عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 

قلتُ في كلمةٍ لي سابقة ، إنَّ البروفيسور عبد الله علي إبراهيم ، قد تميَّزَ باجتراح الأطروحات الجريئة والمُثيرة للجدل ، وخصوصاً في كتاباته وأفكاره مؤخراً حول الثقافة السودانية وإشكالات الهوية ، وبعض ما يمُّت إليها من موضوعات مثل تعريف الهوية الوطنية لسكان شمال السودان بالتحديد ، وأبنتُ في ذات السياق أن البروفيسور عبد الله ، كأنه يجزم بصدق الاعتقاد في الهوية العربية الإسلامية الخالصة والصمدية لأهل شمال السودان ، وأنه يسلِّم بصحة ما يعتقده معظم الناس في سائر المجموعات  العرقية المكونة لهذا الكيان في ذلك الشأن ، وأنّه قد سفَّه رأي منتسبي مدرسة الغابة والصحراء الذين قالوا بإنَّ سكان شمال السودان ، أو جلّهم ، إنما هم هجين عربي – إفريقي ، أو إفريقي – عربي ، وقال ببطلانه قولاً واحدا. 
وقد حاولتُ المجادلة باحتمال أن يكون البروف عبد الله قد أُتي في موقفه ذاك ، من باب التأثُّر المعرفي والإيديولوجي ، وخصوصاً التدريبي ، لدراسته وتخصصه الأكاديمي في مجالات الأنثربولوجيا ، و الفولكلور ، والثقافة ، وعدم ميل مناهج هذه العلوم الاجتماعية المتسامحة و الرحبة الملحوظ ، إلى " ملاواة " الناس و " حكَّها معهم"  كثيراً  في مرئياتهم لهوياتهم وتواريخهم وأنسابهم الخ. 
لقد برزَتْ في الواقع ، بضع تيارات أو مدارس في مقاربة هوية شمال السودان عبر العقود الماضية ، استعرَضَهَا  الدكتور محمد جلال هاشم استعراضاً وافياً ، ولَخَّصها تلخيصاً جيداً ،  في دراسته المطولة بعنوان: " السودانو عروبية أو تحالف الهاربين " المبذولة لحسن الحظ بالشبكة العنكبوتية ،  والتي يتعقَّب فيها بالرد ، ورقة عبد الله علي إبراهيم التي أشرنا إليها من قبل ، والموسومة ب " الآفرو عروبية وتحالف الهاربين ". 
وقد سَمَّى محمد جلال من بين تلك التيارات ما دعاها  بمدرسة العروبيين الذي يعتقدون في الهوية العربية الإسلامية الصرفة لأهل السودان ، وذكر من رموز تلك المدرسة: الشيخ عبد الله عبد الرحمن الضرير ، صاحب كتاب " العربية في السودان " ، ومن الأجانب المصري البروفيسور عبد المجيد عابدين ، مؤلف كتاب: " تاريخ الثقافة العربية في السودان " ، ثمَّ الأفريقانيين الخُلَّص الذين يقولون بخلوص السودانيين جميعهم لهوية آحادية هي الهوية الزنجية الإفريقية المحضة ، إما كحقيقة موضوعية ثابتة كما يرونها ، أو تعبيراً عن تفكير رغائبي بصورة ما من الصور ، كما قد يتراءى للبعض ، ومَثّل لهؤلاء بالشاعر محمد الفيتوري ، خصوصاً في مرحلته الأولى من مراحل تكوينه الشعري في بواكيره. ثم الآفروعروبيين ، وهم القائلون بأن هوية السواد الأعظم من سكان شمال السودان خاصة ، هي أنهم هجين خلاسي عربي إفريقي ، أو إفريقي عربي. ومن بين هؤلاء رواد مدرسة الغابة والصحراء الشعرية ، الذين هم في الواقع حُداة هذه الفئة ومنشدوها المقوالون.  
واستعرض الدكتور هاشم طيفاً واسعاً من أسماء نفرٍ من الأكاديميين ، والمثقفين ، والمبدعين ، والسياسيين السودانيين الذين قاربوا ، أو ظلوا يقاربون موضوع هوية السودان الوطنية بصفة عامة خلال العقود الماضية ، كل من خلال نظرته إليها ، وما ينبغي أن تكون عليه بحسب وجهة نظره بطبيعة الحال. 
