عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
ظلت المراجعة ، وإعادة النظر ، والاستدراك الغيري أو الذاتي ، والمناقشة ، والتمحيص ، وتقليب الرأي في سائر حصائل النشاط العقلي والفكري بصفة عامة ، ملمحاً مألوفاً وطبيعياً – على كل حال – في عالم التأليف والكتابة على وجه الخصوص في كل زمان ومكان.
ذلك بأنَّ الكُتَّاب والمؤلفين والباحثين ، وخصوصاً في مجالات العلوم الإنسانية ، ما يزالون يعثرون في معرض تنقيرهم وبحثهم في بطون المصنفات القديمة منها والمستجدة ، فضلاً عما قد توصله إليه جهودهم العقلية ، عن طريق إمعان النظر والاستبصار ، والمقابلة ، والاستنباط ، ودقة الملاحظة ، والتحليل ، من الشواهد والبينات الجديدة أو الإضافية التي تحملهم على الالتزام بوجهات نظر محددة ، تطمئن إليها نفوسهم حيال مختلف المباحث والقضايا.
وقد يستغرق مثل ذلك التمرين العقلي والبحثي سنين عددا ، فتكون نتيجته حاسمة للجدل والنقاش حول الموضوع المعني ، على نحوٍ مُرضٍ بصفة عامة أحياناً ، وقد لا يُفضي إلى أي شيء من ذلك البتة في أحيان أخرى.
فعلى سبيل المثال ، ظل مبحث " أصل الفونج " في الدراسات التاريخية السودانية ، واحداً من المباحث الأكثر إثارة للجدل بين دارسي تاريخ السودان ، والباحثين فيه ، والمهتمين به بشكل عام. وهو جدلٌ استغرق أعواماً عديدة ولعله ما يزال قائماً حتى الآن.
فقد ذكر البريطاني بروفيسور ب. م. هولت في معرض مقالٍ له نشره في عام 1963م بأحد أعداد " مجلة التاريخ الإفريقي " ، أن ذلك المبحث قد كان مدار أخذٍ ورد ، ومساهامت ، مداخلات جمَّة من قبل عدد من الكُتاَّب الذين عرضوا لهذا الأمر ، من خلال سلسلة من المقالات والرسائل ، والتعقيبات التي ظلوا ينشرونها تباعاً بمجلة " السودان في رسائل ومدونات " ، بأعدادها الصادرة ابتداءً من عام 1930 وحتى عام 1935م. وأضاف هولت في ذات المقال أن آركل قد عاد إلى ذات الموضوع بعد نحو عشرة أعوام ، لكي ينشر بذات المجلة في عام 1946 مقالاً له بعنوان: More about Fung Origins أو " المزيد عن أصول الفونج ".
وإنما ساقنا إلى تقرير هذه الحقيقة الماثلة والمشروعة والطبيعية في عالم التأليف والكتابة ، عبر هذا النموذج الساطع من تراثنا الفكري والتأليفي ، ما نحن بصدده أدناه من مشروعية العودة إلى مفردة " السَّجم " العامية السودانية ، تلك المفردة التي سبق أن عرضنا لها من قبل ، في محاولة لتخريجها وتأصيلها لغويا. فكأنَّ هذه الكلمة تأتي أيضاً ، على سبيل إيراد المزيد من البينات حول أصل (السَّجم) السوداني !!.
وكنتُ قد أرسلتُ مقالي بعنوان: " عن السَّجم والرَّماد والنِّيلة والهِباب " إلى عدد من الإخوة الفضلاء ، وخصوصاً إلى نفرٍ من أصدقائي أساتذة وعلماء اللغة العربية ، أذكر منهم البروفيسور إبراهيم القرشي ، والدكتور الصديق عمر الصديق ، والدكتور مصطفى أحمد علي ،والدكتور أمير الدليل ، والدكتور سعد عبد القادر ، والأستاذ الأمين كاكوم وغيرهم ، فاستحسنوه جميعهم مشكورين. بيد أنه قد بدا لي كأن في نفوس معظمهم شيئاً من إمكان وقوع التعاقب بين حرفي الخاء والجيم على وجه الخصوص ، وذلك في معرض تعليقهم ضمناً على قولي أنَّ " سَجَم " السودانية بالجيم التحتانية، مأخوذة من " سَخَم " الفصيحة بالخاء الفوقانية ، التي منها " سُخام القِدْر " ، أي: السواد الذي يعلوها بفعل النار.
على أنَّ الأخ الدكتور مصطفى أحمد علي ، قد حاول استبصار صلة ما بين ما ذهبنا إليه ، ووجود شيء من التعاقب بين الخاء والجيم في اللغة القشتالية ، وهي اللهجة اللاتينية التي كانت سائدة في شمال اسبانيا ، وهي ذات اللهجة التي ستتطور لاحقاً ، لكي تصير اللغة الإسبانية الحالية ، التي تأثرت بدورها كثيراً باللغة العربية ، بحكم الوجود العربي المتطاول ببلاد الأندلس ، في جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية ، ذلك الوجود الذي استمر نحواً من ثمانية قرون.
