فتحي الضو


فتحي الضّـو
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
هل جاءكم نبأ ”كانيلوس“؟ أرجو ألا تبتئس يا عزيزي القارىء إن لم تكن قد سمعت عنه شيئاً مذكوراً، فأنا كنت مثلك تماماً ولكن عند زميلنا وصديقنا معاوية محمدين الخبر اليقين، والذي اتحفنا بتفاصيله في رسالة خاصة من قبل أن تنتشر سيرته وتملأ الآفاق مثلما هو حاصل الآن، ولكن دعنا في البداية نقتنص هذه السانحة للإحتفاء بمعاوية نفسه في بضع كلمات وإن لم تفه حقه، فهو للذين لا يعرفونه رجل دمث الاخلاق ووطني غيور، إختار الاقامة في بلاد الاغريق - مركز الحضارة الانسانية - متوسلاً الحكمة والحقيقة والحلم، وذلك إلى جوار سوفكليس وبركليس وفدياس وهيرودوت وهوميروس وسقراط وافلاطون وارسطو، ومنذ أن صعد إلى قمة جبل ”الأولمبوس“ وهو دائم التحديق صوب آخر النفق في بلاده، على أمل أن يرى بقعة الضوء الشاحبة وقد توهجت ذات يوم، ومثله مثل من يبتغي القيم الانسانية مرقىً للصعود يدلف إلى داخل معبد ”الأكروبوليس“ ليستنطق التاريخ المخبوء بين حجارته الصماء! وعن كانيلوس قال لنا: إنك إن مررت بميدان ”سينداغما“ وسط اثينا فستراه هناك إما متجولاً وسط المارة أو نائماً في هدوء تام كيفما اتفق، لكنه منذ أن اجتاحت اليونان حمى المظاهرات ومسيرات الغضب الهادر عقب مقتل التلميذ اليكساندرو غريغوروبولو (15 عاماً) أوائل ديسمبر الحالي في أحد أزقة حي ”أكسارشيا“ اصبحت مهمته قيادة هذه المظاهرات والسير امامها حتى مبنى البرلمان، ولدهشة المتظاهرين أنفسهم  فبمجرد أن يسمع هتافاتهم الداوية تجده يخرج من مكانه مهرولاً نحوهم، وينتظر مقدمة الركب حتى يكون بينه وبينهم ثلاثة أمتار، ثم يتقدمهم دون أن يخل بتلك المسافة. وإلى جانب ذلك فقد أصبح متمرساً على عمليات الكر والفر، فإن حدث ووقعت مصادمات مع الشرطة تراه يهرب مع اكبر مجموعة من الهاربين في الاتجاه الذي يختارونه، وإن صادف وحوصرت المجموعة يبقى في مكانه حتى ينجلى غبار المعركة ويعود أدراجه بهدوء شديد، وإذا قُدر وشاهد رجال الشرطة وهم يستقلون الدراجات النارية فحينذاك تثور ثائرته ويقود مجموعة من رفاقه ويطاردهم إلى ان يغادروا الموقع. والرفيق كانيلوس الذي اطلق عليه شباب اليسار اليوناني هذا الاسم، والذي لا تخلو قناة فضائية أوربية أو غربية من اخباره هذه الايام، بلغ الآن من الكِبر عتياً فقد تجاوز عمره الـ 18 عاماً ولم تفتر له همة، فهو ببساطة شديدة...كلب إبن كلب!
من المفارقات المدهشة، في الوقت الذي إنشغل فيه الكثيرون بالعبارات التي اطلقها الصحفي العراقي منتظر الزايدي مع حذائه ونعت فيها الرئيس الأمريكي جورج بوش بالكلب، كان غالبية الرأي العام الأمريكي مشغولين وما يزالوا بهوية الكلب الذي سيدخل البيت الأبيض مع الرئيس المنتخب باراك أوباما، والذي سبق وأن إلتزم على رؤوس الاشهاد في الحديث الذي أدلى به عشية إنتخابه في شيكاغو لبنتيه ماليا (10 سنوات) و ساشا (7 سنوات) بإقتناء كلب، وفي آخر مؤتمر صحفي عقده مازح أحد الصحفيين حينما سأله عن اخبار الكلب فقال له: أنه ميَّال لاختيار كلب من  دار إيواء كلاب وإنه ربما كان هجيناً مثله، وتنشر كبريات الصحف الأمريكية من حين لآخر عروضاً بدأت تنهال على الرئيس الجديد، وكشفت عن أن الاختيار يبدو مُعقداً لأن البنت الكبرى تشكو من حساسية، وقد دخلت ”الاكاديمية الامريكية للحساسية والربو والحصانة الصحية“ طرفاً في الموضوع، ففي بيان لها قدمت فيه شروحات علمية دقيقة، هي لا محال ستجعل الكثيرون يفغرون أفواهم دهشةً. وفي الواقع للكلاب تاريخ حافل مع الرؤساء الأمريكيين، فالموقع الإلكتروني الحالي للبيت الأبيض يوضح سيرة كلاب الرئيس بوش ”بارني“ و”مس بيزلي“ وكذا الكلب الراحل ”سبوتي“ وثمة كلباً آخر كانت تملكه عائلة الرئيس السابق بيل كلينتون ”بيدي“ رحل عن دنيانا الفانية في العام 2002 ويومها كادت أمريكيا أن تعلن الحداد الرسمي، وفي انتخابات عام 1952 انخفضت اسهم مرشح نائب الرئيس ريتشارد نيكسون الذي اعترف بقبول كلب أهداه له رجل أعمال وإعتبره خصومه الديمقراطيون دليل رشوة، وإزاء ضراوة الحملة طالبه الجمهوريون بإرجاع الكلب، فقدم خطبة مؤثرة وبقربه الكلب موضع الجدل وكانت تلك هي المرة الأولى التي ينقل فيها التلفزيون الخطب الانتخابية، وقال بعين دامعة إنه لن يتخلى عنه لأن ابنته أحبته واسمته ”جيكرز“ إنقلبت المعايير رأساً على عقب، ففاز واصبح نائباُ للرئيس ايزنهاور، وبعد عقد ونصف اصبح رئيساً. لكن في الحملة الانتخابية المذكورة لم ينس الديمقراطيون تذكير الجمهوريين بما فعله الرئيس فرانكلين روزفلت، الذي سبق وان أرسل مدمرة عسكرية إلى هاواي لاحضار كلبته ”فالا“ وكان قد نسيها هناك خلال زيارة رسمية. ولربما لا يعلم البعض أن معظم الولايات الامريكية غيَّرت قوانينها المحليه الخاصة بالعلاقة بين الانسان والحيوانات الاليفة وتحديداً الكلاب والقطط بحيث أصبح الشخص يُسمى ولي أمرGuardian  بالنسبة للحيوان بدلاً عن أنه مالك  Ownerأي تماماً كعلاقة الأب بإبنه أو بنته! وبعد كل هذا هل تعتقد يا عزيزي القارىء أن الرئيس بوش سعِد أم غضِب من وصف منتظر الزايدي له بالكلب؟
