فتحي الضو


فتحي الضّـو
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. <mailto:عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.>

لا أدري من القائل ”اللهم احمني من أصدقائي أما أعدائي فأنا كفيل بهم“ على الرغم من أنه لا يَعنيني من هو بقدر ما يُعنيني قوله المأثور، والذي يتسق تماماً مع ما نحن بصدده في هذا المقال، وأيضاً أنشدنا فيه شاعر قديم بيتاً من الشعر أصبح بمثابة (مُرشد) في العلاقات الانسانية والتعامل الأخلاقي (لا تنه عن خُلق وتأتي بمثله...عار عليك إذا فعلت عظيم) ومن هذا المنطلق لن نتوانى لحظة في تعرية ممارسات نعتقد أنها سالبة ومُضرة ومُؤذية، تصدر عن بعضٍ يُفترض أنهم يقومون بذات التعرية لنظام الجبهة الاسلاموية...حتى وإن كُنَّا نناصبها العداء معاً، وبغض النظر إن كانت تعريتنا هذه ستخدم اجندة الشيطان أم الملائكة طالما أن الوطن يَعلُّو ولا يُعلَّى عليه، بل لن نأسى إن اتسعت دائرة من نعارضهم، لأنهم لن يرهقونا من أمرنا نصباً. فالهدف اننا نطمح إلى حكم ديمقراطي راشد مبرأ من العيوب السياسية وخالٍ من الفساد الاخلاقي ومحصن بالحرية والشفافية وحقوق الانسان، وفي سبيل الوصول لهذه الغاية النبيلة فليقل لنا حكيم هذا الزمان كيف يمكن أن نوقف دوران هذه الدائرة الشريرة منذ أكثر من نصف قرن، والتي تنقلنا من ديكتاتورية إلى ثورة شعبية إلى ديمقراطية وتعيدنا سيرتنا الأولي للديكتاتورية نفسها... كيف يا سادتي إذا لم نجرؤ إلى فتح صندوق (الباندورا) السودانية!
نبدأ من حيث توقفنا قبل نحو ثلاثة أسابيع في المقال الذي كتبناه في هذه الصحيفة (الأحداث 21/9/2008) تعليقاً على ما أثاره الصديق الاستاذ مصطفي البطل في مقالتيه اللتين أثار فيهما ما يمكن تسميته بـ (أنشطة باطنية) في منظمات المجتمع المدني، وأعقبها بتساؤلات تنطوى على إتهامات صريحة بتجاوزات ماليه، وإنتخب منهم تحديداً المنظمة السودانية لضحايا التعذيب وما زال السجال يدور في رحاها، ثم المنظمة السودانية لحقوق الانسان فرع القاهرة والتي صَّوبنا نحوها مقالنا الماضي من زاوية إلمامنا بخلفيتها التأسيسية، في حين أرجأنا الحديث عن الأولى ريثما تكتمل الحيثيات التي تُدين أو تُبرىء المتخاصمين، ولا شك اننا نهدف من وراء ذلك إلى إحقاق الحق وضحد الأباطيل، وقلنا أن تلك قضية لن يجف مِدادها ولن تُطوى صُحفها إلا بعد إكتمال فصولها، فما أسوأ أن تكون بريئاً وسياط خطايا لم ترتكبها تُلهب ظهرك بلا رحمة، وما أقبح أن تكون مذنباً وتعيش ذئباً يرتع مختالاً وسط حملان وديعة ويضمر لها السوء في نفسه!
المقال السابق المذكور ختمناه بطلب متواضع وجهناه للدكتور محجوب التيجاني رئيس المنظمة السودانية لحقوق الانسان/ فرع القاهرة بإعتباره (القيادة المفوضة بالخارج) على حد زعمه، وقلنا نيابة عن المكلومين أنه طالما تبرع وردّ على سؤال لم يسأله عنه أحد «إن ميزانية المنظمة تراجع في انتظام من المانحين ومحاسبوها» عليه نرى من حقنا معرفة هذه الميزانية، والاطلاع على تفاصيل الوارد والمنصرف منذ بداية الألفية الجديدة على الأقل ووفق الأسس المحاسبية والرقابية المتعارف عليها، ذلك لأننا كنا نعتقد (توهماً) أن المنظمة شُيِّعت إلى مثواها الأخير منذ أن إلتقي في مقهي (جروبي) بوسط القاهرة أربعة هم كل ما تبقي من مجلس أمنائها، والذين قرروا بدورهم الامتثال لأمر صدر عن السلطات المصرية طالبتهم فيه بإغلاق أبواب المنظمة ومنحتهم 24 ساعة مهلة واجبة التنفيذ، لكن المنظمة التي إفترضنا أنها ذهبت مع الريح، ظهرت كطائر الفينيق من رماد محنتنا، وتمددت في مسامات خيبتنا، وأسري الله بعبده رئيس المنظمة من الشرق الأدني إلى المحيط الأقصى ليواصل رسالته الانسانية لما يناهز العقدين من الزمن، لم يكترث فيهما لا بتغير الأمكنة ولا تبدل الأزمنة!
