عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الطَّنْبُور بالنون ، أو الطَّمْبُور بالميم بمعنىً واحد طمبوران ، بحسب مقتضيات الثقافة الموسيقية والغنائية السودانية التقليدية. فهو يعني إما تلك الآلة الموسيقية الوترية التقليدية التي يعزف عليها المغنون الشعبيون ، ويؤدون على نغماتها نمطاً معيناً من الغناء الذي ارتبط حصراً بالمناطق الواقعة على ضفتي نهر النيل الرئيسي ، من لدن ديار المناصير جنوباً ، وحتى أقاصي ديار المحس والسِكّوت شمالاً ، بيد أن شهرة تلك الآلة قد أضحت أكثر التصاقاً على نحو أخص بمناطق الشايقية والبديرية ، حيث ارتبط العزف عليها ، والغناء على نغماتها بمصاحبة إيقاع " الدليب " المميز ، وأما هو نوع محدد من الغناء ، يؤديه عادة مغني مفرد ، بمصاحبة جوقة مؤدين أو " شيَّالة " ، مع استخدام التصفيق باليدين على نحو معين يسمى " البرقلة أو البرقال " ، وإصدار أصوات حمحمة أو همهمة معينة من الحلق ، على سبيل الآهات الغليظة المنغمة ، التي لا تصل عادة في غلظها ودمدمتها ، إلى درجة أصوات ذلك " الكرير " المتطاول والأجش الذي تختتم به أغنيات الجرَّاري.

وهذا الطنبور الأخير هو نفسه لعمري ، ما كان يُعرف بغناء الطنابرة الذي كثيراً ما يشير إليه الكُتاب والمتحدثون والباحثون في معرض تناولهم لتطور أنماط الغناء في العاصمة الوطنية " أم درمان " تحديداً ، ويضعونه عادة من حيث التحقيب التاريخي ، بعد مربعات الدوباي أو الدوبت ، وقبل أغنية الحقيبة التي يذهب معظمهم إلى أن السبب الذي أدى إلى ظهورها ، وابتداع نمطها ، إنما كان هو دخول أولئك الطنابرة في إضراب ، مما دفع بالشاعر الكبير إبراهيم العبادي إلى افتراع نوع جديد من النظم الشعري ، لا يحتاج المؤدي معه إلى مساعدة الطنابرة. فزعموا أن العبادي قد صنع للمطرب الرائد الحاج محمد أحمد سرور الأغنية التي مطلعها:
ببكي وبنوح وبصيِّحْ
للشوفَتِنْ بتريِّحْ
فابتدع بذلك طرازاً جديداً من النظم الشعري المستحدث الذي عرف لاحقا بغناء الحقيبة ، والذي استمر منذ عام 1920 تقريباً وحتى عام 1940 ، وهو العام الذي افتتحت فيه الإذاعة الوطنية السودانية " هنا أم درمان " ، وظهرت فيه أغنية المدرسة الوترية الحديثة كذلك.

ولكن ، ما عساها يا تُرى أن تكون جذور غناء الطنابرة الآنف ذكره ، وما عسى أن تكون صلته بغناء الطنبور الذي ظل معروفاً ومشهوراً وأصيلاً بنواح كثيرة في كردفان ، وخصوصاً في شرقها ووسطها وغربها ، وذلك منذ عهود بعيدة جدا ، لا يدري أحد مبتدأها على وجه الدقة والتحديد ؟.

لقد ظل ما نؤثر أن نطلق عليه اسم " الطنبور الكردفاني " منتشراً وممارساً ، ربما لقرون عديدة بين قبائل شرق ووسط كردفان ، وعلى رأسها قبيلة الجوامعة الذين خلَّدوا حاضرتهم " أم روابة " في واحدة من أشهر أغنيات الطنبور التي وجدت حظها من الظهور والانتشار على نطاق السودان بأسره ، ألا وهي أغنية " ما دوَّامة " التي أداها المطرب الراحل " إبراهيم موسى أبا " ، وهو قوله:
بركب ام كركابة
بدلَّى في ام روابة
النهيد الطاعن دابا
جنني وجنن العزَّابة
ويبدو أن الطنبور قد انتقل بعد ذلك إلى القبائل الأخرى المُساكنة للجوامعة في الدار ، والمتداخلة معها اجتماعياً وثقافياً مثل البديرية ، والشويحات ، والجلابة الهوارة ، وكنانة ، بل حتى بعض حمر ودار حامد ، وذلك على سبيل التأثر والتبادل الثقافي. وقد أفاض الفنان الكبير الدكتور عبد القادر سالم حول هذه المسألة في أطروحته للدكتوراه عن أنماط الغناء في كردفان.