وللكلب في الغرب - أياً كانت هويته - قيمة تدعو للغيرة والحسد، فقد يلاحظ المرء أن بعض التصرفات التي تلفت الانتباه بإعتبارها ظواهر شاذة، يتعامل معها الغربيون كشىء عادى، فمثلاً كثيراً ما نقرأ أن واحد من الميسوري الحال رحل عن الدنيا وأوصى بأن تؤول ثروته المليونية لقطته أو كلبه او لدار رعاية تهتم بهذه الحيوانات، وبالقدر نفسه لا تستلفت أخباراً اخرى مثل افتتاح فندق خمسة نجوم للكلاب والقطط انظار الناس، بل ان بعض مالكي هذه الحيوانات يعدونها فرض عين إن كان ولي امر الحيوان غنياً. بيد أن بطولات تظهر بين الفينة والأخرى تجد حظها في التغطية الاعلامية أكثر مما يطمح فيه أطفال دارفور، ففي صدر ”شيكاغو تربيون“ 13/11/2008 خبراً مطولاً لمواطن ”جون باتريك 68 عاماً“ والذي احترق منزله في أحد ضواحي مدينة شيكاغو، فقد عجز رجال الاطفاء عن إثنائه من الدخول لانقاذ كلبه (13 عاما) فطالته النيران وتوفي بعد دقائق قليلة من نقله لمستشفي مجاور، والمفارقة أن الكلب نجا من الموت المحتوم، وقالت الصحيفة إن ادارة الشرطة تلقت عدداً كبيراً من طلبات مواطنين أبدوا رغبة في تبني الكلب الذي اصبح يتيماً. وفي موقع قناة كاليجري التلفزيونية في كنداCTV Calgary أشار إلى أن محكمة المقاطعة حكمت على دانييل هاشت (21 عاماً) بالسجن شهراً وقضاء 40 ساعة عمل في خدمة المجتمع بالاضافة إلى سنة تحت المراقبة، وذلك نسبة لأنه سحب كلبه (دايزي ديوك) في شاحنته لمسافة 100 متر فسبب له جروحاً بليغة توفى على أثرها، وطبقاً للموقع فإن ناشطين في حقوق الحيوان أظهروا استياءً شديداً من الحكم بإعتباره مخففاً لا يتناسب والجريمة النكراء. وفي ديسمبر 2007 حكمت المحكمة بالسجن لمدة 23 شهراً على أشهر لاعب كرة قدم أمريكي ”مايكل فيك“ في فريق ”اتلانتا فالكونز“ ويعد من أثرى أثرياء الرياضة، وقُدرت ثروته بما يقارب الأربعين مليون دولار، وكان قد إعترف بتمويل شبكة لمصارعة الكلاب والاشتراك في جريمة قتل 6 كلاب على الأقل عن طريق الشنق أو الاغراق، وبعد النطق بالحكم أبدى أسفاً شديداً على فعلته الشائنة!
بما أن الكلاب بالقطط تذكر فلن أنسى يوماً في صيف العام الماضي صادفت فيه جارى (وليم) وكل منا يُهم بدخول منزله، وبعد السلام أشار إلى إلى صندوق صغير الحجم ملفوف بقطعة قطيفة حمراء وقال لي بتأثر حاول أن يداريه، أن الرماد المسجى في الصندوق ما هو إلا جثة قطتهم التي ذهبت مبكياً على شبابها وفضلوا حرق جثمانها واطلعني على شهادة الوفاة والتي توضح أنه ولي أمرها، وقبل أن يمضى للانضمام لزوجته وابنه لدفن الرفاة في حديقة المنزل الخلفية، كان لابد لي أن ابدى تأثراً بليغاً، وبالطبع تمتمت بكلمات عزاء اجتهدت في نفخ الروح فيها، وأعلم أن وليم لا يعلم أنني قادم من بلد الناس يموتون فيه ”سمبلة“ ومع ذلك لو علم مؤخراً بأن هادينا وراضينا ساق قسماً مُغلظاً بألا يمس أحد الكفرة الفجرة جلد ”كديسة من كدايسنا“، فلا شك أن وليم سيعتقد بأننا فعلاً من سلالة قوم اتعظوا بقول رسولهم أن امرأة قاسية القلب دخلت النار في هرة. وبناءاً عليه لا اعتقد أن أحد القراء الكرام يمكن أن يخطىء في استبطان دواخلي وأنا أرى عيادات ومستشفيات الحيوانات مبثوثة في ارجاء هذا البلد حتى كادت أن تضيق بها على اتساعها!
كذلك لا يخالجني أدني شك في أن ثقافة أهل المشرق والمغرب العربي لا تضع احتراماً للحيوانات الأليفة مثل الكلاب والقطط، ويكفى إستدلالاً وصفهم من يخافهم الرأي أو وجهة النظر بأنه كلب إبن كلب، ولا أظن ان أحداً منهم انتصر للكلب مثلما فعل الشاعر البدوي على بن الجهم الذي وصف الخليفة المتوكل بقوله: أنت كالكلب في حفاظِك للود/ وكالتيس في قراع الخطوب. وهو قول استفز بطانة السلطان الذين ارادوا الفتك به لولا شفاعة الممدوح، وبعد فترة قصيرة تمدن فيها الجهم هال البطانة نفسها أن يكون هو القائل: عيون المها بين الرصافة والجسر/ جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري. ومثله كان أحمد فؤاد نجم أمير شعراء العامية المصرية الذي تمني لنا أن نرتقي مقام ”فوكس“ أو ”كلب الست“ وحكايته مع ”اسماعين“ وقيل أن الست المعنية هي الراحلة أم كلثوم سيدة الغناء العربي: فوكس دا عقبال إملتك/ عنده دستتين خدامين/ يعني مش موجود ف عيلتك/ شخص زيه يا اسماعين/ واسماعين دا يبقى واحد/ م الجماعة الغلبانين/ اللي داخو ف المعاهد/ والمدارس من سنين. إلى أن يقول:والشاويش قعد يغني/ هيِّص يا كلب الست هيِّص/ لك مقامك ف البوليس/ بكرة تتولف وزارة للكلاب/ وياخدوك رئيس.