والحق هو أنَّ كل صوت " جيم " في البرتغالية المعاصرة وغيرها من اللغات الأوروبية الأخرى ، هو " خاء " باضطراد في اللغة الإسبانية مثل: جوزيه / خوسيه ، وجوان / خوان ، وهلم جرا.
وكان أستاذنا العلامة الدكتور جعفر مرغني حفظه الله ، قد أوقفني على شيء من ذلك أيضاً قبل بضعة أعوام ، أعني مسألة التعاقب بين صوتي الجيم والخاء في العربية عموماً ، وفي اللهجة الأندلسية وما اتصل بها من لغات شبه الجزيرة الأيبيبرية على وجه الخصوص.
وانطلاقاً من ذلك ، هل يجوز لنا أن نفترض – على سبيل المثال – أن يكون قد حدث تعاقب وتبادل بين صوتي الجيم والخاء في نطق اسم قبيلة " جُذام " العربية المعروفة اليمنية الأصل ، التي كان لها وجود تاريخي مثبت في منطقة بحيرة تشاد بإمبراطورية كانم برنو ، على الأقل منذ القرن الرابع عشر الميلادي ، وهو وجود أشار إليه المؤرخ المصري القلقشندي في كتابه " صُبح الأعشى " ، بحيث تحول الاسم من " جُذام " بالجيم إلى " خُزام " بالخاء. ذلك بأن اسم " جُذام " بالجيم قد اندثر تماما ، ولم يعد مستعملاً ودائراً على الألسن مطلقاً هناك ، بينما كانت وما تزال توجد قبيلة باسم " خُزام " بالخاء ، تنتشر بطونها في حزام يمتد من لدن شرق نيجيريا غرباً ، وحتى غرب وجنوب دار فور شرقا ؟. ولا أدري إن كان الباحث والروائي الشهير الأستاذ إبراهيم إسحق إبراهيم ، قد عرض لهذه المسألة في كتابه عن " هجرة الهلاليين " أم لا. هذا ، مع الأخذ في الاعتبار ، الأثر اللغوي والثقافي الأندلسي والمغاربي الواضح على تلك المنطقة من وسط إفريقيا ، والذي يمتد شرقاً ، إلى أن يصل إلى تخوم سودان وادي النيل.
أما صديقي الدكتور سعد عبد القادر العاقب ، أستاذ اللغة العربية وآدابها بجامعة بحري ، فقد كتب رسالة لطيفة للغاية بعنوان: " تأصيلُ قولهنَّ: سجمي ! " ، نشرها على نطاق محدود جدا عبر بعض منصات التواصل الاجتماعي. وقد وقعت لي رسالته تلك " في جرح " كما نقول في تعبيرنا العامي. ذلك بأنها قد أمَّنت على نحوٍ علمي ، وبالشواهد والأدلة النصية ، ما سبق أن افترضته أنا استنباطاً وقياساً فقط ، من جواز وقوع التعاقب بين صوتي الخاء والجيم ، فجزاه الله عني خير الجزاء. وإليك ما خطَّه الدكتور سعد ، سلم يراعه:
" تأصيل قولهنَّ: سجمي .. وهي عند نساء السودان تعبير عن الحزن برمزية السواد والحداد بقولهن (سجمي). وهي مقلوب الجيم من الحاء يردن مادة (سحم) ، أو مقلوب الجيم من الخاء يردن مادة (سخم). والمادتان تعنيان السواد. ففي لسان العرب لابن منظور: ( السحم والسُّحام والسُّحمة: السواد. وقال الليث: السُّحمة سواد كلون الغراب الأسحم ، والسُّخمة السواد ، والأسخم الأسود. وقد سخمت بصدر فلان أذا أغضبته. وسللت سخيمته بالقول اللطيف والترضِّي. والسُّخام بالضم: سواد القِدْر. وقد سخمت بصدر فلان إذا أغضبته. وسللت سخيمته بالقول اللطيف والترضِّي. والسُّخامُ بالضم: سواد القِدر. وقد سخَّم وجهه أي سوَّده. والسُّخام: الفَحَمُ ". أما قلبُ حروفها ، فشاهده قوا ابن السِكِّيت في كتابه: القلب والإبدال عن الأصمعي: ( يُقال تركت فلانا يجوس بني فلان ويحوسهم يقول يدوسهم ويطلب فيهم، الكسائي يقال أحم الأمر وأجم إذا حان وقته. ويقال رجل محارف ومجارف. ويقال هم يحلبون عليه ويجلبون عليه في معنى واحد أي يعينون عليه. وقال الأصمعي ما كان معناه قد حان وقوعه فهو أجم . يقال قد أجم ذلك الأمر أي قد حان. وأنشد:
حَيِّييا ذلكَ الغزالَ الأحَمَّا
إن يكُنْ ذلك الفِراقُ أجَمَّا
وقال الأصمعيُّ: يُقال خَلَعَ وجَلَعَ إذا ذهب حياؤه.
والجلَعُ الكشف. والمرأة الجلعة التي كشفت عن رأسها قناعها ، وأنشد:
قولا لسَحْبانَ أرَى بَوارا
جالعةً عن رأسِها الخِمارا " أ. هـ
فجالعة هنا ، هي خالعة نفسها ، فالزمها ، ولا تكونن من المُمترين.