اكتسبت رواية ( شفرة دافنشي) للكاتب والأديب ذائع الصيت دان براون شهرة عالمية، نشبت علي اثرها حوارات حقيقية وسط المثقفين والاُدباء ورجال الدين، حول التاريخ الديني المسكوت عنه، لأن الخيال الروائي ببعده التاريخي المأزوم كشف عن اللحظة الدرامية في تاريخ المسيحية المسكوت عنه وهو زواج سيدنا المسيح الذي خلف ذرية استترت بخبرها الدير والكنائس فظلت خبيئة في صدور الرهبان و خزائن الأسرار وانفاس الراهبات.

شفرة العقوبات عن السودان مرتبط بقراءة عميقة للتقرير الخاص الذي نشرته رويتزر في يوليو ٢٠١٢ بقلم رييكا هاميلتون بعنوان "
Special Report: The wonks who sold Washington on South Sudan

و يكشف التقرير عمق العداء ضد السودان ليس بسبب الرغبة في فصل جنوب السودان فحسب، بل في محاولة تغيير السلوك السياسي للحكومة ، ويشير التقرير الي الطريقة التي تم فيها تجنيد سوزان رايس الي المعسكر المعادي للسودان وكانت وقتها فتاة صغيرة السن مسئولة ملف افريقيا في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض ، ومليئة بعنفوان العصر الامريكي والقوة الاستثنائية لواشنطن في نشر الديمقراطية وحقوق الانسان. وظلت ذات النخبة التي كرست العداء ضد السودان وفرضت العقوبات ضده و سعت لعزلته الدولية تواصل ذات السياسة من خلال خلية مطعم عطيل بوسط واشنطون. كان روجر وينتر هو قائد اوركسترا العداء وجاء من الجامعة الامريكية بواشنطن جون بريندرقاست صاحب مشروع " كفاية" التي فتحت له سوزان رايس أبواب البيت الأبيض في فترة كلنتون . و لما انتهت فترة ادارة كلنتون انضم الي مجموعة الأزمات الدولية وحرر كتابا شهيرا بعنوان " الله و البترول والسودان". ذكر فيه ان الحكومة الان امتلكت أدوات القوة المادية بانتاج البترول و لديها مشروع أيدلوجي يقوم علي اسلمة الدولة وتصدير الثورة، ولا بد من تفكيك ذلك بمزيد من العقوبات والعزلة الدولية والحصار الدبلوماسي وشد الأطراف .

كان معتمد شعيرية في العام ٢٠٠٨ يعترض طريق روبرت زويلك نائب وزير الخارجية في دارفور ويقول له لن تمر دون اذني. وكان زويلك يقول له سأشكوك للرئيس البشير ومعتمد شعيرية يرد غاضبا " أنا البشير هنا" . كان كل مسئول في السودان لديه يقين قاطع ان التصدي للهيمنة الامريكية واجب شرعي وسياسي. و في مطار الفاشر كادت ان تندلع حرب بين الخرطوم وواشنطون. اذ اصر الطيار الامريكي عدم فتح الطائرة العسكرية للتفتيش بعد ان احاطت بها القوات السودانية وهي تشكك في انها تحمل أسلحة. لكن حكمة الضابط السوداني حالت دون حدوث كارثة بعد ان أعطت واشنطون الضوء الأخضر لكابتن الطائرة للاشتباك اذا اصر الجانب السوداني علي اقتحام الطائرة.

لم تكن رؤية بريندرقاست وهو فتي يافع خرج للتو من مدرجات الجامعة الامريكية تختلف عن موقفه وهو صاحب شهرة عظيمة في مجال منظمات المجتمع المدني. اذ كتب الأسبوع قبل الماضي مقالا في الصحف الامريكية مع صديقه أيان شواب يحث فيه الادارة الامريكية بالإبقاء علي العقوبات للاعتداءات المتكررة علي المسيحيين، وهو يريد بذلك العزف علي الوتر الحساس في اهتمامات الادارة تحت مزاعم هدم الكنائس والتضييق علي المسيحيين في السودان.

