عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شاهدتُ في بحر الأسبوع الماضي ، من خلال شاشة قناة " الشروق " الفضائية السودانية ، حواراً مفيداً وممتعاً وجاذباً ، أجراه السفير الأستاذ خالد موسى دفع الله ، مع زميله السفير الأستاذ طارق حسن أبو صالح ، وذلك في إطار سلسلة الحلقات التي ظل يقدمها السفير خالد موسى ، عن مظاهر الحضارة والآثار السودانية في متاحف أوروبا ، من خلال برنامجه بعنوان: " الحد الأدنى " الذي يُبث بالقناة المذكورة.
دار الحوار بين ذينك الدبلوماسييْن المثقفيْن في تلك الحلقة ، حول تاريخ ومُلابسات قدوم الطبيب الإيطالي المغامر " جوسيبي فرليني " 1797 – 1870م إلى السودان في ظل الحكم التركي – المصري ، ونهبه للمجوهرات والحُلي الذهبية الخاصة بالملكة السودانية الشهيرة ، الكنداكة " أماني شخيتو " ، التي كانت ملكة على مملكة مروي بين عام 10 قبل الميلاد ، والعام الأول الميلادي ، بعد أن قام بتحطيم هرمها الكائن بالجبَّانة الملكية بمروي/البجراوية في حوالي عام 1834م ، حيث عثر على ذلك الكنز النفيس للغاية هناك ، وفرَّ به إلى بلاده أولاً ، ولم يزل يعرضه على من يستطيع شراءه منه من الأثرياء في أوروبا عموماً ، فظل ذلك الكنز يتنقل ما بين مشتر وآخر ، حتى كان آخر من آل إليه من أولئك الأثرياء ملك مقاطعة بفاريا الألمانية. وذلك هو الأمر الذي يفسر أيلولة ذلك الكنز الذي لا يقدر بثمن في نهاية المطاف ، إلى متحفي برلين وميونخ بألمانيا موزعاً بينهما.
تحدث الأخ السفير طارق أبو صالح ، وهو مهندس معماري بحكم دراسته الجامعية في الأساس ، وسبق له العمل لفترة أيضاً ، بالهيئة القومية للآثار والمتاحف ، قبل أن يلتحق للعمل دبلوماسياً بوزارة الخارجية ، حديث العارف الخبير ، والمهتم البصير بهذا الموضوع خاصةً ، وبالآثار والمعالم الآثارية السودانية ، وأماكن وجودها بصفة عامة. وقد كان حديثه ، وكذلك حديث محاوره الأخ السفير خالد موسى ، الذي ظل يُفرد مساحات مقدرة من برنامجه التلفزيوني المذكور ، للتراث الحضاري والتاريخي للأمة السودانية ، حديثاً يملأ النفس بالفخر والاعتزاز بالانتماء لهذه الأمة العريقة حقاً ، ويبعث على الطمأنينة بأن الدبلوماسية السودانية ، تظل واعية على الدوام ، بموروث السودان الحضاري والثقافي ، وخصوصاً في بعده التاريخي العريق ، بوصفه عنواناً لعظمة السودان ومجده التليد ، وذلك في إطار ما دُرج على وصفها بالدبلوماسية الثقافية ، التي تمثل هي بدورها ، إحدى أبرز تجليات ما تُعرف بالقوة الناعمة لأية أمة ولأي قطر ، نظراً للصلة القوية بين الموروث الثقافي والحضاري والتاريخي لأمة ما ، وشخصيتها الحضارية ، وصورتها العامة أو الكلية عن نفسها ، ولدى الآخرين كذلك.
فغنيٌّ عن القول أن نقرر هاهنا ، الدور الجوهري الذي لعبته الدبلوماسية السودانية ، ممثلة بصفة خاصة في مندوبية السودان لدى منظمة اليونسكو ، حتى تكللت جهود السودان بإدراج اثنين من أشهر وأبرز مواقعه ومعالمه الأثارية العديدة في سجل التراث الإنساني العالمي ، ألا وهما موقعا جزيرة مروي الذي يشمل آثار البجراوية والنقعة والمصورات وود بانقا وغيرها من الآثار الظاهرة للحضارة المروية ، ومجموعة أثار جبل البركل وما حوله من آثار مملكة نبتة ، شاملة أهرامات نوري والكرو وغيرها من المعالم والآثار الواقعة في تلك المنطقة.