علماً بأن فوكس ليس من عينة الكلاب التي أرسلت بخصوصها الممثلة الفرنسية المشهورة بيرجيت باردو الرسالة تلو الرسالة للرئيس المصري حسني مبارك، وآخرها ما نشرته فرانس برس 13/5/2007 وطالبته فيها بمنع قتل الكلاب وقالت «سبق وان ناشدتكم منذ سنوات وضع حد لهذه الاساليب الوحشية والمعاناة الكبيرة لكل هذه الكلاب التي تسمم أو تقتل بالرصاص ...أناشدكم ولكنكم حتى لا تكلفون أنفسكم مشقة الرد علىّ». لكن باردو لو أنها مدت بصرها قليلاً جنوب الوادي، لعلمت أننا نعيش في بلد يعج بنوع خاص من الكلاب، كلاب كلما جاء ذكرها وُصِفت بالضالة، بما يعني أن لا أصل لها ولا فصل، بل لا يعلم الناس من أين جاءت؟ ولهذا فهي لا تستدر عاطفة أحد، ولا يستطيع أي أحد أصلاً أن يقترب منها، وإن فعل عكفت ذنبها وكشرت انيابها وتطاير الشرر من عينيها، بل حتى وإن لم يقترب نحوها أي بني آدم فهي أيضاً تفصح لك جهراً عن كونها تضمر شراً في نفسها والويل كل الويل لك من عقباها، فهي تبدو متحفزة دائماً لعض أي يد حتى لو أحسنت اليها، وكلابنا تلك تحب أن تهيم في الشوارع ولا تكف عن النباح ليلا أو نهاراً...قياماً أو قعوداً...سراً أو جهراً، وبلا عجب ليست كسائر الكلاب فهي لا تمنحك احساساً بالحب أو البراءة أو الحنان!
وكنت قد قرأت شعراً جميلاً قبل سنوات طويله لشاعر سوداني سقط أسمه وقصيدته من ذاكرتي، ولم أعد اذكر منها شيئاً سوى البيت الأول الذي يقول:
لو جئت مدينتنا/لوجدت كلاب مدينتنا تنبح/لو جئت مدينتنا/لوجدت إنسان مدينتنا ينبح!
وتراءى لنا في خيال شاطح حال كلاب هبطت بغتةً على قريتنا منذ ما يناهز العقدين من الزمن، وكانت من الضعف والهزال للدرجة التي إن ارادت النباح استندت على الحائط (وهوهوت) ولم يكن أهل قريتنا يعلمون أن فيها انتهازية مفضوحة، فقد مضى عليها حين من الدهر أطعموها فيه قوتهم مناصفة، ثم مضى العام تلو الآخر...اشتد ساعدها فإستقوت عليهم واستحوذت على الطعام كله وبدأت ترمى لهم الفتات، إلى ان أصبحوا ذات يوم ووجدوا أنفسهم وقد أسندوا ظهورهم على الحائط وبدأوا (يهوهون) بينما هي تضحك ملء شدقيها!
ذكر المولي عزّ وجل في كتابه الكريم الكلب في ثلاثة مواقع، وبما أننا أصحاب مشروع حضاري بغض النظر عن ايلولته إلى خواء، فقد عنَّ لنا أن الأوصاف الثلاثة التي برع ربَّ العباد فيها تنطبق إلى حدٍ كبير على كِلابُنا، فأنت تراها دوماً باسطة ذراعيها بالوصيد كما كلب أهل الكهف، وهي كما في السورة الأخري (الأعراف) ظلت في نفس الحال منذ أن وطأت قدميها ارض تلك القرية البائسة (كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) إذ لا يجدي معها الحوار ولا يرق قلبها لقول حتى لو كان بالتي هي أحسن، والمفارقة أن كلابنا نفسها اقتبست من الثقافة الغربية شطراً فهي طبقاً لأمثال تلك الثقافة دائماً ما ”تنبح الشجرة الخطأ“. وقد ذكرني صديق عزيز خبير بأمور الكلاب والاعيبها وقال لي أن في جاهلية العصبة الأولي كانت هناك فئة يسمونها ”بني كلب“ ومهمتها القيام بالمهام الصعبة التي يعُز على ”بني الانسان“ القيام بها. وسواء هولاء أو اولئك هو لا يعلم أنني مصاب أصلاً بداء ”الكلابوفوبيا“ وهو مرض أصابني حينما كنت في ميعة الصبى، يومذاك تقصدني كلب ضال في شارع من شوارع المدينة وكاد أن يفتك بي، ومع انه لم يصبن سوى بخدوش صغيرة إلا أنني خشيت السعر وفضلت ألم أربعة عشر حقنة احاطت بـ ”صرتي“ كما تحيط الكلاب الضالة بفريستها!
يا سادتي كلوا واشربوا وتجشأوا وافرحوا وامرحوا وقروا عيناً... وإن شئتم فيمكنكم أن تحلموا بـ ”كانيلوس“ آخر...فقد يقودنا من الظلمات إلى النور وذلك ليس على الله وعليكم بعزيز!