وتبع مقال جون بريندرقاست خطاب عضو الكونغرس ماكفرن الي الرئيس ترامب يحضه بالإبقاء علي العقوبات كما وقع ١٥ عضو في الكونغرس علي خطاب مشترك يشترطون رفع العقوبات بتعويض ضحايا سبتمبر والمدمرة كول باليمن. لكن رد الرئيس ترامب علي خطاب ماكفرن أكدت علي اتساق سياسة ترامب تجاه السودان علي عكس سياسته تجاه كوبا وإيران.

في مقابل ذلك كانت استراتيجية ادارة اوباما التي قدمها المبعوث الخاص ليمان وتم تطويرها بمجموعة من خبراء الشأن السوداني أكدوا علي ان العقوبات لم تعد عامل تأثير في تغيير سلوك الحكومة وفشلت في تحقيق أهدافها ولا بد من وقفها واستبدالها بحزمة سياسات تقوم علي التعاطي الإيجابي .

بعد فصل جنوب السودان فقدت واشنطون قاعدة نفوذها وتأثيرها علي السودان مما أفقدها رأسمال سياسي ودبلوماسي عزيز ولا بد لها من اعادة بناء قاعدة نفوذ جديدة مبنية علي رفع العقوبات، تتيح لها احتواء القرار السياسي عن طريق المسارات الخمسة خاصة الاٍرهاب وجنوب السودان والسلام.

عضد من مخرجات تقرير واستراتيجية مجموعة الخبراء التقرير الذي اصدرته مجموعة الأزمات الدولية ICG تحت عنوان Time to repeal US sanctions on Sudan والذي نادت فيه برفع العقوبات علي السودان لفشلها الذريع في تغيير سلوك الحكومة السياسي.

لعل الحقيقة السياسية الصادعة ليس كما صورته صحيفة الواشنطون بوست في عددها أمس الاول ان السعودية وإسرائيل لعبتا دورا في رفع العقوبات لمزيد من الحصار علي ايران وذلك لان هذا ادعاء يقوم علي ان السودان لا يتمتع باهمية مستقلة كدولة لها تأثيرها الإقليمي ولكن لمجرد انه عامل مساعد في تشديد العزلة علي ايران. و هو ذات التحليل السابق الذي جعل من أهمية السودان الاستراتيجية تنبع من انه حارس البوابة الجنوبية لمصر فحسب. وهو ما كذبته وقائع التاريخ.
وهو ذات الخطأ الذي وقع فيه جون بريندرقاست وهو يشير في مقاله ان السودان استأجر مكتب دعاية و شركة لوبي ( باتون بوكس) في واشنطون ليؤثر علي قرار ادارة ترامب.

لا شك عندي ان العامل الاول الذي دفع ادارة اوباما السابقة وإدارة ترامب الراهنة لرفع العقوبات علي السودان ترتكز علي عوامل جيوسياسية ترتبط بمصالح أمريكا في المنطقة، منها انتشار الاٍرهاب في المنطقة و دخول جنوب السودان في أتون حرب أهلية. ولا يمكن لأي قوة دولية ان تتجاوز دور السودان المحوري في هذين الموضوعين. هذا اضافة لقضايا السلام الداخلي وجيش الرب والمسارات الانسانية. اضافة لمصلحة أمريكا.

