عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قليلون هم المثقفون أوالمتعلمون عموماً ، المنتمون إلى ما يُسمى بالعالم الثالث ، المقيمون في المهاجر بالخارج ، وخصوصاً في البلدان الغربية ، الذين يحملون الهموم والانشغالات الكبرى لأوطانهم الأصلية كالسودان على سبيل المثال ، ومن ورائها دوائر انتمائه الواسعة الأخرى ممثلة في الفضاءات العربية والإفريقية والإسلامية والعالمثالثية أيضاً ، ثم يجتهدون ويحرصون على التعبير عن تلك الاهتمامات والانشغالات ، عن طريق التأليف والكتابة الجادة ، والجدل والحوار المثمر ، والمقابلات والمقاربات الفكرية و المعرفية الخصبة والمعمقة ، ثم يتوجون جهودهم تلك ، بنشر حصائدها عبر مختلف المنابر والوسائل المتاحة ، تعميما للفائدة ، وتوسيعاً لدائرة الحوار والتبادل الثقافي والفكري.
ولكي يتنبه الواحد من أولئك المتعلمين والمثقفين إلى أهمية تلك الأشياء ، خصوصاً على خلفية تأثره بمرئياته ومشاهداته ودراساته وقراءاته وملاحظاته ، من واقع احتكاكه بالواقع من حوله في مغتربه ومهاجره ، الأكثر تقدما افتراضاً علمياً وتقنياً وحضاريا ، فإنه لابد أن تتوفر فيه جملة من الخصائص والمقومات الذاتية في المقام الأول ، التي يأتي في مقدمتها ذلك الإحساس المرهف ، والوعي المتقدم والمتقد بإلحاح وراهنية سؤال النهضة عنده بالنسبة لوطنه ، ومن ثم بالنسبة لكيانه الحضاري الأكبر ، مما يحفزه على الإنطلاق باحثاً ، ومُنقِّباً ومُحلِّلاً ومقارباً ومترجماً ومستعرضاً وناقداً لكل أمر ذي بال يعنُّ له أثناء نشاطه الفكري ، وتجربته الذهنية في إطار وسطه الجديد ، وفي ذهنه أبداً ، الإسهام في نهضة وطنه وأمته الكبرى.
إن تلك الحساسية الشخصية ، وذلك الوعي الذاتي اللذين أشرنا إليهما آنفا ، ليسا مرتبطين دائماً بمن تلقوا تعليما نظاميا عاليا ضربة لازم ، فقد يتوفران أحياناً في أشخاص ربما لم تتهيأ لهم فرص التعليم النموذجي كاملة بالمعايير العصرية ، إلاَّ أنهم يتمكنون بالرغم من ذلك ، بفضل ما أوتوا من تلك الحساسية وذلك الوعي ، وحسن الاعتبار من العبر وتدوينها أياً كانت ، من تحقيق إسهامات فكرية ومعرفية ونهضوية مقدَّرة.
ذلك هو بالضبط ما حدث – على سبيل المثال – لرفاعة رافع الطهطاوي ذي التعليم الديني التقليدي ، والثقافة الأزهرية المحدودة ، الذي أرسله خديوي مصر مرافقاً لأفراد بعثة من دارسي مختلف العلوم العصرية الحديثة ، سافروا إلى فرنسا في منتصف عشرينيات القرن التاسع عشر ، لكي يستزيدوا من تلك المعارف والعلوم من أحد مظانها المشهورة عصرئذٍ ، بينما كانت مهمة الشيخ رفاعة الذي كان حينها شاباً أيضا في مثل سنهم ، هي فقط أن يؤمهم في صلواتهم ، وأن يفقههم في أمور دينهم فحسب. فكانت المفارقة هي أن ذاع صيته هو بفضل تلك الحساسية النقدية المرهفة والمُتسائلة ، وذلك الوعي الوثاب ، وخمل ذكرهم أجمعين إلى يوم الناس هذا.
أو بعبارة أخرى ، وجرياً على المثل العامي: أن قلم أولئك الأفندية المتعلمين ، لم يزل بلَمَهم الرؤيوي والإدراكي ، في الوقت الذي استطاع فيه ذلك الشيخ المُعمَّم رفاعة الطهطاوي إزالة " البَلَم " عن عقله ، بفضل تلك الحساسة ، وذلك الوعي الفطري المتقدم ، فعاد إلى وطنه بحصيلة فكرية ومعرفية معتبرة ، جاء في مقدمتها كتابه الشهير: " تخليص الإبريز في تاريخ باريز ".
على أنَّ الشخص الذي نحن بصدد الحديث عنه ، وعن عطائه الفكري في هذه العُجالة ، هو شخصٌ بلغ الذروة في مدارج التعليم العصري الأوروبي ، وتخرج في واحد من مجالاته المرموقة ، ألا وهو مجال الطب البشري ، حتى صار فيه اختصاصياً نابه الذكر في المشافي والجامعات الألمانية ، حيث درس في ألمانيا ، وظلَّ يعيش فيها خلال الأربعة عقود الماضية أو تزيد.