أما بالنسبة لملابسات ظهور غناء الطنبور أو الطنابرة ، الذين يسمون " الطمبارة " في كردفان واحدهم " طمباري " في وسط السودان ، ومن ثم في العاصمة الوطنية ام درمان ، فإن الراجح عندنا أنه قد انتقل من كردفان إلى بعض مناطق نهر النيل والعاصمة وضواحيها ، في تاريخ ما يزال مجهولاً ، وما يزال تحديده يحتاج إلى مزيد من البحث والتنقيب.

على أن هنالك بعض الإشارات التي تعضد بالفعل فرضية الأصل الكردفاني للحومبي والجابودي والطنبور أو غناء الطنابرة. فعلى سبيل المثال ، تشير بعض الراوايات إلى أن " محمد ود الفكي بابكر " ، فتى كبوشية الوسيم ، كما وصفه حسن نجيلة في كتابه: ملامح من المجتمع السوداني ، الذي يُعزى إليه أنه قد أدخل نمطاً جديداً من الغناء إلى أم درمان ، هوالذي مهد فيما بعد إلى الانتقال إلى أغنية الحقيبة مع مطلع القرن العشرين ، قد كان يختلف في صباه إلى رجل من أهل منطقته " كبوشية " يدعى " ود بعشوم " فيستمع إلى غنائه ، وأن ود بعشوم المذكور ، كان يرتحل كثيراً إلى كردفان ، ويأتي منها بأنماط مختلفة من الغناء. سمعت ذلك من الأستاذ عوض محجوب حمد الله ، وهو رجل باحث مطلع على تاريخ الفنون والغناء في مناطق الجعليين بصفة عامة.

ويبدو أن عملية التأثير والتأثر من حيث الإيقاعات والأنماط الغنائية بين منطقتي شمال كردفان ، ومناطق نهر النيل الأوسط ووسط السودان عموماً قديمة بالفعل. يدلك على ذلك – على سبيل المثال – أن أغنية الحماسة الشهيرة: " يسلم لي خال فاطنة .. البدرج العاطلة " التي أداها عدد من المطربين على رأسهم كل من " مهلة العبادية " ، وخصوصاً الأستاذ الكبير " عبد الكريم الكابلي " ، إنما هي من تراث كردفان الغنائي بكل تأكيد. ذلك بأن مؤلفتها ومؤديتها الأولى هي سيدة معروفة تدعى زينب ، من جوابرة كردفان بمنطقة " أسحف " ريفي بارا ، وقد نظمتها في تمجيد بسالة قريب لها يدعى " نقد الله ود عمر " ، لدوره البطولي في تأمين حراسة وإجلاء رهط من نساء قومه ، من جراء حصار تعرضن له أثناء إحدى معارك المهدية. وغني عن القول كذلك أن نشير إلى أن مناطق وسط وشمال كردفان قد عرفت الدلوكة والشَّتَم بما في ذلك ما يصحبها من المجالدة بالسياط او " البطان " ، منذ أن وجد أهلها فيها منذ مئات السنين.

لكل ما تقدم ، فإننا نميل إلى ترجيح فرضية الأصل الكردفاني للطنبور ولغناء الطنابرة أو " الطمبارة " ، على النحو الذي وصفناه به آنفا ، وأن أي ما منطقة في السودان ظهر فيها ذلك النمط من الغناء ، فإنه في الغالب عيال في هذا الأمر على تأثير كردفاني مرجَّح ، وصل إليها بطريقة أو بأخرى.