تقوم استراتيجية أمريكا التي اتخذت بمقتضاها قرارها التاريخي برفع العقوبات علي تقوية عوامل التغيير الناعمة بعد ان فشلت منظومة العقوبات في تغيير سلوك السودان السياسي، بل أدت الي تقوية موقف الحكومة وحشد الجبهة الداخلية و أكسبتها شرعية في مقاومة الهيمنة الامريكية. صنعت أمريكا لنفسها بهذا القرار ارضية جديدة في التأثير علي القرار السياسي وفق محددات مدونة السلوك السياسي لرفع العقوبات خاصة في قضايا جنوب السودان والارهاب والمسارات الانسانية. وكسبت واشنطون اضافة لذلك الاستثمار في قطاع الشباب والقطاعات المدنية الآخري التي تراها عوامل التغيير المستقبلي لان رفع العقوبات سيتيح للفاعلين في قطاع الشباب والأعمال فرصا للفعالية والعمل واكتساب مساحات جديدة. كما سيعزز من ارتباطاتها العالمية والاندغام اكثر في صيرورة العولمة ، كما سيتيح لقطاع الاعمال النمو والتأثير خارج سيطرة الحكومة. حسب مقاربة المنظرين للسياسة الخارجية الامريكية ان هذه العوامل ستساعد في رفع وتيرة الحراك الديمقراطي.
وجملة القول ان أمريكا كسبت حليفا اقليميا قويا وقوي ناهضة في الإقليم سيكون لها اثرها المستقبلي في المنطقة.
في المقابل حققت الحكومة برفع العقوبات رهانا تاريخيا اذ يعني ذلك اعادة ادماج السودان في النظام المالي والاقتصادي الدولي وعودته للمجتمع السياسي الدولي، في وقت استطاعت فيه الحكومة ان تحافظ علي الدولة من التفكك ومن الافلاس المالي والانهيار الاقتصادي في ظروف بالغة الدقة، وقطفت بهذا القرار أولي الثمار الحقيقية لفصل جنوب السودان لان رفع العقوبات كان أولي النتائج المتوقعة بعد فصل جنوب السودان.

لن يحل هذا القرار كل مشاكل السودان الاقتصادية لكن سيقلل الكلفة الكلية في ادارة الدولة والصرف علي الخدمات والاستيراد والتصدير، وسيعيد الحيوية للقطاع المصرفي وجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية، وتوفير فرص العمل .

لا يمكن للسودان ان يستفيد من هذا القرار الا بإصلاحات هيكلية قوية منها ازالة العقبات الداخلية لجذب الاستثمارات الخارجية دون ذلك سيذهب اثر القرار هباءً منثورا لانه لا توجد دولةً علي وجه الارض حققت نهضت اقتصادية إلا بجذب الاستثمارات الأجنبية foreign direct investment وهذا يقتضي القضاء علي الدولة البيروقراطية الراسخة. اضافة لذلك لا بد من القضاء علي اقتصاد السمسرة والمضاربات الذي أنتج طبقة من الاثرياء دون انتاج حقيقي سوي السمسرة والمضاربات في الاراضي العملات واستيراد السلع والخدمات.

لا شك ان قرار العقوبات سيكون له تأثيرات عميقة في تشكيل الخارطة السياسية والاجتماعية في البلاد خلال العقدين القادمين. اذ من المنتظر بروز طبقة جديدة تحسن التعامل مع العالم الخارجي و تكسب توكيلات الصناعات والخدمات الغربية وتملك عقلية اقتصاد المعرفة، مع بروز قوي لدور الشباب ومنظمات المجتمع المدني واصحاب الشركات ورؤوس الأموال الدولية.

اذا لم تعكف الدولة علي اعادة هيكلة الاقتصاد لاستيعاب التدفقات المالية المتوقعة وتقوية قطاعات الانتاج ومحاصرة اقتصاد المضاربات وإجراء مزيد من الانفتاح السياسي داخليا وخارجيا والاهم من ذلك الاهتمام بالقطاعات الحيوية في المجتمع خاصة الشباب وقطاع الاعمال سنعيد دورة التاريخ في فشل النخبة التاريخي.

الاهمً من ذلك لا بد ان يفهم العقل السياسي ان رفع العقوبات من ناحية التحليل لا يعني تجديد التفويض السياسي للأجندة الراهنة لكن يعني ان تستثمر الدولة السودانية في عوامل المستقبل.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.