عن (الأحداث) 28/12/2008
لمطالعة مزيد من مقالات الكاتب يمكن الضغط على الرابط التالي في موقع الجالية السودانية الامريكية بمنطقة واشنطن الكبرى
<http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=ÝÊÍì%20ÇáÖæ&sacdoid=fathi.aldaw>


فتحي الضّـو
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
    هذا هو المقال الأول يا سادتي في العام الميلادي الجديد، والذي تزامن معه أيضاً الاحتفال بعام هجري جديد.. عليه، وبغضِّ النظر عن الاتجاه الذي سيسير فيه المقال، يجدُرُ بنا أدبياً وأخلاقياً ووطنياً في هذه المناسبات الجميلة، أن نزجي التهاني القلبية الحارة، ابتداءً لعموم شعب السودان، ونضيف عليهما مناسبة الاستقلال نفسه، وهي المناسبة الوطنية التي يُفترَضُ أنها كانت بمثابة خاتمةٍ لرحلةٍ مُرهِقة مع ثلاثُ دول، تناوبت على استعمارنا بلا رحمة أو هوادة.. ونخُصُّك بالتهنئة أنت يا عزيزي القارئ، رغم أنك ظللت تُمنِّي النفس العام تلو العام، بالذي يأتي ولا يأتي، وعلماً بأنك لم تزل تدعو للشيء الطبيعي، الذي دأب كل سكان هذا الكون على الدعاء به، والعمل من أجله، فلا خابت أمانيهم، ولا ارتدَّت دعواتهم، ولا تكالبت عليهم الظنون.. ليس لأنهم ازدلفوا إلى المولى عزَّ وجل تقرباً وزلفى بأكثر مما فعلت وتفعلُ أنت، وليس لأن الحظوظ معقودة كالخيل في نواصيهم إلى يوم القيامة، ولكن لأن لهُم أوطان احترمت إنسانيتهم، وقدَّرت كينونتهم، وهيَّأت لهم نفسها من أجل أن يتمتَّعوا بعيشٍ رغِد، وحياة سعيدة.. أوطانٌ منحتهم حقوقهم بيدها اليُمنى، فمنحوها واجباتها باليُسرى!
    احتفلنا هذا العام بمرور ثلاثة وخمسين عاماً على الاستقلال، والملاحظ أن الاحتفال بهذه المناسبة ظلَّ يأخذ طابعاً مُمِلاً ومكروراً، فالوسائط الإعلامية، المقروء منها والمرئي والمسموع، تتبارى في إعادة نشر أو بث موادها، مع إصرارٍ على تكرار ذات الوجوه، دون مراعاة لأي انعكاسات سلبية، تسير في الاتجاه المغاير تماماً لمعاني هذه المناسبة الوطنية السامية. وباستثناء وجهات نظرٍ مكتوبة لبعض المتابعين، أو إن شئت فقُل الموجوعين، فقد ظلَّت تلك الوسائط تتحاشى إثارة السؤال الجوهري، خشية أن يفتح عليهم أبواب جهنم، وهو: «هل حقَّق الاستقلال المعاني والقيم النبيلة، والتي من أجلها تواصلت النضالات، بغية الانفكاك من ربقة المستعمرين الثلاث؟».. لعل النفي، اختصاراً، هو الإجابة الأمينة والصادقة، ذلك لأن الاستقلال السياسي يَعنِي تكريس الديمقراطية لضمان التداول السلمي للسلطة، ويَعنِي ضرورة احترام وصيانة حقوق المواطن، ويعني تحقيق دولة الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية، ويَعنِي تهيئة المناخ للحريات العامة، وتشجيع الدولة لمواطنيها من أجل تلاقح ثقافي وفكري.. والاستقلال السياسي يعني أيضاً أن تكون الدولة نفسها عضواً فاعلاً في المجتمع الدولي، تتضامن مع الآخرين من أجل الحفاظ على الأمن والسلام الدوليين، وتنتهج سياسة خارجية فاعلة وإيجابية لتعزيز مكانتها، في المجالين الإقليمي والدولي.. فهل يستطيع أي كائنٍ كان أن يدَّعي بأن الدولة السودانية الموروثة من الاستعمار انحازت وانتصرت لهذه القيم والمعاني؟
    الواقع يقول إن الدولة السودانية المنكوبة ظلت منذ الاستقلال تعاني عدم استقرار سياسي، وذلك نسبة لانحسار المشروع الوطني الشامل، وغياب الديمقراطية، الأمر الذي أدَّى إلى اضطراب دولاب السلطة، حيث أصبح الحكم أسير ما دُرِجَ على تسميته بـ ”الدائرة الشريرة“.. حكمٌ نيابيٌ ضعيف، يعقُبه انقلابٌ عسكري متسلِّط، يؤدِّي بدوره إلى انتفاضة منقوصة، وهكذا دواليك.. رغم أن العصبة ذوي البأس، اجتهدت في خلخلة هذه المعادلة بإجراءاتها القهرية المعروفة، تحوطاً ضد أي جهة تهدف إلى إزاحتها عن السلطة.. وعلى كلٍٍ، كان من البديهي أن يؤدي غياب الديمقراطية أيضاً إلى تراجع التنمية بشكلٍ عام، واختلالها بين المركز والأقاليم بشكل خاص، لا سيَّما وأن كِبَرُ حجم السودان الجغرافي يُعَدُّ بمثابة نعمة ونقمة في آنٍ معاً، مثلما تراجعت الآمال الجسام، التي كانت تأمل أن ينتج التنوع الثقافي تعايشاً جذاباً، يكون نموذجاً تحتذي به الدول، التي تماثل الواقع السوداني، أو تطابقه.. بَيْدَ أن ذلك تحديداً، جرى على العكس تماماً، وأدَّى إلى حروب متصلة، ظلَّ بعضها يأخذ برقاب بعض، وكان وقودها الاختلافات العقائدية والفوارق الإثنية والتباينات الثقافية، وتمثَّلت المُحصِّلة النهائية، التي تجرَّع المواطنون مرارتها، في تراجع الدور المفترض للدولة السودانية، من دولة رائدة إلى دولة تابعة، ومن دولة مصدِّرة للحلول إلى دولة مستوردة للمشاكل.. وبصورة عامة، يمكن القول أن غياب الديمقراطية أدَّى إلى تهميش اقتصادي كامل، وتقهقر تنموي، وتراجع ثقافي، وتشويه اجتماعي شامل!
