عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لعلنا لا نعدو الحقيقة إن قلنا ، إن السعي المقصود والممنهج للترويج عن مختلف أنواع السلع والخدمات ، قد ظل يلازم النشاط التجاري بصور وأساليب ما مختلفة ، وذلك منذ أن عرف الإنسان هذا النشاط ، ودرج على ممارسته.
فمما حفظته لنا كتب الأدب العربي القديم في هذا الباب على سبيل المثال ، قصة تاجر الثياب الذي جلب خمارات بألوان متعددة ، فاشترت النساء والفتيات جميع ما كان معه من خُمُر من جميع الألوان ، فيما عدا تلك التي جاءت على اللون الأسود. فقد كسدت هذه وبارت ، وتكدست لديه مما أضر بموقفه المالي كما يقال في التعبير الاقتصادي المعاصر. فشكى ذلك التاجر حاله لصديق له شاعر باقعة ، فما كان منه إلا أن ألف مقطعاً " دعائياً " من الشعر من بيتين هما قوله:
قل للمليحة في الخمار الأسود
ماذا فعلت بناسك متعبد
قد كان شمر للصلاة ثيابه
حتى وقفت له بباب المسجد
ثم إن ذلك الشاعر قد سلط رواته ، فبثوا هذين البيتين بين الناس ، وسمع بهما المغنون فتغنوا بهما ، فانتشرا انتشار النار في الهشيم ، فأقبلت النساء على حانوت ذلك التاجر ، فاشترين منه جميع ما معه من خُمُر سوداء من جراء تأثير ذلك الإعلان الترويجي الرهيب.
على أنني عندما أعتصر فصوص ذاكرتي أحياناً ، لكي أحاول استعادة ذكريات طفولتي الباكرة في هذا الجانب ، وخصوصاً إلى ذلك المدى الذي لا يستطيع المرء أن يتذكر قبله شيئا ، فإنَّ أصوات إعلانات ترويجية بعينها ، أو " دعايات " كانت تبث من خلال المذياع ، ما يزال صداها يتردد في ذاكرتي السمعية ، مثل الإعلان عن " لبن كاني " في مقطع غنائي قصير كانت تؤديه المطربة الراحلة " منى الخير ":
لبن كاني لذيذ وجديد
لبن كاني للصحة مفيد
لبن كاني يديك العافية
وأستطيع أن أتذكر أيضاً قبل ذلك الإعلان بقليل أو متزامناً معه ، أعلاناً آخر لنوع معين من الصابون ، كان يُعرف ب " صابون صافي ". وكانت دعايته مقطعاً غنائيا تقول كلماته:
صافي .. صافي .. صافي
الحيَّرْ أوصافي
غير أني لا أتذكر ملامح هذا المقطع الأخير ، بذات الوضوح الذي أتذكر به دعاية اللبن المجفف " كاني " ، لأنني أتذكر لبن كاني نفسه وعلبته التي كانت تتحول بعد فراغها في معظم البيوت السودانية إلى علبة لحفظ السكر أو الشاي ، اللذين كان يجاء بهما من الدكان في أقماع مخروطية من قراطيس صحف تستورد لهذا الغرض خصيصا من بعض الدول الإسكندنافية. وكانت تلك القراطيس صديقة للبيئة ، حيث لم يكن استعمال أكياس النايلون قد شاع بعد.
ثم إننا كبرنا وصرنا أكثر وعياً وإدراكاً ، فصرنا نستمع لإعلانات ترويجية من خلال الإذاعة خاصة ، منها ما هو أجنبي مثل دعايات بطاريات " بيريك " و " أيفريدي " ، ومنها ما هو سوداني مثل دعاية مسحوق " أندروس " المضاد للحموضة من أداء الفنان الكبير " شرحبيل أحمد ":
أندروس .. أندروس منعش فوار
يريح المعدة ليل ونهار.. الخ
ومع بداية انتشار التلفزيون في سائر أنحاء السودان منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي ، تابعنا ألواناً جديدة وطريفة من الإعلانات الترويجية التي أصاب بعضها رواجاً وشهرة واضحة مثل: تلك الوصلة الإعلانية الغنائية لنوع معين من أنواع العلك أو " اللبان " ، التي كانت تؤديها فتاة خرطومية " الترامودرن " بمقاييس ذلك الزمان ، ودعاية مسحوق الغسيل " صابون فونا " التي جاءت في شكل مقطع غنائي على نغمة الأغنية الشعبية " اللول لو العروس بت السرور العظمة " الخ !.
