عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نالتْ كلمتي السابقة عن مُفردة " تُقُرْ " بمعنى: شجرة السِّدر ، أو الحَرْج المجتمع من شجيرات السدر ، التي وردت في أغنية " بتريد اللطام " التي أُلِّفتْ في تخليد مأثرة استشهاد البطل عبد القادر ود حبوبة في خواتيم العقد الأول من القرن العشرين ، نالتْ بفضل الله استحسان عدد كبير من الأصدقاء ، وعامة القراء الذين كتب إليَّ بعضهم من أماكن شتى ، مُقرِّظين المقال ، ومُعقِّبين على بعض ما جاء فيه.
وقد كانت ملاحظتي الأساسية في قول الشاعرة مؤلفة القصيدة ، رقية بت ود إمام:
دَيَّمْ في التُّقُرْ قال العمير مسيومْ
القوِي والضعيف من عينو طار النّومْ
أنَّ ورود كلمة " التُّقُرْ " في هذا السياق ، بمعنى الدوحة الكبيرة من شجر السدر ، أو مجموعة شجيرات السدر الملتفة بعضها على البعض الآخر ، هو الآن أشبه بلهجة كردفان منه بلهجة الجزيرة السائدة حاليا. واستشهدتُ على ذلك بما كان أورده العلاَمة عون الشريف قاسم عن هذه المادة في كتابه العمدة في بابه: " قاموس اللهجة العامية في السودان ". وقد كتب إليَّ الأستاذ أحمد علي جابر ، المقيم بالعاصمة الفرنسية باريس ، وهو رجل مزدوج الانتماء كردفاني / جزيري ، وهو يُعتبر بالتالي ، مرجعاً معتمدا في الثقافتين والجغرافيتين واللهجتين ، فأوضح لي أن هنالك قرية تسمى " التقر " بالفعل في منطقة الحلاويين. فلعلها هي القرية التي ربما يكون ود حبوبة قد " ديَّمَ " فيها ، أي أقام معسكره بها.
ومهما يكن من أمر ، فإنَّ الراجح أن تلك القرية نفسها ، قد سُمِّيت في الأساس على " تقر " من " تقَّار " السدر ، وذلك جرياً على عادة السودانيين عموماً في تسمية القرى والبلدات على أسماء الأشجار والنباتات السائدة عموماً ، من قبيل أسماء مواضع مثل: العُشرة ، والشِّقلة ، والسَّلمة ، وام هجيليجة ، وام سيالة ، والسيال ، وام سنط ، والجوغان ، واب حراز ، وام دبيكرات وهلمّ جرا.
أما زميلنا الفاضل ، الأخ السفير عبد المنعم البيتي ، وهو من أبناء المحمية بولاية نهر النيل ، فقد أكد لي بدوره في رسالة بعثها إلي ، وجود مفردة " تقر " بمعنى شجرة السدر بمنطقتهم ، فوعيت منه هذه الفائدة المهمة وذات الدلالة الخاصة.
وعندي أن السبب في نُدرة تداول مثل هذه الألفاظ التي كانت سائدة ومعروفة في وقت ما في بعض مناطق السودان كالوسط والشمال ، أو اختفائها بالكلية ، هو في الغالب سبب بيئي بحت. بمعنى أنه عندما اختفت تلك المُسميَّات ، والمقصود في هذا السياق بالتحديد ، أنواع الأشجار والنباتات التي كانت موجودة فيها في وقت ما ، بسبب عوادي الطبيعة ، وتغير المناخ ، أو محض التمدد الحضري والعمراني الخ ، اختقت معها تلك الأسماء ذاتها تبعاً لذلك بطبيعة الحال.
حدَّثني رجل كبير السن من معارفي بأم درمان ، أنه حتى خمسينيات وأوائل ستينيات القرن الماضي ، كانت مناطق ريف شمال وغرب أم درمان يكثر فيها بكثافة نبات " النَّال " ، ذلك النبات طيب الرائحة الذي كانت تصنع منه " الرواكيب " الفارهات ، ولكنه اندثر مع مرور السنوات بسبب الجفاف والتصحر وعوامل بشرية أخرى. وبوسعنا أن نتصور تبعا لذلك ، أنَّ من الجائز جدا ألاَّ يعرف كثيرون ممن هم الآن في سن الأربعين مثلا فما دونها من أبناء نفس المنطقة ، اسم نبات النال المذكور أو صفته ، ببساطة لأنهم لم يروه ولم يسمعوا اسمه يتردد على الألسن.