وهكذا يعرض الكاتب لأسماء ومواقف ورؤى شخصيات مثل: عبد الله عبد الرحمن الضرير ، وحمزة الملك طمبل ، ومحمد أحمد محجوب ، وعبد الله عشري صديق ، ومحمد المهدي المجذوب ، وعبد الله الطيب ، وعون الشريف قاسم ، ومحمد مفتاح الفيتوري ، ومحمد عبد الحي ، والنور عثمان أبكر ، وصلاح أحمد إبراهيم ، وسيد حامد حريز ، وأحمد عبد الرحيم نصر ، وفرانسيس دينج وغيرهم. 
يقول عبد الله علي إبراهيم إن جماعة الغابة والصحراء قد تأثروا بكتابات وأفكار الإداري البريطاني السير هارولد مكمايكل في كتابه: تاريخ العرب في السودان الصادر في عام 1922م ، والعالم والمؤرخ السوداني البروفيسور يوسف فضل حسن في كتابه: العرب والسودان الذي صدر في عام 1967م ، واللذيْن كرَّسا كلاهما مقولةً ظل يلهج بها الكثيرون ، مفادها أنَّ جُل قاطني شمال السودان المعاصرين ، وخصوصا ما يسمى بالمجموعة " الجعلية العباسية " إنما هم: " نوبة مستعربين " ، مما أغرى رواد مدرسة الغابة والصحراء جزئياً ، بالتشبُّث بفكرة الأفرو عربية ، وزودهم بعتاد علمي ومعرفي ، سوَّغ لهم القول بالهُجنة أو الهوية المزدوجة لأهل السودان. 
على أننا نلاحظ في الواقع ، أنه لا مكمايكل ولا يوسف فضل ، لم يَعمَد أي منهما إلى بسط شرحٍ وافٍ لمضمون عبارة " نوبة مستعربين " هذه بالتفصيل ، هذا مع تسليمنا بأن المنطق وطبيعة الأشياء تتظاهر على جواز صحة هذه المقولة ولو جزئياً على كل حال. فما هو المقصود باستعراب أولئك النوبة المفترضين ، وهل هو استعراب سُلالي أم ثقافي ولغوي ، أم الاثنين معا ؟. أما الاستعراب اللغوي والثقافي ، فإنه أمر مؤكد لا تنتطح فيه عنزان ، إذ أن نتيجته هاهي ماثلة للعيان ، وهي وجود مجموعة بشرية ضخمة للغاية في وسط السودان ، ظلت لا تعرف لها لغة أخرى غير العربية منذ قرون ، لا كما يعرف الأنقولويون والموزمبيقيون اللغة والثقافة البرتغالية مثلاً ، على طول مُكْثهما بين ظهرانيهم ، ولكن ربما كما يعرفهما البرازيليون نوعا ما. وأما الاستعراب السلالي عن طريق التزاوج بين حَمَلة هذه اللغة التي سادت حتى كُتبت لها الغلبة أخيراً ، والسكان المحليين ، فيغدو هو الآخر ، أمراً منطقياً بل راجحاً. بمعنى أن من الجائز عقلاً ، أن يتم التزاوج بين أفراد القبائل والمجموعات العربية التي ثبتت هجرتها إلى السودان ، على الأقل ابتدءاً من القرن التاسع الميلادي فما بعده ، بحسب ما جاء عند مكمايكل نفسه ويوسف فضل ، فضلاً عمن سبقهما من المؤرخين والجغرافيين العرب القدامى مثل: اليعقوبي ، وابن حوقل ، والمسعودي ، وابن سليم الأسواني ، والمقريزي ، وابن بطوطة ، وابن خلدون وغيرهم ، وطوائف المجموعات السودانية القديمة من أهل البلاد ، من نوبة ، وبجاة ، وعنج ، ونيليين ، وغيرهم من شعوب غرب السودان ووسطه وشرقه وجنوبه الأصليين ، والذين لم يكونوا نوبة فحسب بكل تأكيد ، كما أن المنطق وطبيعة الاجتماع البشري تقتضي بأن يكون ذلك التزاوج والاختلاط قد تم في الاتجاهين. بمعنى أنه إن كان هنالك نوبة " تجوزاً بالطبع " قد استعربوا ، فلا بد انه كان هنالك عرب قد تنوَّبوا ، وآخرين " تبجّجوا ؟ أي اختلطوا بالبجة " حتى اندغموا فيهم ، وهكذا.  والنتيجة هي أن ظهر هذا الخليط الهجين البائن الهُجنة فعلا ، والذي آثر – فيما يبدو – تبني موقف إيديولوجي جمعي ، ينحو إلى ترجيح كفَّة الانتماء العروبي القائم على انتساب أبوي صادق كثيراً أو قليلا ، جرياً على مثلهم: " الجمل يُقاد من رسنه " ، أي أن هوية المرء إنما هي هوية آبائه ، ولا عبرة للنساء ، فإنهن مجرد " آنية " لحفظ النسب لا لمنحهِ ، بحسب الثقافة والعقلية السائدة ، وليس في اعتقادنا نحن. 