قالوا ، والشئ بالشيء يذكر ، إن زعيماً إفريقياً زار السودان في عهد الرئيس نميري رحمه الله ، وكان الرئيس نميري في استقباله بالمطار. ولكن الفرقة الموسيقية التي كانت حاضرة في مراسم الاستقبال ، لم تستطع عزف النشيد الوطني الخاص بدولة ذلك الرئيس الزائر كما يقضي العرف بذلك ، لأن سلطات تلك الدولة لم ترسل النوتة الموسيقية الخاصة به ، أو هكذا اقتضت النكتة. فظل الجميع واجمين ، فتقدم أحد مرافقي الرئيس نميري وهمس في أذنه بأن الجوقة الموسيقية ليس معها النشيد الوطني لتلك الدولة ، فزعموا أن الرئيس نميري قال لهم: " رشوهم بأي حاجة خلونا نمشي إن شاء الله صابون فونا !! " ، وذلك في إشارة منه لذلك المقطع الترويجي الشهير آنئذٍ. وبكل تأكيد فإن هذه مجرد قصة مختلقة ، جاءت فقط على سبيل الطرفة ليس غير.
والحق أن الدعايات ، أو الإعلانات الترويجية ، أو الإشهارات كما تسمى في بعض بلدان المغرب العربي ، قد أضحت من الشهرة والشيوع بمكان في شتى أرجاء العالم ، بل صارت جزءا أساسياً مما يعرف بفن وعلم التسويق بكل ما يقتضيه من معارف اقتصادية ونفسية وسلوكية وغيرها. وقد استغلت تلك الإعلانات الترويجية بغرض إيصال رسائلها الموجهة إلى جماهير الزبائن المحتملين أو المفترضين ، سائر صنوف الفنون والوسائل المسموعة والمرئية والمقروءة ، شاملةً الدراما ، والألحان ، والموسيقى ، والغناء ، والرسم ، والتشكيل ، والتصوير الفوتغرافي ، وصولاً إلى مايسمى بالوسائط المتعددة أو الملتيميديا. بل صار من المألوف جداً أن تتخلل معظم البرامج بل الحوارات التلفزيونية حتى حول أشد المواضيع جدية وخطورة ، بل حتى الأفلام الروائية والمسلسلات ، بعض الفواصل الإعلانية. فاصل ونواصل !!.
ولا شك أن الدعايات أو الإعلانات الترويجية هذه بصفة عامة ، تمثل مرءاة صادقة تعكس ثقافات الشعوب المختلفة وخصائصها الاجتماعية والنفسية في كثير من الأحيان.
فلعلنا كسودانيين ، نتلمس - على سبيل المثال – ما عُرفنا به من جنوح للمبالغة ، وانفعال وجداني مفرط وزائد عن اللزوم أحياناً ، أو ميلٍ إلى أن نجعل " للحنابر قنابر " كما نقول في مثلنا العامي ، في مشهد درامي ترويجي تلفزيوني ، لسلعة استهلاكية بعينها ، يظهر فيه رجل يوصي ابنه الصغير بتلك السلعة والحرص عليها ، قائلاً له أن أباه هو قد أوصاه عليها مثلما أن جده قد أوصى أباه على ذات السلعة. وقد استخرج ذلك الأب تلك السلعة من خزانة محكمة الإغلاق ، دليلاً على عزها ونفاستها ، وكأني بها حفنة من تراب أرض كرري رمز البطولة والفداء عند سائر السودانيين !!.
ولقد تكررت ذات الفكرة في دعاية لسلعة أخرى ، ولكن هذه المرة مع طفلة صغيرة ، زعمت أن أمها قد أوصتها منذ أوان طفولتها باستخدام صنف بعينه من سلعة غذائية ما. فكنت كلما شاهدت أي واحد من هذين الإعلانين ، يقفز إلى ذهني مباشرة قول الشاعر:
ألا يا أيها النُّوامُ ويحكمً هبوا
أسائلكم هل يقتل الرجلَ الحبُّ ؟
وما انتقد به من عدم اتساق وانسجام بين صدره الجزل ، وعجزه الرخو.
هذا ، ويعجبني جداً توظيف الوعي بالخصائص الثقافية والأنثربولوجية لشعب ما ، في إعداد الرسائل الترويجية مثل تأليف مقطع دعائي غنائي لنوع معين من الشاي بلهجة البقارة تارة ، وتارة أخرى بلهجة الشايقية ، وذلك على اعتبار أن هاتين المجموعتين الإثنتين ، هما الأكثر ارتباطاً بتعاطي الشاي في السودان ، ولكل منهما فلكلور عريض في ذلك. كما يعجبني قول شاعر شعبي قال على نمط الدوبيت في الترويج لنوع معين من أنواع الجرارات الزراعية ، ولن أورد المقطع الذي فيه اسم ذلك الطراز من الجرارت ، لأننا لسنا هنا في معرض الترويج:
عفيت أنا منك إتْ يا اللخدر المنتازْ
لا بتخسر مكتَكْ ولا بتاكلْ جازْ
صناعة ايطايا يا الليك المزارع انحازْ
البسعاك سِعِدْ بكْ والحرتْ بَكْ فازْ !!