عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بمناسبة الاحتفال بخواتيم مهرجان سنار عاصمةً للثقافة الإسلامية ، الذي ظلَّ منعقداً بالسودان طوال عام كاملٍ من الآن ، والذي يتكلل في هذه الأيام باستضافة الخرطوم للاجتماع الإسلامي العاشر لوزراء الثقافة بمنظمة التعاون الإسلامي ، خطر لي أن أعرض لمقولة أضحى يرددها منذ مدة ، نفر من الكتاب والمثقفين والسياسيين السودانيين ، وخصوصاً من أصحاب التوجهات والميول الإسلامية ، مفادها أن إرادة المولى سبحانه وتعالى قد شاءت وقضت أن تعوِّض العالم الإسلامي بقيام سلطنة الفونج أو سلطنة سنار بالسودان ، عن فقدانه لدولة الأندلس التي استولى عليها الفرنجة بالكامل في عام 1492م ، بسقوط إمارة غرناطة آخر إمارات الأندلس في أيديهم. ذلك بأن مملكة سنار أو " السلطنة الزرقاء " التي مكنت للإسلام وللثقافة العربية في السودان ، إنما نشأت في عام 910 هجرية الموافق لعم 1504م ، أي بعد مضي 13 عاماً فقط من سقوط الأندلس.
وقد ظل يثور في ذهني هذا التساؤل دائماً: من هو أول من قال بهذه المقولة وأطلقها من المؤرخين أو الباحثين أو المفكرين أو غيرهم ؟. وجهتُ هذا السؤال إلى جملة من معارفي من الكتاب والمثقفين والباحثين ، عبر تطبيق واتساب الساحر ، فرد علي الدكتور مصطفى احمد علي من المغرب مرجحا مكي شبيكة ، وأفادني الأستاذ السر سيد أحمد بأنه قد سمع هذه العبارة من الدكتور عون الشريف قاسم عندما كان وزيرا للأوقاف في السبعينيات.
على أنَّ صديقي العالم والباحث والمترجم الهمام البروفيسور بدر الدين حامد الهاشمي ، قد ردَّ عليَّ مخمِّناً أن يكون مبتدر هذه العبارة هو العلامة أستاذ الأجيال الرحل البروفيسور مكي شبيكة ، المؤرخ وأستاذ التاريخ السوداني المعروفة ، على نحو ما ذهب إلى ذلك الدكتور مصطفى أحمد علي. ثم عاد بروفيسور الهاشمي ليعتذر عن تخمينه ذاك ، ويرجح أن يكون أول من قال بتلك العبارة هو البروفيسور حسن مكي ، مستشهداً بمقال للبروفيسور حسن أحمد إبراهيم الذي ينقل عن حسن مكي من كتاب بعنوان: " الثقافة السنارية " صفحة 35 ، من إصدارات جامعة إفريقيا العالمية قوله:
" ... عاش المسلمون ثلاثة قرون لا يكادون يسمعون خبراً سعيدا ، حتى جاء ذلك الخبر السعيد والبُشرى الطيبة بكسب الإسلام لأرض بكر تعادل أضعاف الأندلس في قلب قارة إفريقيا .. " انتهى
ليس بأيدينا الآن مع الأسف ، بينة أو دليل محدد يشير إلى نسبة هذه المقولة إلى شخص بعينه ، أو ورودها في مصدر محدد لأول مرة ، بُعيد قيام سلطنة سنار الإسلامية هذه نفسها ، أي في بواكير القرن العاشر الهجري ، الموافق لمطلع القرن السادس عشر الميلادي نفسه ، ولكن بوسعنا أن نقول أنه في العصر الحديث ، تبقى إشارة الدكتور " عبد العزيز أمين عبد المجيد " المصري الجنسية ، وأستاذ التربية سابقا بمعهد التربية ببخت الرضا بوسط السودان ، لذلك التحول التاريخي الحاسم الذي شهدته بلاد السودان ، في كتابه العمدة في بابه الموسوم ب " التربية في السودان والأسس النفسية والاجتماعية التي قامت عليها " ، الصادر في طبعته الأولى عن المطبعة الأميرية بالقاهرة في عام 1947م ، من أقدم الإشارات التي ربطت بين زوال الأندلس وبروز سنار ، إلى أن يدلنا دالٌ على مصدر أقدم منه لهذه المقولة.
يقول الدكتور عبد العزيز أمين عبد المجيد في الفصل الذي عقده بعنوان: " الأحوال الثقافية للبلاد الإسلامية حتى ظهور السودان " في كتابه المومى إليه ، ما يلي:
" .. وفي أواخر القرن التاسع الهجري وأوائل العاشر ، وقع حادثان عظيمان في تاريخ الإسلام السياسي. أما الحادث الأول فهو زوال دولة المسلمين من أسبانيا سنة 897هـ (1492م) ، بسقوط غرناطة في يد فيردناند وإيزابيلا ، وتشتت شمل البقية من المسلمين والعلماء إلى شمال إفريقيا وإلى مصر. وأما الحادث الثاني ، فهو ظهور دولة بني عثمان واستيلاؤهم على فارس ، وتقدمهم نحو مصر ، ثم التقاء جيشهم بجيش الغوري في مرج دابق ، وقتل الغوري. وبذلك استولى العثمانيون على مدن الشام وحصونها ، ودخلوا مصر واستولوا عليها سنة 922هـ (1517م).... وبين هذين الحدثين العظيمين ، وقع حادث آخر ذو خطر هو ظهور السودان الشرقي – سودان وادي النيل – بين أمم العالم الإسلامي. وبذلك أُضيف إلى أقطارها قطران جديدان هما مملكة سنار وسلطنة دار فور. فبينما كان المسيحيون يطاردون المسلمين في إسبانيا ، وكان نجم الأندلس الإسلامي يهوي ، كان المسلمون في السودان ، يطاردون السكان الأصليين من مسيحيين ووثنيين ، ويستولون على أرضهم وديارهم ، مع فارق عظيم هو رحمة العرب واستئلافهم القلوب في السودان ، وقوة المسيحيين واستعمالهم السيف ومحاكم التفتيش في الأندلس. " انتهى الاقتباس من صفحة 78 من طبعة دار " كنوز " بالقاهرة من هذا الكتاب ، والصادرة في عام 2014م.