ، ومنها غرباً إلى " كانم " ، ثم إلى " كانو " بشمال نيجيريا ، وغيرها من المناطق في بلاد السودان الأوسط والغربي.
وهنالك طريق آخر للقوافل ، كان ينطلق من القاهرة مروراً بواحة " سيوة " عبر الصحراء الغربية باتجاه الغرب والجنوب الغربي إلى " مُرزُقْ " عاصمة فَزَّان ومن ثَمَّ إلى " غدامس " ، ثم ينعطف باتجاه الجنوب إلى مناطق الداخل الإفريقي.
فهذه الطرق التي كانت تؤمِّن نقل البضائع والتجار والمسافرين والحُجَّاج إلى الأراضي المقدسة أيضاً ، قد سهَّلتْ نقل العديد من المنتجات من مصر إلى داخل إفريقيا ، ومن ضمنها – بطبيعة الحال – الذُرة الشامية التي عليها مدار هذا البحث.
المُسمَّيات الدَّالة على الذرة الشامية في عدد من اللهجات واللغات
في إفريقيـــــــــا جنــــوب الصحــــراء ، مما له علاقة بمصر وبلاد العرب بصفة عامة :
لقد رأينا فيما مضى ، أنَّ السودانيين يسمُّون الذُرة الشامية أو الصفراء ، " عيش الريف " في لهجتهم العربية العامية ، ناسبين هذا النبات أو المحصول إلى مصر بحسب مقتضيات لهجتهم الدَّارجة.
ولا تقتصر هذه الدّالة التي تربط بين هذه الغلَّة وبين مصر واسمها على العربية السودانية المحكية فحسب ، بل إن هنالك من الشواهد ما يحمل على الاعتقاد بأنَّ بعض لغات جبال النوبة الواقعة في جنوب كردفان بوسط السودان ، وهي مجموعة كبيرة جداً من اللغات التي تتوزع من حيث الأصل والانتماء فيما بين العائلتين النيلية الصحراوية من جهة ، والنيجر كردفانية من جهة أخرى ، ربما تتبنى هي الأخرى ألفاظاً مشتقة من اسم " مصر " للدلالة على الذرة الشامية (بورتريس 1958،).
ففي هذا المضمار يطرح رولاند بورتريس التساؤل التالي:
Faut-il voir, dans les parlers nuba des montagnes, l'origine des appellations données pour « Sorgho » par Me Diarmid avec : Ka- rudi migila; miri migile; tabania me'el; buram musa, talodi (ta- suri) musir et moro tacho) mujir? Auquel cas il s'agirait de S. bicolor, un « Sorgho sucré », peut-être aussi le « Maïs ». On rencontre encore des appellations données par le même auteur : nubien buram musa, n. talodi = n. tasuri musir, n. moro = n. tacho mujir, qui peuvent rappeler masar « l'Egypte », à moins de faire état de l'alternance l/r. (16)
أما إذا توغَّلنا غرباً ، فإننا نجد أن سائر المتكلمين بالعربية من عرب البقَّارة و " الشُّوا " القاطنين ببلاد وسط إفريقيا: ( تشاد ، وشمال الكميرون ، وشمال شرقيّ نيجيريا ، وأجزاء من مالي والنيجر ) ، يُطلقون جميعهم على الذُرة الشامية اسم " مَصَرْ أو مَسَر " بفتح السين والصاد أو السين كما ينطقها بعضهم.
ولعلَّ المتحدثين بلغات أخرى غير العربية في ذلك الإقليم ، قد تأثروا بتلك المجموعات العربية القاطنة هناك ، واقترضوا منها هذا الاسم ومشابهاته ، لإطلاقه على الذرة الشامية ، وإنما نقول ذلك على سبيل التخمين والافتراض فقط.
فالذُرة الشامية تُسمى " مَسَر " في لغة " الكانوري " وهي لغة تنتمي إلى عائلة اللغات النيلية الصحراوية ، وكانت هي لغة البلاط واللغة السائدة في مملكة كانو- برنو. 17))
وإلى جانب ذلك ، يُوقفنا رولاند بورتريس على عدد من اللغات الإفريقية التي تشتق من اسم مصر بلفظه العربي ، مسميات تطلقها للدلالة على نبات وحبوب الذرة الصفراء أو الشامية ، وخصوصاُ في لغات البلاد المحيطة ببحيرة تشاد وما وراءها.