    من المفارقات التي تدعو للتأمل، أن الاحتفال بذكرى الاستقلال جاء مصحوباً هذه المرة بالاحتفال بالعيد الرابع والخمسين لتأسيس الجيش السوداني، ومن عجبٍ أن أخرجت الأرض أثقالها، وكشفت عن أسلحة كثيرة ومتنوعة في عرض عسكري، احتفاءً بتلك المناسبة.. وبغضِّ النظر عن أن الظاهرة تُعد من مخلَّفات الحرب الباردة، ولم تعد هناك دولاً تمارسها بتلك الصورة النمطية، بما في ذلك ”العالمثالثية“.. وعليه، يمكن القول أن الظاهرة ”مشاترة“ للأسباب التالية:-
أولاً: بما أن الجيوش تُعَدُّ أصلاً لمواجهة المعتدين، والطامعين في انتهاك سيادة الوطن، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه: «ما جدوى العرض العسكري ونحن نعلم أن الدولة السودانية لا تعيش الآن أي مشاكل حدودية مع أي من دول الجوار التسع أو العشر؟!».. بل يمكن القول إنه عندما تسنَّت لهذا الجيش فرصة استعراض قوته، لمواجهة جيوش توغَّلت حتى العمق، لاذ بثكناته، واحتمى بمظلة بيانات تنضح تهديداً ووعيداً، ثم طافت علينا أزمانٌ استأسدت فيها بغاث الطير، وصارت تقضم في أطراف ذلك البلد الحزين، ما شاء لها الله أن تفعل، ليس لأنه ”حدَّادي مدَّادي“ كما يقولون، ولكن لأنها تعلم أن جيشه من الوداعة بمكان، بحيث يمكن أن يميط لها الأذى عن الطريق، إن قرَّرت في لحظة طيش الوصول إلى مُقرَن النيلين.
ثانياً: الذي نعرفه أن الدولة السودانية في حالة حرب سياسية وقانونية -إن جاز التعبير- مع المحكمة الجنائية الدولية، أو الدول التي تشُدُّ من أزرها، وعليه يكون إظهار القوة العسكرية، بالصورة التي تمَّت، هو في التقدير تصويب خارج ”العارضة“، ولا يُعتقد بأنه يمكن أن يكون له مردودٌ إيجابي، في خضم تلك المعركة غير المرئية.
ثالثاً: الواقع أن الجيش السوداني يعدُّ ثاني ثلاثة مِمَّن يمكن تحميلهم مسؤولية عدم الاستقرار السياسي الذي ذكرنا، وقد ظلَّ يلعب هذا الدور البئيس معظم سنوات ما بعد الاستقلال، وسِيَّان إن اتخذه السياسيون السودانيون مطيَّة لتحقيق مآربهم السلطوية، أو من خلال طموحات بعض ضبَّاطه الميامين.. وعليه، فثمَّة جروحٍ في حاجة لإبراء، وغالب الظن أن العرض العسكري لن يساعد على تضميدها، إن لم يكن عَمِلَ على تغويرها في الأصل.
رابعاً: ترسَّخ في ذهن المواطن، المغلوب على أمره، أن الجيش بعُدَّته وعتاده، وفي غياب الهدف الذي من أجله تأسَّس، ظلَّ في حالة حرب أهلية مع مواطنيه، وبمبرِّرات مختلفة، وكأني باستعراض القوة بالصورة التي تمَّت، أُريد به توجيه رسالة مضمونها: إيَّاك أعني -أي المواطن- ”واسمعي يا جارة“!
    المحزن في تراجيديا الدولة السودانية، إننا نحتفل بثلاثة وخمسين عاماً من الاستقلال، لكننا نتعامى في الوقت نفسه عن ظاهرة الأنظمة الشمولية العسكرية، التي استغلت ما مجموعه اثنان وأربعون عاماً من تلك الحصيلة.. بل حتى هذه، كان للعصبة أولي البأس نصيب وافر منها، حيث استحوذوا على ما يقارب نصفها منفردين، ولم تحظ الحكومات البرلمانية إلا بإحدى عشر عاماً، واختصت الفترتان الانتقاليتان بالعامين المتبقيين، ففيم الاحتفال إذاً يا سادة، طالما إننا نعلم أن الأنظمة الشمولية تخصَّصت في ”كسر“ الشخصية السودانية، في حين أن الاستقلال دعاها لأن تنهض وترفع رأسها عالياً خفاقاً، كما رايته نفسها؟! فيم الاحتفال وثلثا عمر الاستقلال استغلَّته أنظمة القهر والسوء، لخلخلة القيم الأخلاقية والوطنية للشخصية السودانية، التي جاء الاستقلال من أجل رفعتها وتقدمها وازدهارها؟!  فيم الاحتفال، وتلك الأنظمة الخبيثة جعلت للإفساد سُنَنٍ، وللفساد فرائِض.. توارت الفضيلة حينما عَمَّ الفقر، ولم تعُد الرشوة عيباً، ولا الكذب مذمَّة، وبتنا نعيشُ في زمنٍ أصبح فيه الصدقُ سلعة بائرة، والنفاق مطيَّة لتحقيق منافع شخصية، والتديُّن مظهراً يبتغي رياء الناس؟!
    إن السلام كلٌ لا يتجزَّأ، فلا معنى لسلامٍ جاء بعد توقف حرب الجنوب، طالما أن الحرب نفسها تدور رحاها الآن في دارفور.. وقلنا من قبل، إن الحرب التي توقفت في جنوب البلاد لم يشعر المواطن السوداني بمردودها المعنوي، لأنها تحوَّلت إلى حرب باردة بين شريكين ظلا في حالة تشاكس مستمر، وكأنهما لا يعلمان أن للسلام ثقافة أخرى، تستلزم قدراً وافراً من المصداقية والإخلاص والشفافية، وأن السلام إذا لم يتحوَّل لمعاني يستنشقها المواطن مع الهواء، ويشربها مع الماء، سيظل هدير المدافع مخيِّماً فوق رأسه، وأزيز الطائرات جاثماً على صدره.. لهذا، لا غروَّ إن جاء الاحتفال كئيباً ومفتعلاً، طالما أن في هذا الوطن عضو يشكو الحرب والحمى!! ليس ذلك فحسب، بل من عجبٍٍ أن الاحتفال بذكرى الاستقلال جاءت في زمن تفاقمت فيه المشاكل، واستفحلت المخاطر المحدقة بالوطن كله، للدرجة التي بات فيها المرء يتحسس جسده كلما أصبح عليه صبح جديد!
    كانت الحرب في الجنوب بعمر الاستقلال نفسه، واندلعت الحرب في دارفور، وفي غضون خمسة سنوات استلفتت أنظار العالم كله، وجاءها من أقصى الدنيا رؤساء ووزراء ومسئولين، يعجز المرء عن حصرهم، وخصَّتها الهيئة الأممية بما يناهز العشرين قراراً، في حين أن مشاكل أكثر مأساة منها لم تنل نصف ما نالت من الاهتمام.. ومع ذلك، عزَّ علينا نحن استشعارها.. عزَّ علينا الإحساس بمشاعر آلاف القابعين في معسكرات الذلِّ والهوان.. أيُ جيلٍ سيولدُ من مسامات تلك الخيام؟  بل حتى لو توقفت هذه الحرب، هل يمكن لأحدنا أن يتخيَّل ما يمكن أن يضمره طفلٌ عاش تلك الحياة المريرة، بلا غذاء أو دواء أو كساء، ناهيك عن مقعد دراسة؟!  إننا في حاجة لأن نُحِسُّ بوجودنا معاً في هذه البقعة المسماة السودان، قبل أن نحتفل بتلك الصور الزائفة والمخادعة!