ذلكم هو الأستاذ الدكتور " حامد فضل الله " ، الذي يُعتبر بحق ، واحداً من أبرز المثقفين السودانيين الذين يعيشون بالمهاجر ، المسكونين بالهم الثقافي والفكري والإبداعي لوطنهم السودان ، ومن ورائه دوائرانتمائهم الحضاري الكبرى ، ومن أشدهم التصاقاً بها. فهو طبيب ممارسٌ لمهنته ، ولكن أدركته حُرفة الأدب والثقافة والمعرفة ، مثل الشيخ الرئيس ابن سينا في الأقدمين ، ومثل التجاني الماحي في سياق تراثنا السوداني المعاصر.
لقد أسعدتني الصدف بالالتقاء بالأخ الدكتور حامد فضل الله كفاحاً في العاصمة الألمانية برلين في صيف عام 2015 ، على هامش زيارة لي قصيرة إليها في مهمة عمل ، حيث دعاني إلى مائدة عشاء في مطعم قريب من الفندق الذي كنت أقيم فيه ، فنعمتُ بكرمه الفياض ، وأريحيته ، وظرفه ، وطيب أنسه ، وحديثه الشهي الذي توَّجه بإهدائه إليَّ نسخة بتوقيعه من سفره الموسوم " أحاديث برلينية حول قضايا أوروبا والإسلام وفي الأدب والفكر " ، الذي صدر عن دار " الدليل " للطباعة والنشر ببرلين في عام 2013م ، والذي قدَّم له تقديماً باذخاً زميلنا وصديقنا المشترك السفير الأديب الأستاذ خالد موسى دفع الله.
إنَّ هذه الكلمة الموجزة ، في هذه المساحة المحدودة ، لا تكفي في الواقع لاستعراض مُجمل المنتوج الفكري والإبداعي للدكتور حامد ، ولكن حسبُنا مجرد التنويه ، ولفت الانتباه ، والتذكير فقط بالعطاء الثر لهذا المثقف السوداني المغترب ، الخصب والمتنوع العطاء ، الذي يُذكِّر المرء بتراث عثمان حسن أحمد قديما في واشنطون قديماً ، والطيب صالح في لندن ، وصلاح أحمد إبراهيم في باريس وغيرهم من مثقفي السودان المنتجين الآخرين المنتشرين في شتى ربوع العالم:
أولاً: بعض الكتب التي نُشرَتْ باللغة الألمانية ، ولها علاقة مباشرة بالسودان ، وقد تعرض إليها الدكتور حامد فضل الله ، سواء بالترجمة أو التعليق عليها:
- الطيب صالح في عيون الألمان ، وهو استعراض لما كتبه النقاد الألمان عن كاتبنا العظيم الراحل.
- الإنجليزي الأسود على ضفاف النيل ، دراسة نقدية لناقد ألماني عن رواية موسم الهجرة إلى الشمال
- النزاع السوداني كنموذج للتناقض بين الدولة والثقافة لعثمان سعيد ، رسالة ماجستير ، جامعة برلين الحرة ، برلين.
- السودان بلد النيلين الأزرق والأبيض للصائم محمد إبراهيم ، صدر الكتاب في برلين الشرقية عام 1961م
- محمد الفيتوري يُغرد بالألمانية ، صدر في برلين عام 1987م
- الجهاد الألماني في سبيل دار فور ، السودان في الحرب العالمية الأولى ، رومان دكرت
- احتقان التحول في جنوب السودان ، د. أنيتا فيبر
ثانياً: الكتب التي استعرضها الدكتور حامد وعلق عليها وليس لها علاقة مباشرة بالسودان:
- زراعة الريح وحصاد العاصفة ، د. ميشيل لودرز.
- الذين يحصدون العاصفة ، أيضاً للدكتورة ميشيل لودرز.
- حكايات السلطة السعيدة ، تأليف دانيل باومان وستيفان هيبل
- العالم العربي في القرن العشرين ، تأليف أودو ستاينباخ
- للخائفين على الغرب ، تأليف دانيل باكس
ثالثاً: الدراسات والمقالات الأكاديمية:
- المسلمون والعرب وإشكالية الاندماج في المجتمع الألماني ودور النُّخب العربية
- القرآن جزء من أوروبا ، أنجليكا نويفوت
- صورة الإسلام في ألمانيا
- المسلمون في دولة القانون العلمانية ، هاينز بيلفلد
- الفكر التقدمي في الإسلام المعاصر ، كريستيان ترول
- طارق رمضان وأسلمة أوروبا ، رالف غضبان
- الإسلام والحداثة ، أودو شتاينبخ

وبعد ، فهذا مجرد غيض من فيض من العطاء الفكري الثر لهذا المثقف السوداني ذي الثقافة الألمانية البعيدة نوعاً ما عن واقعنا السوداني لندرة الاحتكاك بها ، نظراً للأسباب التاريخية والجغرافية المعروفة. وهو عطاء جدير بالتنويه والإشادة به. وإن كان لنا من رجاء للدكتور حامد في الختام ، فهو ضرورة الالتفات أكثر إلى ما كتبه الرحالة والآثاريون واللغويون والانثربولوجيون والمؤرخون الألمان عن السودان الحديث والوسيط والقديم ، وترجمته إلى العربية ، تيسيرا لإتاحة ما بها من معلومات مهمة للسودانيين خاصة ، ولكافة قراء العربية بصفة عامة.
/////////////////