وبما أن رئيس المنظمة لم يستجب لطلبنا البسيط فإننا مضطرون في هذه الحالة أن ننشر بشفافية مطلقة الدعم الذي ورد للمنظمة من مانح واحد فقط لا غير، بدءً من العام الذي يفترض أن تكون المنظمة ذابت فيه في الظلام وحتى العام الحالي، بأمل أن يُحفِّز ذلك (القيادة المفوضة في الخارج) وتبادر بإطلاعنا على مصادر صرفه، وكنا قد إستسهلنا في مقالنا السابق سُبل الحصول على هذه المعلومات، وقلنا إننا لن نضرب لها أكباد الأبل فبضع دقائق معدودات أمام جهاز الحاسوب (الكمبيوتر) كفيلة بجعل العالم كله يدخل بيتك الصغير، بيد أنه حدث توارد خواطر عجيب وقع فيه حافرنا على حافر شيخ الصحفيين السودانيين في المهجر الزميل محمد على صالح فقد قام بدوره بزيارة موقع المنظمة المذكورة بحثاً عن الدعم الذي تقدمه لمنظمات المجتمع المدني، ووجد ضالته وضمنها مقال رصين، ولكن كالعهد بكتاباته لم يدل برأي شخصي فيما وجد وإكتفى بإعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر، ومن أراد الاستزادة عليه أن ينظر مقاله المذكور في موقع الجالية السودانية بمنطقة واشنطن الكبرى www.sacdo.com <http://www.sacdo.com> ولن يغادره خائباً! وفي الواقع يسهل الوصول لمبتغاك دوماً على الشبكة، طالما أن القانون يُلزم كل المنظمات الأمريكية بنشر وثائقها بما في ذلك المحاسبية، إحتراماً لدافع ضرائب يمنح بيمينه ما لا تدري يساره!
قام الصندوق الوطني لدعم الديمقراطيةNational Endowment For Democracy  بتقديم منح مالية في العام 2007 لنحو 22 منظمة سودانية بلغت في مجملها مليون دولار، لكن الصندوق دأب على تقديم هذه المنح سنوياً منذ العام 2000 ومن بين المنظمات المدعومة سجلت المنظمة السودانية لحقوق الانسان فرع القاهرة رقماً قياسياً حيث كانت (ضيفاً) دائماً منذ البداية التي تزامنت مع قرار السلطات المصرية وحتى تاريخه، وبلغ إجمالي الدعم الذي تلقته في الفترة المشار إليها أكثر من نصف مليون دولار، جاءت تفاصيلها كالتالي بترتيب سنوي تنازلي: في العام 2007 إستلمت 95 ألف دولار، وفي العام 2006 منحت 100 ألف دولار، وفي العام 2005 وصلها 79 ألف و886 دولار، وفي العام  2004 بلغ نصيبها 100 ألف دولار، وفي العام 2003 كان كذلك 100 ألف دولار، وفي العام 2002 غاب الدعم لأسباب غير مذكورة، وفي العام 2001 إستلمت 60 ألف دولار وفي العام 2000 بلغ 50 ألف دولار. ويُذكر أن كل المنظمات المدعومة تتواجد داخل السودان، رغم ذلك عزَّ علينا معرفة معظمها ونحن من يزعم أنه يتابع دبيب النمل!
