عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عطفاً على رجائي الذي كنت قد عبَّرتُ عنه في مقالٍ لي سابق بعنوان: " بين الآثار والدبلوماسية: من وحي حوار السفيرين خالد موسى وطار ق أبو صالح " ، بأن تسعى السلطات المختصة في السودان إلى إنشاء كليات أو أقسام لدراسة التاريخ والآثار والتراث في جميع جامعات أقاليم السودان الكبرى شرقا وغربا ووسطا وصعيداً ، حتى لا نقول جنوباً لما هذه اللفظة من دلالة محددة في سياق الثقافة السياسية السائدة في السودان ، وذلك بغرض بحث واستقراء مظاهر التكامل والتواصل الحضاري لكيان الأمة السودانية والدولة السودانية عبر العصور المختلفة ، وكذلك من أجل الوقوف على مظاهر تفاعلها مع الأقاليم الأخرى المجاورة للبلاد ، والمتاخمة لحدودها المختلفة ، أسعدني هذا الرد الذي وصل إليَّ من قبل عالم جليل ، هو أستاذنا الدكتور أحمد الياس حسين ، الذي تشرفنا بتدريسه لنا مادة التاريخ الإفريقي بمدرسة خور طقت الثانوية في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي ، قبل أن يلتحق محاضراً لهذه المادة بكلية التربية بجامعة الخرطوم ، ثم بالجامعة الإسلامية بماليزيا لاحقاً ، ويصبح من بعد أستاذا وباحثا لا يشق له غبار في علم التاريخ بصفة عامة. وكان ذلك الرد المشار إليه قد جاء في سياق حوار بين مجموعة تراسل محدودة عبر البريد الالكتروني ، تضم عدداً من الأساتذة والباحثين والمثقفين والمهتمين السودانيين ، حول مبحث أطلقه الدكتور أحد الياس بعنوان: " مصادر معرفتنا بتاريخنا القومي ".
قال الدكتور أحمد الياس: " نحن فعلاً في حاجة ماسة إلى فتح أقسام أو مراكز لدراسة التاريخ والآثار والتراث في مدن أقاليم المناطق الشرقية والغربية ، وإعادة فهم تاريخنا من منطلقه القومي الغني والغزير الذي يتطلب البحث والتقصي. تصوَّر مثلاً أن وادي المِلْك وُجدت عليه آثار ما قبل التاريخ ، وآثار نبتية ، و مروية ، ومسيحية ، وإسلامية من مناطق جنوب سودري ، حتى مصبه في النيل في منطقة الدبَّة.. مما يؤشر إلى أي مدى كان التواصل السكاني والحضاري قائما ". انتهى
على أنَّ مما أود أن أذكره في هذا السياق أيضا ، أن صديقي الشاعر والأديب ، والرحَّالة الخِرِّيت العالم بشتى أصقاع السودان وبيئاته وثقافاته الكثيرة والمتنوعة ، الأستاذ إبراهيم محمد محمود الدلال ، كان قد أخبرني قبل بضعة أعوام عن موضع بأقصى صحراء شمال كردفان ، يسمى " المصورات " ، يرتاده الكبابيش وغيرهم من بدو تلك الفيافي ، وأن ذلك الموضع به آثار وتصاوير عتيقة من فعل الأقدمين.
وكان شدَّ ما استوقفني في حديث الدلال عن ذلك الموضع هو بالطبع ، التشابه إلى درجة التطابق التام مع اسم: " المصورات أو مصورات الصفراء " ، ذلك المعلم الأثري الشهير من معالم الحضارة المروية الذي يقع إلى الشمال الشرقي من الخرطوم بنحو 180 كيلومترا ، الذي يعود بناؤه إلى حوالي القرن الثالث قبل الميلاد ، والذي ما يزال لغزاً محيرا للعلماء والباحثين فيما يتعلق بتحديد معرفة وظيفته والغرض من تشييده في الأساس.
ولكن تلك المصورات الغربية كما يمكننا أن نسميها ، وذلك في مقابل " المصورات الشرقية " المعروفة والمشهورة ، بعيدة كل البعد عن شهرة هذه الأخيرة وذيوع صيتها ، بل لا يكاد يعرف عنها أحد شيئا داخل السودان نفسه ناهيك عن خارجه ، بخلاف قلة قليلة ممن اتيحت لهم فرصة زيارتها أو السماع بها على الأقل من قاطني تلك الصحاري. أما من الناحية الأكاديمية والمؤسسية ، فإن الإشارات إلى تلك المصورات الغربية هي الأخيرة نادرة وخجولة جدا ، كما أنَّ موضعها ليس مذكوراً – على الأقل - فيما وقفنا عليه من قائمة المواضع الأثرية لمصلحة الآثار السودانية المرفقة بقانون الآثار لعام 1952م ، مع أن هنالك أشارة لها في مقال بمجلة السودان في رسائل ومدونات منذ عشرينيات القرن الماضي كما يجئ بيانه أدناه:
تقع قلتة أم تصاوير ، أو " القلتي أم تصاوير " التي يقال لها " المصورات " أيضاً ، على السفح الغربي لجبل " تاجرو " ، الكائن على خط عرض 16 درجة و17 دقيقة شمالاً ، و27 درجة شرقا. وهي عبارة عن نُقرة طبيعية في الجبل تجتمع فيها مياه الأمطار الشحيحة في تلك المنطقة ، ومن هنا جاء اسمها " قلتة " بالقاف على وزن فلتة بالفاء ، وهي كلمة عربية فصيحة أيضا. ولكن الكبابيش ينطقونها " قلتي " مكسورة على الإمالة جرياً على لهجتهم. وعلى حواف تلك القلتة أو البركة الحجرية ، صخور عليها رسومات قديمة لصور بشر وحيوانات مختلفة.
وقد زار نيوبولد تلك المصورات أو قلتة ام تصاوير المذكورة في عام 1924م ، وكتب عن زيارته تلك مقالاً نشره بالعدد السابع من مجلة السودان في رسائل ومدونات ، وشفعه بصور لبعض من تلك الرسومات وشظايا الفخار التي عثر عليها بالموقع. انظر:
A Desert Odyssey of A Thousand Miles, by D.Newbold, SNR , Vol VII,1924
كذلك نشر المستر شو مقالاً عن ذات الموقع الذي زاره ونقب فيه في عام 1935 ، بمجلة كوش العدد الأول الصادر في عام 1953م. انظر:
W.B.K. Shaw, Rock Drawings in the South Libyan Desert, Kush 1, 1953
وقد أشار شو إلى زيارة نيوبولد المذكورة آنفا للموقع ، والمقال الذي نشره عنها بمجلة السودان في رسائل ومدونات.
وفي عدد سنة 1927 من مجلة السودان في رسائل ومدونات ، عقَّب معقِّبٌ اسمه Francis Rodd على مقال نيوبولد الذي مر ذكره ، واستدرك عليه أنه لم يذكر أن من بين صور الحيوانات التي خلفها الأقدمون على صخور قلتة أم تصاوير ، صور لجمال ، أو أناس يركبون جمالا. وهذه المعلومة الأخيرة ، هي في غاية الأهمية في بابها ، ولها دلالة خاصة ، وربما كانت لنا إليها عودة بإذن الله.
وفي الختام ، هذا نموذج واحد فقط لآثار السودان الكثيرة المبثوثة شرقاً وغرباً وفي كل مكان داخل البلاد ، دون أن تجد حظها من الاهتمام اللائق بها ، وهي جديرة بالرصد والتوثيق والدراسة والتنقيب بكل تأكيد.
////////////////////