وتجئ زيارة السيد رئيس الجمهورية مؤخراً لمتحف السودان القومي بالخرطوم ، لكي تتوج ذلك الاهتمام الرسمي بذلك الموروث الحضاري والتاريخي لهذه البلاد على أعلى المستويات ، وهو اهتمام هو به قمين بكل تأكيد. ولئن كان سيادته قد وجَّه بإنشاء متحف في عاصمة كل ولاية ، فلعله أن يكون من الضروري بمكان أيضاً ، أن يُصار إلى التفكير في إنشاء كليات أو أقسام للتاريخ والآثار والتراث ، على الأقل بجميع جامعات الأقاليم الرئيسية الكبرى بالبلاد التي لا توجد فيها مثل تلك الكليات والأقسام كالفاشر والأبيض وود مدني ووكسلا وسنار وبورتسودان وكادقلي الخ ، من أجل ابتدار وتطوير البحث العلمي في تلك المجالات المذكورة من منظور وطني تكاملي ، يسعى لإبراز جوانب التواصل والتكامل الثقافي والحضاري بين أجزاء السودان المختلفة ، ورصد ملامح صيرورته كأمة واحدة مترابطة منذ أقدم العصور ، وكذلك تواصله وتفاعله مع محيطه الإقليمي عبر مختلف الحقب التاريخية المتعاقبة.
ولا شكَّ في أنَّ التلازُم بين علم الآثار ومهنة الدبلوماسية على مستوى العالم ، قد ظل قائماً وملحوظاً منذ زمان بعيد. فكثير من علماء الآثار ، وعلماء اللغات القديمة ، وهواة جمع الآثار والعاديات ، بل سارقيها ومهربيها أحياناً مع الأسف ، إنما كانوا في الواقع من الدبلوماسيين. ولعل من أشهر أولئك – على سبيل المثال فقط – السير هنري رولنسون 1810 – 1895م ، عالم الآشوريات الإنجليزي الشهير الذي تمكن من فك رموز الكتابة المسمارية ، ولعب دوراً معتبراً في مجال كشوف آثار بلاد الرافدين وفارس القديمة ، فقد عمل وكيلاً سياسياً أو " قنصلاً " لبريطانيا ببغداد عاصمة العراق تحت ظل الحكم العثماني ، مما مكَّنه من قيامه بابحاثه وكشوفاته المبهرة تلك.
وفي العصر الحديث ، صار الاهتمام بعلم الآثار والكشوف والبعثات الآثارية ، موضع اهتمام راتب من قبل الكثير من البلدان المتقدمة. على أن الملاحظ بصفة عامة أيضاً ، هو أن ذلك الاهتمام يتم التعبير عنه مؤسسياً ، غالباً عن طريق وزارة الخارجية في البلد المعني وسفاراتها بالخارج. فالسفارات الفرنسية على سبيل المثال ، هي التي تُشرف بصورة لصيقة على أنشطة سائر البعثات الآثارية الفرنسية المتشرة في شتى أنحاء العالم ، بما في ذلك بعثتها التي ظلت موجودة في السودان منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي ، والتي تُشرف عليها السفارة الفرنسية بالخرطوم بتوجيه مباشر من الخارجية الفرنسية. أما عن التعاطي الأمريكي مع ملف التعاون في مجال الآثار ، وصلة ذلك بالدبلوماسية ، فيكفي أن نشير في هذا المضمار إلى أنَّ بند التمويل المالي لأنشطة البعثات الأثارية الأمريكية في العالم ، وغيرها من أوجه التعاون الثنائي بين الولايات المتحدة والدول الأخرى في مجال الآثار ، يُسمى بمال السفير ، أو The Ambassador`s Fund ، ويا له من مال !!.