    اللهُمَّ نسألك يا ذا الجلال والإكرام... يا حنَّان ويا منَّان ويا واهب الحياة والردى... أنْعِم على هذا الشعب الصابر بسلامٍ حقيقي، وديمقراطية مبرَّأة من العيوب، واسبِغْ عليه الأمن والاستقرار والطمأنينة، بقدر تحمُّله لخيبات حكوماته الوطنية، وقياداته السياسية.. نسألك تعالى أن تهل عليه المناسبات القادمة وقد تخلَّص من كل مُدَّعٍ شيَّع بأنك فوَّضته ليكون ظِلُّك في الأرض، ومن كل مُعتدٍ هبط عليه في الهزيع الأول من الليل حاملاً أجندة ثيوقراطية، وعلى كل من تجبَّر ومشى بين الناس في خيلاء، وعلى كل من تكبَّر وظنَّ أنك أورثته الأرض، يتبوأ منها حيث يشاء، وعلى كل آثمٍ سامَ الناس العذاب دونما وجه حق، وحبس نفوساً بريئة دونما مسوغ، وسفك دماءً عزيزةً في الأشهر الحُرُم.. اللهم أذلَّ من أكل أموال الناس بالباطل، واجعل من كان السُحْت غاية همَّه، والفساد هوايته، كعصف مأكول، وانزل سَوط عذابك على الذين يُراءون، ويمنعون الماعون، وأخسف بالأرض من تجسَّس ومن تحسَّس ومن روَّع عبادك الآمنين.. اللهم يا من كان قولك الحق، قلت أنك سترينا آياتك في الآفاق وفي أنفسهم، وقد بشَّرت عبادك الذين لم يقنطوا من رحمتك، بأن بعد كل عُسرٍ يُسرا!
    يا سادتي.. هل تعلمون أن الفرق بين الاسْتِقْلال والاسْتِغْلال.. نقطة دم؟!
تنوية: هذا المقال كان من المفترض نشره اليوم كالمعتاد في صحيفة (الأحداث) لكن قررت الأجهزة الأمنية حجبه عن النشر، والكاتب يأمل في قارئه توزيعه بشكل واسع كوسيلة لهزيمة مشروع الظلاميين
وللكاتب مقالات أخر في موقع الجالية السودانية الأمريكية بمنطقة واشنطن الكبري على الرابط التالي
<http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=ÝÊÍì%20ÇáÖæ&sacdoid=fathi.aldaw>


فتحي الضّـو
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الاسبوع الماضي كنت في عيادة صديقي وطبيب الأسرة دكتور (ع) لإجراء فحوصات طبية دورية، وطبيبي وصديقي هذا جمع بين ثلاثة (جنسيات) أو هويات إن شئت، فهو أمريكي وكولومبي من أصل فلسطيني، أى أنه وُلد في كولومبيا لأبويين فلسطينين...ثمَّ نشأ وترعرع فيها ودرس حتى الجامعة وبعدها هاجر إلى أمريكا ليتخصص في مجاله، وطِبقاً للقانون فقد نال الجنسية الأمريكية والتي تسمح بالتعدد حتى وإن خاف حاملها ألا يعدل! وبالطبع فهو يتحدث الانجليزية والاسبانية والعربية، والأخيرة هذه هالني أنه حافظ عليها رغم كونه لم يعش في وطنه المنكوب، ولكن من حسن حظي فقد وجدت معه في العيادة والده السيد (ح) الذي تعرَّفت عليه للمرة الأولي، وقال لي إنه هاجر لكولمبيا أواخر الأربعينيات من القرن الماضي...في رحلة شاقة سرد علىّ تفاصيلها كأنه خاضها بالأمس القريب، وهو أيضاً على الرغم من أنه قضى أكثر من ستة عقود زمنية في كولمبيا إلا أنه ما يزال ينطق اللغة بلسان عربي مبين، ليس هذا فحسب بل بلهجة موغلة في اللغة العامية الفلسطينية...الأمر الذي حدا بي أن استوقفه في كلمة خرجت من بين صدغيه بعفوية جميلة، وجاءت في سياق سؤالي له عن الكيفية التي إحتفظ بها هو وابنه بلغتهم الأم، فقال لي إختصاراً أنه حرص وتحت وطأة كل الظروف ألا يغيب وأسرته عن زيارة بلدهم فلسطين، وأضاف «لذلك شيدت داراً في (واطاتي) هناك» وما أن سمعت هذه الكلمة حتى شعرت أن شيئاً ما تزلزل في كياني، وقلت له رغم أنها كلمة فصيحة لغوياً إلا أنني لا أخال أن ثمة ثالث من الناطقين بها يشاركنا سرائها رغم كثرة الذين يشاركوننا ضرائها في العالم، وتذكرت قولاً مأثوراً للمفكر الفرنسي جان جاك روسو «بدأ الشر في العالم حين وضع أول إنسان علامة على قطعة أرض وقال هذه ملكي»...إذاً لقد كانت الكلمة كفيلة بالاجابة على سؤالي!