أما لماذا آثر أولئك النوبة المستعربون أو العرب المستنوبون " تجوزا أيضا " ، أن يُغلِّبوا جميعاً انتماءهم العروبي فقط ، على الرغم من الوجود المؤكد لطوائف كبيرة منهم لا تنتمي سلالياً للآصل العربي ، فيعُزى ببساطة إلى رغبتهم أجمعين في الانتماء إلى أصل مُعرق في الإسلام دينهم الجديد الذي جاءهم به العرب فارتضوه ، وأحبوا أن ينتموا لدعاته أيضا حقاً أو زورا. هذا ، والقول بالأصل المشرقي أو العروبي ليس قاصراً على سكان شمال السودان وحدهم ، وإنما هي دعوى منتشرة باستفاضة في سائر بلاد السودان الكبير ، الممتدة بين البحر الأحمر والمحيط الأطلسي ، وربما وُجدت بين جماعات إفريقية غير مسلمة أيضا.    
وخلاصة القول في هذه النقطة ، أن الجزم الصارم بصحة مقولة " النوبة المستعربين " هذه هكذا على الإطلاق ، جزم تعوزه الدقة والموضوعية ، وينبغي أن يكون موضع نظر شديد ، بل يوشك أن يكون من وحي ضرب ما من الإيديولوجيا ، أو الدوغمائية الجامدة على أقل تقدير. 
فحقيقة أن سكان شمال السودان الذين ظلوا يتحدثون اللغة العربية لغة أم منذ قرون ، مع احتفاظهم بألوان بشرة ، وخصائص جسمانية وملامح تختلف كثيراً أو قليلاً عن تلك المعروفة والملاحظة عند العرب بصفة عامة ، لهي من أوضح دلائل هذه الهجنة التي تميز هؤلاء الناس. 
وكنماذج حية على هجنة السودانيين ، وجدلية استعرابهم وسودنتهم ، أو إن شئت زنوجتهم أو أفرقتهم المستمرة والمتفاعلة ، وهي نماذج مشهودة ومعروفة ، ويمكن التحقق من جل  مراحلها وأدواتها وأحداثها وشخوصها تاريخياً ، بما لا يفوت من باب أولى على البروف عبد الله علي إبراهيم. وتلك النماذج تتمثل في مقدم رجال بأعيانهم قبل نحو قرنين من الزمان تقريباً ، معروفين بأسمائهم وصفاتهم ، من بلاد الحجاز أو مصر ، أو المغرب العربي ، وهو يحملون سائر الخصائص الفيزيقية الخاصة بأهل تلك البلدان ، ومكثوا في أرض السودان وأقاموا بها ، وتزوجوا نساءً من أهلها ، وخلفوا أولاداً وأحفاداً ، كان لبعضهم فيما بعد ، إسهام مقدر في الحياة الروحية والثقافية والاجتماعية والسياسية في السودان. 
وقد انخرطت تلك الأسر المختلطة فيما بعد ، في سلسلة من عمليات التصاهر والتزاوج مع عناصر سودانية محلية ، حتى نتج عن ذلك نتاج هجين فعلاً ، لا يختلف في مظهره على الأقل ، عن سائر النسيج الاجتماعي الذي نشأوا فيه في السودان. 
