عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أمَّا أنَّ بلاد السودان ، قد ظلت هي أرض الحكمة والحكماء منذ أقدم العصور ، وأنه ما يزال أفذاذٌ من أهلها يُؤْتَوْن الحكمة ، ومن يُؤتى الحكمة فقد أُوتي خيراً كثيراً ، فإنَّ ذلك مما تتظاهر على تقريره شواهد أهل النظر من المؤرخين القدماء ، وخصوصاً الأغريق الأقدمين من لدن هوميروس الشاعر الضرير صاحب الإلياذة الذي يُعتقد أنه عاش في القرن التاسع قبل الميلاد. ذلك بأنَّ أولئك الكتاب الإغريق القدماء قد كانوا محايدين حقاً ، ولم تكن لديهم أية انحيازات أو مواقف إيديولوجية مسبقة ، سواء كانت سلبية مناوئة ، أو إيجابية ممالئة للسودان وأهله ، كفعل البعض ممن هم دونهم من الآخرين ، وإنما دونوا ما وقفوا عليه أو شاهدوه عياناً ، أو ما وصل إلى أسماعهم عن هذه البلاد وأحوالها ، وإن كانوا يعتبرون سكانها عموما من ضمن الشعوب المتبربرة ، أي الأغيار من غير اليونانيين.
على أن المرء يحس أن عامة الكتاب الغربيين المعاصرين ، بالرغم من تقديرهم واعتزازهم ، بل تماهيهم بصفة عامة مع مجمل التراث الكلاسيكي الهيليني والروماني ، وتمسكهم به تمسكا شديداً ، بوصفه أساس ثقافتهم وحضارتهم ، إلا أن بعضهم ، كأنهم ينفِسون على أسلاف السودانيين ، تلك المكانة السامية التي بوأها لهم أولئك الكتاب الإغريق القدماء ، الذين كانوا يصفون قدامى السودانيين بال Blameless Ethiopians ، بمعنى الكوشيين الأنقياء الأطهار ، أي: الخالين عن الملامة أو " الخاتين اللوم " كما نقول بالعامية. ذلك بأن المقصودين بالإثيوبيين في هذا السياق ، إنما هم الكوشيون والمرويون القدماء الذين كانوا يعيشون في شمال السودان الحالي ، أي أنهم أسلاف السودانيين المعاصرين فلا تكونن من الممترين. فترى نفراً من الكتاب الأوروبيين في العصر الحديث ، يميلون في مصنفاتهم إلى وصف الكتاب الكلاسيكيين عندما يُعْلون من شأن أهل السودان القديم وحضارتهم بالرومانسية والمبالغة والانبهار المجاني الخ ، وقد تنبه لهذه الشِنشِنة أيضاً ، وانتقدها عدد من كتاب ومُنظِّري ومؤرخي حضارات الشعوب السوداء من غير السودانيين ، مثل السنغالي الراحل بروفيسور شيخ أنتا ديوب وغيره.
ولم يخلُ من هذا الميل إلى الانتقاص والتنميط ، حتى بعض المفسرين والفقهاء ، الذين ذهب بعضهم إلى أن الشعوب السمراء التي منها شعب السودان ، لم يُبعث فيها أنبياء ، ومن ذلك زعمهم أن لقمان الحكيم ، الذي يذهب عامتهم إلى أنه من " النوبة " ، قد آتاه الله الحكمة ومنعه النبوة !.
ومهما يكن من أمر ، فإنَّ الثابت هو أن هذه الأرض قد ظلت منبع الحكمة وموطن الحكماء من قديم الزمان. ولذلك قال كاتبنا الرائي الحكيم " الطيب صالح " على لسان أحد شخوص رواياته: " هذه أرض الحكمة والشعر ". فعلاوةً على مواطننا إن شاء الله: " لقمان الحكيم " الذي مر ذكره ، والذي يقال إنه كان معاصراً لداؤود عليه السلام ، الذي يُؤرَّخ لعهده عادة بما بين القرنين الحادي عشر والعاشر قبل الميلاد ، كان من قبله تاريخاً ، الرجل الصالح والحكيم الذي يُلقب ب " الخضر " ، وهوصاحب موسى عليه السلام ، الذي قص الله تعالى علينا خبره في سورة " الكهف ". ذلك بأنَّ المشهور عموماً هو أن موسى عليه السلام قد عاش في القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، خلال فترة حكم الأسرة التاسعة عشرة الفرعونية.
فهذا الرجل الصالح الذي يعرف بالخضر ، يعتقد عامة السودانيين بحسب رواياتهم الشعبية المتواترة شفاهة ، أنه كذلك " من عندهم " ، وأن موسى قد التقى به عند مجمع البحرين ، الذي ما هو إلا مقرن النيلين الأزرق والأبيض بالخرطوم عاصمة بلادهم وفقاً لروايتهم الشعبية تلك.