واصلت الحديث مع دكتور (ع) وظلَّ والده مستمعاً يشاركنا الرأى من حين لآخر، وكان من البديهي أن نتطرق للمأساة التي تدور فصولها الدرامية منذ نحو اسبوعين في قطاع غزَّة، ومن البديهي أن أفصح في حديثي عن عواطف مشبوبة تفجرت أنهارا...كأنني استعرت منه مهنته لتطبيب جراحه، ورغم ذلك كنت أدرك تماماً انني مهما بالغت في إظهار مشاعري فلن أرقى لمستوى ما يشعر به صديقي، ذلك استناداً إلى حكمة جسدها الشاعر في قوله ”لا يعرف الشوق إلا من يُكابده ولا الصبابة إلا من يُعانينها“ وجسدناها نحن أيضاً في ثقافتنا الشعبية بِمثلٍ أقرَّ أن ”الجمرة لا تحرق سوى الوَاطِّيها“. لكن صديقي فاجاني بإنحيازه لصوت العقل وقال لى كأنه يزيد في مهنته بتشخيص إنكسارات هذه الأمة النفسية: إن حواراً جرى بينه وبين صديق له قبل عُدة أيام، وكان الأخير هذا قد تنازعته مشاعر شتى وهو يرى مسلسل القتل الممنهج والدمار مع سبق الاصرار في غزَّة، وفي الوقت نفسه قال له أنه يشعر بالعجز لأن بينه وغزَّة بِيدٌ دونها بِيدُ. وأضاف أنه مبهور بالمظاهرات التي خرجت في العالم العربي وتمنى لو أنه كان هناك...وسمى له بلداً بعينها باعتبار أن أهلها ثواراً لا يُشق لهم غبار، ينظمون المظاهرة في طرفة عين وتؤكد أجهزة إعلام نظامهم على أنها خرجت بصورة عفوية. عقَّب عليه طبيبنا معاً بأنه يعتقد أن تلك المظاهرات حالة طارئة قد تصلح في التنفيس عن مكبوتات القهر التي يشعر بها المتظاهرون ولكنها لن تغير واقع من تظاهروا لأجلهم، وأضاف بأنه لو أحسن الواحد منهم تربية أبنائه وتفانى في هذه المهمة المقدسة فإنه سيكون أنفع وأجدى لوطنه، فلربما خرج من صُلبِه المُخلِّص الذي يمكن أن تكون نهاية آلام شعبه على يده!
ثمَّ تفرق بنا الحديث شرحاً وتبياناً في كيفية التفاني في الرسالة المقدسة، مصحوباً برؤيته في دعمٍ مُجدٍ بعيداً عن الممارسات الغوغائية، وحتى لا يُشكك السامع فيما قال زاد بالتأكيد على أن ذلك لا يعني الانتظار حتى يكمل المرء منهم تلك الرسالة، فثمة طرق أخرى يمكن أن تساعد في التفاعل والانفعال مع القضية الوطنية والانسانية ومؤازرة شعبهم ومحاربة عدوهم التاريخي أكثر من مظاهرات دعائية...هي كالزبد تذهب جفاءً بمجرد انحسار الموج الاعلامي عنها. وهو حديث قد يبدو للذين أدمنوا السير في مظاهرات التنديد والوعيد والاستنكار أن فيها شىء من العجز والتخذيل وتثبيط الهمم، لكن الواقع أن قوله هذا ينطوى على حكمة لربما استلهمها من الأرض التي ألهمت غارسيا ماركيز الأدب والحب والتمرد، وتعضيداً لوجهة نظره تلك نقول: ضع يا قارئي الكريم إسرائيل وغطرستها وعربدتها وممارساتها اللا إنسانية جانباً، فذلك مما ليس فيه جديد منذ وعد بلفور وحتى وعد أصحاب اللحى الطويلة والجلاليب القصيرة، فهؤلاء تحديداً هم من أيقظ الفتنة النائمة بصواريخ قال عنها أحد الكتاب الواقعيين من بني يعرب «إنها مجرد العاب نارية» أي لا أرضاً وصلت ولا بشراً أصابت، بل الأنكى والأمرْ أنهم أقدموا على ذلك الفعل وبعد أن رأوا الردود اندسوا وسط المواطنين الأبرياء كأنهم شاءوا أن يتخذونهم دروعاً بشرية، كما أنهم حينما ايقظوا الفتنة لم يركنوا للمرجعية الدينية التي يقولون أنها منها ينهلون، اليست تلك المرجعية هي التي أكدت أن إعداد القوة ورباط الخيل أمر رباني يجب اتباعه قبل الاقدام على مواجهة العدو؟ وعليه فمن يفعل غير ذلك فإنه حينئذِ يكون ربيب حماقة أعجزت من يداويها! ولكن من ذا الذي يبلغ عنّا قوم موسي وهو يتجادلون في لون وماهية البقرة بينما دماء الأطفال والنساء والشيوخ تفجرت ينابيعاً!
ذلك ليس تبريراً للعدوان بقدر ما هو إزاحة القناع عن الوجوه المستترة، والتي تسببت في إيذاء مواطنيها وأمتها بممارسات وأفعال صبيانية متهورة. إذ ليست هذه هي المرة الأولي في التاريخ التي يتعرض فيها الفلسطينون لإبادة تحت مرأي وسمع العالم كله، وليست هذه المرة الأولى في التاريخ التي تُصُم فيها معظم حكومات العالم أُذنيها وتغمض عينيها عن ما يجرى للفلسطينين، وليست هذه المرة الأولي في التاريخ التي تنحاز فيها الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا لإسرائيل بدعوى حماية مواطنيها من (الألعاب النارية) التي تطلقها حماس على مستوطناتهم...فكلنا يعلم هذه المُسلمات ويعيها تماماً ويعي أكثر لغة المصالح التي طففت موازين العقل وأخلت بحسابات المنطق. ولكن رغم ذلك يريدون منَّا أن لا نكِر البصر مرتين، ولا أن نتمعن في تلك الصورة المقلوبة بعقل مفتوح وذهن واعٍ، ولا أن نتدبر طرقاً أنجع حلاً وأعمق أثراً في التجاوب الواقعي مع هذه المحنة، ولا أن نخترق بديهياتهم بمنطق يُغير المعادلات لصالح الحق والانسانية! وتزداد الطلاسم إبهاماً والخرافات تعتيماً أنهم عوضاً عن ذلك يريدون منك أيها المستغفل دوماً أن تظل كما أبا الهول شاخصاً بصرك في الآفاق تبحث عن شىء يقع تحت قدميك!