ولما كان الشئ بالشئ يُذكر ، فإنَّ هنالك قرية أخرى مشهورة من قرى الجزيرة كذلك ، أسمها أيضاً هو أشبه بلهجة كردفان منه بلهجة الجزيرة ، ألا وهي قرية " أم مَغَدْ ". ودليلنا على ذلك هو ما أثبته الدكتور عون الشر يف قاسم عن مادة " مَغَد " هذه في كتابه المومى إليه آنفاً حيث قال:
" مَغَدَة ( س – غرب ) نبات برِّي له ثمر أحمر اللون كالطماطم. قال الكباشي: أبو عيناً تقول مَغَدة. وقال الحَمَري: بسبلة الحطَب للمغَد فازعات.. " الخ. ثم أضاف في ذات السياق: " ام مَغَد (س) قرية جنوبي الخرطوم. وتُنطق أيضاً أم مقد . " انتهى ( قاموس اللهجة العامية بالسودان ، الطبعة الثانية ، المكتب المصري الحديث ، القاهرة ، 1985 ، صفحة 1093 )
فالراجح عندي أن قرية " أم مغد " هذه ، إنما أُسميت على شجر المغد ذاك ، الذي يبدو أنه كان منتشراً في تلك المنطقة ، ولكنه اختفى من ضمن ما اختفى من أشجار ونباتات أخرى ، إما بسبب الجفاف ، أو نظراً لتغيير طبيعة التربة بعد تخطيط مشروع الجزيرة مثلا. ولكن بقيت هذه القرية واسمها شاهدا على وجود هذا النبات في السابق.
وربما قال قائل إن اسم قرية أم مغد مشتق من " المُقُدْ " بضم الميم والقاف وسكون الميم ، وهو نوع معروف من أنواع الذرة الرفيعة البيضاء ، ولكن هذا بعيد. ذلك بأنَّ النطقين مختلفان جدا ، فضلاً عن أنَّ من الممكن أن يُرد على مثل هذا الافتراض بالتساؤل البسيط الا وهو: لمَ لمْ تُسمى هذه القرية " أم مُقُد " ابتداء وهوليس أمراً صعبا.
هذا ، ولقد رأيتُ المَغَد في طفولتي ، وأكلتُ ثمرته الحلوة التي يشبه طعمها طعم الفراولة نوعاً ما. على أنني أستبعد أن تكون الآن حتى في دار الريح من كردفان نفسها التي نشأت فيها ، بقية باقية بعد من أشجار مغد ، أو علق ، أو " زِقيْ " ، وقد لا يعرف أطفالها وربما حتى شبابها المعاصرون أسماء هذه الأشجار ، بعد أن قضى عليها الجفاف والتصحر والاحتطاب المفرط والرعي الجائر ، ولكن ربما يوجد منها شيء كلما توغل المرء جنوبا.
وأما قول الشاعرة:
الأسد النتر بى جيهة الأبقار
لمولو الأُرَطْ شايلين سلاح النار .. الخ
والذي استخلصنا منه على سبيل الترجيح والتخمين ، أنها قصدت بالأبقار ليس جمع بقرة ، وإنما جمع " باقير " تلك المجموعة من القرى التي تحمل هذا الاسم ، والتي تقع جنوب الخرطوم وشمال الجزيرة ، فقد وردتني حول هذا الاستخلاص تعقيبات من الأخوة الأفاضل: الأستاذ بشارة ، والعالم اللغوي والأديب البروفيسور إبراهيم القرشي ، والقانوني الضليع مولانا الدكتور محمد أحمد سالم ، وثلاثتهم من أبناء الجزيرة ، وخلاصة تعقيباتهم هي أن كلمة " الأبقار " هنا ربما يكون المقصود منها جمع " بُقْرة " بضم الباء وسكون القاف وفتح الراء ، على وزن " حُفرة " ، وهي الوَهْدة المنخفضة من الأرض الطينية بالقرب من شاطئ النيل ، التي تمتلئ إما بمياه الفيضان ، أو بمياه الأمطار ، فتصير أشبه بالمستنقع أو " الميعة " ، والتي تُزرع عندما تنحسر المياه عنها ، بأصناف القرعيات سريعة النضج كالتبش والعجور وغيرها.
وعندي أن المعنى واحد. فالراجح أن قرى الباقير المذكورة ، إنما سُمِّيت أساساً على هذه الخاصية الطبوغرافية ذاتها ، أي الأراضي المنخفضة التي تمتلئ بمياه الأمطار أو فيضان النيل ، والله أعلم.