إنَّ تلك النماذج هي لعمري ، نماذج قابلة نظرياً وعقلياً للاستنساخ الاسترجاعي لآلاف المرات على الأقل ، عبر القرون السابقة لها ، فضلاً عن أنه يمكن أن يُستنبط منها ، ويُقاس عليها ما غاب عنا من ديناميات عملية " استعراب " مؤكد ولدرجة ما تقل أو تكثر ، لأجزاء واسعة من شمال السودان في الزمان السابق. أن بعضاً من أولئك القادمين ، هم بالفعل ممن يمكن أن يُطلق على الواحد منهم وصف " الغريب الحكيم " ، الذي شاع في أدبيات كتابة تاريخ افريقيا بصفة عامة، سوى أن هؤلاء وإن كانوا غرباء وحكيمين ، إلا أنهم لم يكونوا أساطير ، بل شخصيات حقيقية ، ما تزال آثارها ماثلة بين الناس. 
فهذا مثالٌ صارخٌ على الهُجنة والاستعراب مؤكَّدٌ وموثق ، نقدمه إلى كل من يشك في حقيقة وقوع تلك الهجنة ، وبصفة خاصة إلى رواد مدرسة جديدة برزت مؤخراً ، في مقاربة إشكالية هوية سكان شمال السودان ، تميل حتى إلى إنكار حدوث هجرات قبائل عربية بأعداد كبيرة إلى السودان في أي وقت مطلقا ، على النحو الذي يقول به مكمايكل ، ويوسف فضل ، ومحمد عوض محمد ، ومصطفى مسعد وغيرهم. تلك هي المدرسة التي يجئ على رأسها الأمركي جى اسبولدينق ، وبعض من يرى رأيه من السودانيين ، الذين يعتقدون في نوعٍ ما من الاستمرار التاريخي المطلق للكيان السوداني ومؤسساته ، وخصوصاً على المستوى السُلالي والعرقي ، مع تسليمهم بانتقالات ذلك الكيان وتحولاته على مستوى الهوية الدينية ، من الديانات القديمة ، إلى المسيحية ، ثم الإسلام. 
ومن أعاجيب هذه المدرسة الجديدة ، زعمُ أستاذٍ لنا نُجلِّهُ ونُقدِّرُه ، يرى رأي هذه المجموعة ، أن معلمين ( فُقرا ) مسلمين قليلي العدد كما قال ( ولم يشأ أن يقول عربا ) ، هم الذين جاءوا إلى أرض السودان ، وعلَّموا أهله اللغة العربية التي يتكلمونها الآن ، على الرغم من الثراء الملحوظ لعربية أهل السودان، وتفرُّدها ، وأصالتها ، وتنوعها ، واختلاف لهجاتها الخ ، بينما زعم اسبولدينق في كتابه بعنوان: " عصر البطولة في سنار " الذي عرَّبه صديقنا و زميلنا الدكتور أحمد المعتصم الشيخ ، أن الفونج كانوا وثنيين سوداً ، غير ناطقين بالعربية ، فاضطُّر عمارة دونقس إلى التحول إلى الإسلام ، واعتماد اللغة العربية لغةً لبلاط سلطنته ، لكي يتسنَّى له إقامة علاقات دبلوماسية ، وخصوصاً تجارية مع مصر !!. 
 وما الذي يمنع العرب أو أي أناس آخرين مجاورين لأرض السودان من الانتقال إليه والعيش فيه ، وخصوصا أنَّ ظروفه البيئية والطبيعية والمناخية تشبه بلادهم كثيرا ، بل تفوقها في وفرة المراعي والمياه ، ولا يفصلها عن جزيرتهم ، إلا عرض البحر الأحمر ، فضلاً عن أن  الانتقال اليه عبر شبه جزيرة سيناء قد كان متاحا وميسوراً أيضا ؟. ونحن نعلم – على سبيل المثال - أن أناساً جاءوا من اندونيسيا والملايو ، وغيرهما من بلاد جنوب شرقي آسيا ، وقطعوا آلاف الأميال بحراً منذ آلاف السنين ، لكي يعمروا جزيرة مدغشقر في جنوب شرق القارة الإفريقية على سبيل المثال. 
أما عن الهُجنة الثقافية واللغوية لأهل شمال السودان ، فحدِّثْ ولا حرج. فقد كشف العلامة عون الشريف قاسم وغيره من العلماء والباحثين المهتين بالدراسات اللغوية ، عن القدر الهائل من الألفاظ وحتى التراكيب التي استعارتها عربية أهل السودان من اللغات السودانية القديمة التي احتكت بها ، وإن ظلت لهجة عربية صميمة في بنائها ونحوها وصرفها وأصواتها ، ومعظم عناصرها المعجمية. 