في الكفة الأخرى نعلم جميعاً أنها ليست المرة الأولى في التاريخ التي تُنظم فيها العواصم الثائرة المظاهرات التي يتقدمها أصحاب الحناجر الراعدة، كما أنها ليست المرة الأولي في التاريخ التي نعلم فيها أن تلك الشعارات الطنانة لم تقتل ذبابة ولم تزح باطلاً تمترس خلف حق، ومع ذلك يريدون منك أن تستمر في تلك الكرنفالات البلهاء...ليس حُباً في الضحايا ولا بُغضاً في الجلاد، ولكن لأنها تغطى عورات أنظمتهم، فإستمرارية الظاهرة من جهة ستصرفهم عن مساءلاتها عن التزاماتها حول قضاياهم ولو إلى حين، ومن جهة أخرى فإن بطانتها يُسيل لعابهم من أجل ممارسة هواياتهم في جمع أموال السحت من وراء كل تظاهرة. قلت لصديقي الطبيب هل تعلم ما الذي سيؤول إليه مصير مواطنو تلك البلدان الثائرة إن خرجوا في تظاهرة تضامناً مع مأسأة تجرى على مرمى حجر منهم ناهيك عن غزّة التي بينهم وبينها بحور ونذور وهويات مزدوجة؟ قلت له أنت تعلم يا سيدي أن غياب الديمقراطية في البلدان التي تدَّعي تعاطفاً مع القضية الفلسطينية هو سبب أساسي لتمادى إسرائيل في تجاوزاتها وإنتهاكاتها القانون الدولي والأعراف الانسانية، فهي تعلم مسبقاً أن غاية رد الفعل لأي عمل إجرامي تقوم به لن يخرج عن نطاق مظاهرات جوفاء على المستوى الشعبي وبيانات شجب واستنكار على المستوى الرسمي، فلو أن هناك حرية رأي تحت مظلة نظام ديمقراطي لكان بمقدور الجموع المتظاهرة توجيه أصابع المسؤولية لأنظمة السوء قبل أن توجه اللوم والعتاب لإسرائيل، ولو كانت الديمقراطية خياراً أوحداً لكانت تلك الأنظمة قد نفَّذت رغبات شعوبها بأكثر من تظاهرات تخرج كفقاعات الهواء، ولو كانت الديمقراطية واقعاً معاشاً في البلدان الثائرة لكانت إسرائيل نفسها فكرت مليون مرة قبل أن تقدم على أي فعلة نكراء، ولو كانت الديمقراطية منهجاً مُتبعاً لما تزرعت حماس وأخذتها العزة بالاثم في إنابة نفسها عن الشعب الفلسطيني والزج به في معركة لا تملك من مقوماتها العسكرية والسياسية والدبلوماسية حبة خردل!
على الرغم من أن شر البلية ما يضحك، فقد أدهشتني سيدة رأيتها على شاشة قناتنا التي قلت عنها من قبل...إن نصابك الوطني لن يكتمل إلا بمشاهدتها، المهم أن تلك السيدة أصابت حين أخطأت إذ كانت وسط ثُلة ممن إنفعلن وتفاعلن بالذهب والفضة والدنانير المكدسة، فقالت بعين باكية وصوت متهدج «إننا من هذا الموقع نطالب بفتح المنابر» وهى بالطبع تقصد (المعابر) التي أوصدها ذوي القربي، ولكني رأيت أن خطئها أكثر صدقاً ووقعاً على النفس الظامئة لنفحة ديمقراطية، أو ربما أنها لم تخطىء وكانت تقصد من حيث تدري أن العِلة في غياب الديمقراطية - كما ذكرنا - في البلدان التي تدَّعي البابوية أكثر من البابا...وليست في إسرائيل!
إن كان ثمة قاعدة فقهية تقول إن «المساواة في الظلم عدل» إذاً فمن باب أولى نقول أن المشاعر الانسانية كلٌ لا يتجزأ، ولذا فإن قيض الله لك أن تعاطفاً مع أهل غزَّة فبالقدر نفسه يجب أن تتعاطف مع كل ظلم يجرى أمام عينيك، وإلا كان ما تقوم به تدليساً ونفاقاً وخداعاً للذات قبل أن يكون خداع للآخرين! إن الذين ذرفوا الدموع ورددوا الشعارات ونظموا المظاهرات وجمعوا الدعم لأهل غزَّة عليهم أن يفعلوا الشىء نفسه بل أكثر منه في مآسٍ تجرى فصولها تحت سمعهم وبصرهم، بل مطالبون بأن يفعلوا أكثر مما فعلوا مع أهل غزَّة لأن ما يجري في غزّة هو بين شعب وعدو محتل تلك شيمته، في حين أن ما يجري في بلدانهم هو ظلم ذوي القربى الأشد مرارة من وقع القاذفات الاسرائيلية! وإن بسطوا أيديهم عليهم أن يتصالحوا مع أنفسهم وواقعهم ويمدوا أبصارهم لملايين النازحين في معسكرات الذُل والهوان، أولئك الذين يتلقون ذات الاغاثات من المنظمات الأجنبية ولربما من بينها منظمات إسرائيلية المنشأ والتمويل، عليهم أن يسكبوا نفس الدموع إن حصدت بندقية رعناء أرواح أبرياء كما حدث في معسكر (كالما)...عليهم أن ينظموا ذات مظاهرات الاستنكار ويرددوا الشعارات التي تدين المعتدي...حتى وإن لم تجدِ فتيلاً!
لنكون أكثر واقعية وصراحة فقد كانت لدينا حرب بالأمس في الجنوب راح ضحيتها أكثر من مليوني شخص واغلبهم أبرياء من غير المتقاتلين من الجيشين، وظلت تلك الحرب اللعينة تفرز سمومها على مدى قرابة نصف قرن متصلة حيناً ومتقطعة أحياناً، ونسبة للبعد الجغرافي وأشياء أخرى لم يستشعر مأساتها غالبية أهل السودان، ولكنهم إستشعروها حقاً بعد أن خرجت صيحات الثواكل من كل بيت...أي حينما أججتها العصبة ذوي البأس بأجندة ثيوقراطية...وتأتي عن ذلك فرض أجندة السلام فرضاً. وإن كانت المأساة بالمأساة تُقارن نقول يا كرام...نحن في حاجة إنسانية مُلِحة لإستشعار حرب دارفور أولاً كخطوة أولى لإيقافها ثانياً، ودون ذلك يصبح التنوع في التعدد الذي نتشدق به محض هراء، والوطنية التي نتلو آياتها آناء الليل وأطراف النهار مجرد  شعار أجوف، والتعاطف الذي يملأ الآفاق ألان مع أهل غزَّة إزدواجية في المعايير...خصماً عليهم وربحاً لإسرائيل...فاعتبروا يا أُولي الألباب من الذين رفعوا قميص عثمان!!

عن صحيفة (الأحداث) 11/1/2009
توجد مقالات أخرى على رابط الجالية السودانية الأمريكية بمنطقة واشنطن الكبرى
<http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=ÝÊÍì%20ÇáÖæ&sacdoid=fathi.aldaw>
مع تحيات الكاتب