لقد كانت تتردد بين فيافي كردفان وكثبانها الرملية ، أصوات شجيه يحملها النسيم العليل في لياليها المقمرة ، وهي تصدح بأغنيات طنبورية بعينها ، كُتب لبعضها الذيوع والانتشار في مناطق أخرى من السودان ، وذلك من قبيل أغنيات مثل:
فرع المحلب المتاكي
فوق الغربة ما بنساكي
حي يا نارنا
أو:
الفرع القام دابا أوب انا
شقاوة العزابة الزَّينا
وقد تغنى بها الفنان المرحوم محمد سلام وهو من مدينة ود مدني في أواخر السبعينيات من القرن الماضي.
أو:
أوووواحا .. ديل الناس أزونا
وقد جعل المطرب الشاب عاصم البنا وهو من قلب ام درمان يتغنى بها مؤخرا ، ولكن من دون وحوحة.
بل إن الراجح عندي أن أغنية:
ثلاثة بنات
شالن قلبي
لمن قطر الروصيرص فات الخ
التي يؤديها الفنان " الجمري حامد " والمجموعة ، هي أغنية طنبور كردفاني بحت ، على الرغم من أنها تعتبر حالياً من تراث منطقة جنوب النيل الأزرق. ولا ينبغي أن يكون ذلك الأمر مستغرباً ، فإن تلك المنطقة بها جيوب كثيرة لقبائل عديدة من كردفان ، ظلت مقيمة هناك منذ أواخر عهد المهدية. فلربما كان ذلك من عقابيل ما حملته معها من تراث غنائي إلى تلك المنطقة والله أعلم.

أما أغنية " الصغيرون عليك الله .. جُر التوب علينا مرَّة " التي أبدع في أدائها فنان دار فور الشهير المطرب الأستاذ: عمر إحساس ، فهي بكل تأكيد أغنية طنبور كردفاني من تراث منطقة " قليصة " ريفي أبو زبد بغر ب كردفان ، وفيها تنسب بالتحديد إلى مؤلف ومؤد معاصر ما يزال موجوداً ، يلقب ب " تَمْبَل " ، فهي الأخرى ، مقطوع بكردفانيتها تماما.

هذا ، وقد تجلت الألحان والإيقاعات " الطنبورية " في عدد مقدر من الأغنيات الكردفانية الحديثة ، بل في عدد من الأغنيات الأخرى التي اشتهرت في مناطق خارج كردفان نفسها.

فمن الأغنيات الكردفانية الحديثة الطنبورية اللحن والتنغيم ، بخلاف الأغنيات التقليدية الشعبية مجهولة المؤلفين ، مثل أغنية " ما دوامة " التي أشرنا إليها آنفا ، والتي نشرها على نطاق واسع من خلال أجهزة الإعلام المطرب الراحل " إبراهيم موسى أبا " ، هنالك أغنية إبراهيم أبا نفسه:
الشتيلة الليلة والليلة
الشتيلة الرايقة يا حليلا
ومنها قوله وهو الشاهد:
الشتيلة يومي الغشيت دارا
الشتيلة اتلموا طمبارة
الشتيلة ما عرفوا مُشكارا
الشتيلة ديل وقفوا حيارى ..
ومن ذلك أغنية: " تومي طرينا " من كلمات محمد حامد آدم وألحان عبد الرحمن عبد الله ، وهي أغنية طنبورية بامتياز:
يا تومي طرينا صفقات الطمبارة
يا تومي طرينا دقات النقارة
الحلوات بريدن
بنات البقارة الخ..
وللمطرب عبد لرحمن عبد الله أغنية شجية أخرى طنبورية اللحن هي أغنيته:
طيري يا قميرية
يا حلوة يا أغنية
ودي الشوق لديارُم وغنِّي بحنية
أما أغنيات الوسط الحديثة والمعاصرة ، التي نحس فيها بالنفس الطمبوري الكردفاني ، من حيث البناء اللحني خاصة ، فتتمثل في أغنيات مثل أغنية العميد احمد المصطفى:
أبكي واشكي لمين
أنا قلبي ديمة حزين
وذلك على الرغم من أحمد المصطفى يؤديها بطيئة نسبيا. هذا والمعروف أن منطقة العيلفون والدبيبة وما إليها من مناطق شرق النيل بالخرطوم الكبرى التي نشأ فيها أحمد المصطفى ، هي من المناطق التي عرفت غناء الطنابرة مبكرا.
وللفنان الذري " إبراهيم عوض " ، وهو ابن مدينة ام درمان ، على الأقل اغنيتان واضحتا الطنبورية الكردفانية ، من حيث اللحن وطريقة الأداء هما أغنية:
متين يا روحي نتلاقى
فراقك نارو حرَّاقة
وخصوصاً عندما يبدأهما بالتأوه: حيييييي ..... أوووووه .. متين يار روحي نتلاقى فراقك نارو حراقة الخ.
وكذلك أغنيته:
أعاهدك واحلف أحفظ عهدك
وأبداً ما بحب تاني من بعدك
ولقد سمعت طمبارياً في كردفان قبل سنوات ، وهو يؤدي هذه الأغنية على طريقته المحلية بالفعل.