وهكذا نجده يذكر من بين تلك اللغات التي اقترضت ، أو اشتقت لمدلول الذرة الشامية مسميات من اسم مصر بالعربية لغات مثل:
الهوسا: Masar,Masara
الكانوري: Masar
البوروما: Mahar
بوليوا: Masr
أنقامو: Masar
كُوروما: Masar
جنجي: Masiri
شيباك/جيباك: Masar
وندلا: Masara
مَكاري: Masar
كوتوكو: Makari
على أننا كلما توغلنا أكثر نحو الغرب ، ألفينا أن عدداً من لغات بلاد السودان الغربي ، تميل إلى استعارة ألفاظ ذات صلة بأسماء مواضع أو معالم بعينها في أرض الحجاز بالتحديد ، لكي تعبِّر بها عن مسميات الذُرة الصفراء فيها. نذكر من ذلك على سبيل المثال أنَّ الذُرة الشامية تُسمى في اللغة البولارية أي لغة الفولاني كابا Kāba بمعنى: الغلة القادمة من أرض الكعبة المشرفة ، وفي لغة سُوسُو: كابى بألف ممالة Kābe ، وفي لغة البمبارا كابا Kabā بمد في الألف الأخيرة. أما في لغة السونينكى فإن الذُرة الشامية تسمى مكة Makka قولاً واحدا. (19)
الخـــاتمة:
مما تقدَّم ، يتضح لنا بجلاء ، ملمحٌ طريفٌ حقاً ، وجديرٌ بالتأمُّل عن مدى تأثير اللغة العربية في عدد من لغات بلدان إفريقيا جنوب الصحراء ، كما يتجلَّى ذلك بصفة خاصة ، في تبنِّي جملة مقدَّرة من تلك اللغات ، للفظة عربية تدلُّ على اسم علمٍ معروف ، هو اسم " مِصْر " ، أرض الكنانة ، وذلك القطر الشهير وذو الحضور الباذخ في الثقافة العربية والحضارة الإسلامية ، واشتقاق ألفاظ من اسمها في صيغته العربية ، داخل العشرات من تلك اللغات ، ما علمنا منها وما لم نعلم بعد ، للدلالة على غلَّة ونبات الذُرة الصفراء أو الشامية ، فضلاً عن استعارتها كذلك من ألفاظٍ دالةٍ على مواضع ومعالم بعينها في المناسك المقدسة بأرض الحجاز. وإنما كان قصارانا هاهنا أن صوَّبنا النظر ، ولفتنا الانتباه فقط إلى تلك المفردات التي أوقفنا عليها الفرنسي " رولاند بورتريس " ، بالإضافة إلى المفردات المحدودة ذات الصلة بهذا الموضوع التي استقاها هذا الباحث شفاهة من شخص واحد فقط ، وإلاَّ فإنَّه سيغدو من المؤكَّد أنَّ دراسةً لسانية معجمية أكثر استقصاءاً ، وأعمق بحثاً ، ستكشف لنا الكثير من المعلومات المبهرة والمثيرة للانتباه في هذا المضمار.


هوامـــــــــــش:
(1) Aikhenvald, Alexandra, Languages of the Amazon, Oxford Linguistics, 2012, p.65.
(2) قاسم ، عون الشريف ، قاموس اللهجة العامية في السودان ، المكتب المصري الحديث ، القاهرة ، طبعة ثانية ، 1985م ، صفحة 936.
(3) إفادة خطية عن طريق تطبيق واتساب من الأستاذ محمد عثمان إبراهيم ، مثقف سوداني من قبيلة البجة ، مقيم بأستراليا.
(4) ود ضيف الله ، محمد النور ، كتاب الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان ، تحقيق الدكتور يوسف فضل حسن ، دار جامعة الخرطوم للتأليف والترجمة والنشر ، طبعة ثانية ، الخرطوم ، 1974م ، الصفحتان 177 و181.
(5) أبو منقة ، محمد الأمين ، اللغة العربية واللغات الإفريقية الأخرى ، معهد الدراسات الإفريقية ، جامعة محمد الخامس – السويسي ، الرباط ، 2006م ، الصفحتان 6 و7.
(6) قدرماري ، بابكر حسن ، " الأثر العربي في اللغات والثقافات الإفريقية " ، مقال نُشر بأحد أعداد مجلة " دراسات إفريقية ، التي تصدرها جامعة إفريقيا العالمية بالخرطوم ، صدر بعد عام 2006 ، ويمكن العثور على نسخة الكترونية منه في الرابط التالي: http://publications.iua.edu.sd/iua_magazines/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A9/39/%D8%AF%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D8%AA%20%D8%AF%D8%B9%D9%88%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D8%AF39.pdf-3.pdf
(7) https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D8%B0%D8%B1%D8%A9/
(8) شيني ، ب. ل ، مروي حضارة سودانية ، تعريب أحمد المعتصم الشيخ ، إدارة البحث العلمي ، جامعة الخرطوم ، 2017م ، صفحة 103.
(9) Portères, Roland, “ Les appellations des Céréales en Afrique » article dans le Journal de l’agriculture traditionnelle et de botanique appliquée, 1958, pp.732-761.
(10) Ibid., p.732
(11) Lusekelo, Amani, “The Spread of Kiswahili Lexis into the Interior Bantu: The Case of Names of New World Cereals and Tubers in Tanzanian Bantu.
(12) The History of Corn in « Versagrain » web site
http://www.versagrain.com/history-of-corn.html
(13) Miracle, Marvin P.,” The Introduction and Spread of Maize in Africa”, an article published in the Journal of African History, Volume 6, Issue 1, March 1965, pp.39-55.
(14) Spyderco Forum, “ Corn in Ancient Egypt? “ https://www.spyderco.com/forumII/viewtopic.php?t=69515
21 December, 2015.
(15) Hasan, Yusuf Fadl, “ The Fur Sultanate and the Long Distance Caravan Trade, c.1650 – 1850 “ in Hasan and Doornbos (eds), The Central Bilad Al Sudan: Tradition and Adaptation, U of K , Tamaddon Printing Press LTD, Khartoum, 1977, pp.201 – 215.
(16) Roland Portères, op.cit, p.73.
(17) Farah, Khalid M., « Emprunts lexicaux au kanouri dans l’arabe tchadien”, communication présentée à la conférence de l’Association Internationale de la Dialectologie Arabe-AIDA 12, Université Aix Marseille, France, 31 mai – 2 juin 2017.
(18) Portères, Roland, “ Les appellations des Céréales en Afrique » article dans le Journal de l’agriculture traditionnelle et de botanique appliquée, 1958, p.84
(19) معلومة حصل عليها الباحث شفاهةً من الأستاذ " محمد با " ، وهو مثقف غيني الجنسية مقيم بالعاصمة الأنغولية لواندا.