ثم إننا وقفنا مؤخراً على كتابات نفر من الباحثين المعاصرين في السودان ، الذين يعتقدون أن نبي الله إدريس عليه السلام نفسه ، وهو أول نبي مرسل بعد آدم أبي البشر ، وقد رفعه الله مكاناً عليَّاً كما جاء في الذكر الحكيم ، وهو الذي يلقبه البعض بهرمس الهرامسة ، أي معدن الحكمة وأصل أسرار العلوم ، الذي تنسب إليه جملة من المعارف والحرف والصناعات ، وزمانه متقدم جداً إذ كان هو أحد أجداد نوح عليه السلام ، قد كان يعيش أيضاً في أرض السودان. والله أعلم عما إذا كان ذلك حقا ، أم أن هذه هي إحدى الخزعبلات السودانية ، كما يقول الأستاذ مصطفى البطل.
ولئن كانت تلك أزمان موغلة في القدم ، ولم يصل إلينا من أخبارها شيء يُركن إليه ، بما لا يدع مجالاً للشك في صحته ، فإن العصور الحديثة قد حفظت لنا رواياتها الشفاهية والمدونة على حد سواء ، جملة صالحة من سير شخصيات سودانية مشهورة ومرموقة ، عُرفت خصيصاً بالحكمة وفصل الخطاب ، حتى لكأنها تمثل امتداداً طبيعياً لتلك الشخصيات التي ما يزال أمر انتمائها لأرض هذه البلاد محض ظنون وافتراضات ترجم بالغيب ليس إلا.
فمن بين تلك الشخصيات الحقيقية والواقعية على سبيل المثال: الشيخ " فرح ولد تكتوك " ، ذلك الرجل الصالح الحكيم ، ذو الحكم المشهورة ، والأقوال المأثورة ، التي ذاعت وانتشرت بين العامة والخاصة في شتى أرجاء السودان. وقد عاش الشيخ فرح ود تكتوك في القرن السابع عشر الميلادي ، وما يزال ضريحه موجوداً تحت قبة ترى شاخصة من مسافة قريبة شمال شرقي خزان سنار.
وفي القرن التاسع عشر ، نهض رجل صالح وحكيم آخر على قدم الشيخ فرح المذكور ، هو الشيخ " محمد العبيد بدر " 1810 – 1884م ، اشتهر أيضاً بالحكمة وصوغ العبارات البليغة والحكيمة ، التي ما تزال متداولة بين ألسنة سائر السودانيين الذي يستشهدون بها في مختلف المواقف والمواطن المناسبة.
ولئن كان أولئك الحكماء المتقدمين ، قد ارتبط كل منهم بمكانة دينية عالية ، ومزية روحية سامقة ، تقل أو تكثر كل بحسب درجة قربه واصطفائه ، إلا أنه يبدو أن أرض السودان لم تخل كذك في أي عصر من العصور ، من أفراد عاديين من غمار الناس ، وهبهم الله مقدرة ملحوظة على إرسال العبارات والخواطر والأحاديث المفعمة بالحكمة الآسرة ، في أسلوب سهل وبسيط ، ولكنه نافذ النظرة ، وعميق التحليل ، وسديد الرأي ، ودامغ الحجة.
وفي ظننا أن الأستاذ " الفاضل حامد الجبوري " ، الذي درج على إرسال وإذاعة سلسلة من المقاطع الصوتية المسجلة ، عبر تطبيق واتساب للتواصل الالكتروني عبر الهواتف المحمولة ، خلال الفترة الأخيرة ، محمِّلاً إياها جملة من آرائه السديدة والنافذة في مختلف قضايا الساعة ، بلغة بسيطة ، وأسلوب يسير هو السهل الممتنع بعينه ، وفي عبارات فكهة غالباً ، وساخرة أحياناً ، ولكنها عبارات مهذبة تخلو تماماً من الإسفاف والإساءة والتجريح وساقط القول ، معتمدا لسان قومه لهجة أهلنا البقارة المسيرية في أروع تجلياتها ، يمثل بكل تأكيد ، أحد حكماء الشعب السوداني في هذا العصر. ولعلنا لا نغالي إذا ما اعتبرنا أنه يمثل امتداداً لتلك الكوكبة الوضيئة من الحكماء المُلهَمين الذين أنبتتهم أرض السودان عبر تاريخها الطويل ، على نحو ما أشرنا إلى بعضهم آنفا.
فالتحية لهذا الرجل الناصح و المصلح والحكيم ، والمثقف الوطني الحقيقي ، الغيور على بلاده وشعبها من دون تزيد ولا إسراف ، والذي باتت تسجيلاته الرائعة التي هي فاكهة الواتساب ، تجد الإشادة والإعجاب من قبل كل من يستمع إليها من السودانيين جميعهم ، ولذلك تراهم يحرصون على تبادلها فيما بينهم بكل مشاعر الحبور والتقدير.
///////////////////