بل لعلَّ الهُجنة اللغوية في العامية السودانية ، تتجلى أحياناً على مستوى المفردة الواحدة في كلام أهل السودان. ذلك بأنهم عندما يقولون – على سبيل المثال – " قُرْبَاب " هذا الكساء الذي كانت تأتزر به نساء السودان في الأرياف والبوادي ، فإنهم ينطقون لفظاً هجيناً بالفعل. ذلك بأن " قرب " كلمة عربية فصيحة معناها " خصر " وجمعها " أقراب " ، بينما " آب " هو مقطع من اللغة التبداوية أي لغة البجة ، يفيد النسبة. فكأن " القرباب " هو الكساء أو الثوب الذي يلف حول " القرب " الذي هو الخصر ، فتأمَّل !!. وشبيه بذلك قولهم في النسبة إلى الكلمتين العربيتين " هلال " و " مريخ ": ( هلالاب ومريخاب ) ، يعنون المنسوبين إلى الهلال والمريخ على التوالي ، وهما أشهر فريقي كرة قدم في السودان. وإلآَّ أن لم يتهجنوا لقالوا: " هلاليون ومريخيون " ، جرياً على صيغة النسب العربية الفصيحة. 
وعندي أن أسطع مثال على الهُجنة الثقافية لأهل شمال السودان ( بالمعنى الواسع ) ، هو فنهم الغنائي والموسيقي ، الذي رغم أن لغته ، هي لغة عربية عامية وكذلك فصيحة ، يعز نظيرها من حيث الرفعة والمستوى ، عند مقارنتها مع نظيراتها ، إلا أن الأنغام والألحان ، والطابع الأدائي العام ، يظل مختلفاً بصورة واضحة عن مجمل الموسيقى العربية ، لأن هذه الأخيرة تقوم على المقام والسلم السباعي ، بينما تعتمد الموسيقى السودانية على السلم الخماسي ، المنتشر في سائر بلدان افريقيا جنوب الصحراء. فكأن السودانيين قد قبلوا لغة العرب وردُّوا موسيقاهم ، فهم على عكس الزنزباريين بشرق إفريقيا ، الذين قبلوا الموسيقى العربية وتمثلوها ، وردوا اللغة العربية ، إلا من ألفاظ منها أدخلوها إلى لغتهم السواحيلية ، التي ظلت رغم ذلك ،  لغةً إفريقيةً بنتويةً صميمة. 
وكأنَّ هذا هو المعنى ذاته ،الذي هدف إليه الشاعر محمد عبد الحي عندما قال: 
أنا مثلكمْ .. شاعرٌ عاد يُغنِّي بلسان ، ويُصلِّي بلسان !! 
وصفوة القول في الختام ، أن الهُجنة ، والإٌقراف ، وخطف اللونين ، بل خطف الألوان المتعددة عبر القرون ، لدى الجم الغفير من أهل شمال السودان ، في إطار الهوية الإفريقية العربية ، أو العربية الإفريقية ، هي أمر ثابت بكل الأدلة والبراهين ، ولا يحتاج لدرس عصر كما يُقال في التعبير الشعبي الدارج ، حتى أن الاعتقاد في صدقها ، تغدو  من المسلمات والبديهيات التي كان أستاذ الأجيال: جمال محمد أحمد ، يستسخف مجرد التساؤل حولها ، ويستهجنه. 
بيد أن هذا لا يمنع بالطبع ، بعض المجموعات أو الأفراد ، من الحق في الاعتقاد بأنهم هم وحدهم زنوج أفارقة خلّص ، أو عرب عاربة أقحاح إن شاءوا ، من دون جنوح  لأي استعلاء أو إقصاء أو وصاية من أي نوع ، أو فرضٍ أو إسقاط لهويتهم الخاصة تلك كما يعتقدون فيها ، على مجمل سكان البلاد. ولحسن الحظ أن كلا الفريقين داخلٌ في بحبوحة هذه الهوية العربية الإفريقية ، أو الأفريقية العربية السودانوية الجامعة. ولله در الشاعر إسماعيل حسن ود حدَّ الزين إذ يقول: 
عرب بدم الزنوج الحارة ديل أهلي ... !!  
والتحية كذلك للمطرب الشعبي الراحل: عثمان اليمني إذ يغني: 
أنا الافريقي ، أنا العربي !!