دعونا نُفصِّل هذا الشأن قليلاً بإستعراض أسماء المدعومين منذ أن بدأوا يتلقونه في العام 2000 فالصندوق كما ذكرنا قدم دعماً لبعضهم وقد ظلَّ هذا الدعم ثابتاً كما هو حال المنظمة السودانية لحقوق الانسان فرع القاهرة، إلى جانب مركزين ينشطان في جنوب البلاد هما كوتو الثقافي ومركز التوثيق الاعلامي، وفي جبال النوبة مركز بادية للتنمية وجمعية المتعاونات الخيرية التي تعمل وسط نساء السودان بتركيز في العاصمة المثلثة، في حين أن الملاحظ أيضاً أن عدد هذه المنظمات ظلَّ في تزايدٍ بصورة تصاعدية عدا عام واحد، فمثلاً في العام 2000 كان عدد المدعومين 10 منظمات، وفي العام الذي تلاه كانوا 11 ثم 13 ثم 15 ثم 17 وإنخفض إلى 8 في العام 2005 وإرتفع لرقم قياسي في العام التالي 2006 ووصل إلى 23 وفي العام الماضي 2007 بلغ 22 منظمة، كما أن مُدد المدعومين أنفسهم تفاوتت، فهناك من دُعم مرة واحدة ولم يظهر أسمه مرة أخري وما أكثرهم، وهناك من دُعم مُثني كالمنظمة السودانية لمناهضة التعذيب (سوات) ومعهد النيل للدراسات الاستراتيجية، وآخرين ثلاث مثل مؤسسة السودان التعاونية، وبعضهم رباع مثل مركز المرأة للأبحاث والتدريب، وهناك من دعم خماس كمركز الدراسات السودانية وصحيفة خرطوم مونتير ومنظمة بابكر بدري العلمية لدراسات المرأة، في حين تلقَّت سودان ديمقراتيك جازيت (بونا ملوال) دعماً مرتين، ومركز محمد عمر بشير مرة واحدة، ويلاحظ أيضاً أن جميع المدعومين ينشطون داخل السودان، عدا المنظمة السودانية لحقوق الانسان التي تعمل بصورة (شبحية) من القاهرة، ويقيم رئيسها فعلياً في الولايات المتحدة الأمريكية، وقال في رده على الزميل البطل أن محمد حسن داؤد هو أمينها العام ويقيم في كندا، فمن ذا الذي يمُد لنا يد العون في حل هذه (الغلوتية) التي عِجزت تكنلوجيا المانحين عن إصطيادها، لأنهم فيما يبدو قوم صديقين لو قلت لهم أن قيامة هذه الأمة ستزف غداً، لقالوا لك سمعاً وطاعةً يا أخ الانسانية!
حتى تكتمل الصورة لدى القارىء حرى بنا تمليكه تعريفاً مختصراً بالصندوق الوطني لدعم الديمقراطية، وذلك بحسب موقعه على الشبكة، ونسأل كل من لديه وقت ويريد التحري مما كتبنا أو يزيد أن يزوره في www.ned.org <http://www.ned.org> فهو قد تأسس في العام 1983 في عهد الرئيس رونالد ريغان للحد من النشاط والتمدد الشيوعي في دول العالم الثالث، وبعد إنهيار الاتحاد السوفيتي ومنظومة الدول الاشتراكية، تحولت أهدافه نحو نشر الديمقراطية في العالم الثالث وذلك من خلال دعم المنظمات والمراكز والمؤسسات وكل من يبشر بهذه الأنموذج المثالي، وقد خصصت له الحكومة الأمريكية (الفيدرالية) بإشراف مجلس النواب (الكونجرس) ميزانية سنوية تقدر بنحو 40 مليون دولار ويعتبر منظمة شبه حكومية، ويقدم دعمه لأكثر من مائة بلد في أوربا وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ولمئات المنظمات والمراكز والمؤسسات ويرأسه منذ تأسيسه كارل جريشمان وهو من المحافظين اليمنيين، ويحصر الصندوق شروطه بالنسبة للمدعومين في ضرورة توعية الناس بالديمقراطية، ومراقبة الانتخابات الحرة ونشر الوعي الانتخابي، ومكافحة إنتهاكات حقوق الانسان وتشجيع سياسات إقتصاديات السوق الحر، ومع ذلك ظل الصندوق يُنتقد بإستمرار من قبل ناشطين سياسيين وحقوقيين وكتاب بزعمهم أنه يتدخل في سياسات دول العالم الثالث وينحاز لقيم ومبادىء بأجندة قد لا تتفق مع طبيعة وثقافات تلك البلدان، مثلما أنه لم يسلم من انتقاد الحكومات والأنظمة التي يدعم معارضيها، في حين أن القائمين على أنشطته يبررون الدعم والانحياز بذريعة أن الديمقراطية وحقوق الانسان قضايا كونية ليست حكراً على أحد!
صفوة القول بعد هذه السياحة الشاملة غير الممتعة كما نظن، نلخص إلى بضع أسئلة نوجهها للسيد محجوب التيجاني بإعتباره رئيس المنظمة وبإعتباره المسؤول مسؤولية مباشرة عن ما أثرناه:
أولاً: بما أننا أوضحنا بالأرقام الدعم الذي وصل للمنظمة من جهة واحدة فقط، ليت الدكتور التيجاني ينشر علينا قوائم الصرف لهذا الدعم بنفس الدقة والأسس المحاسبية المتعارف عليها والتي بموجبها قدم الصندوق منحه على مدى السنوات الماضية، وليت التيجاني كافأنا مغبة البحث أيضاً وزاد على ذلك بكشف الموارد التي جاءت من جهات أخري مانحة وكذا أوجه صرفها.
ثانياً: من الناحية الاجرائية كنا قد أثبتنا بالادلة والقرائن والبراهين أن المنظمة السودانية لحقوق الانسان لا وجود لها على أرض الواقع، أي منظمة (وهمية) منذ إن فضّت السلطات المصرية سامرها، وبما أن الدكتور محجوب يُصر على أنها كائن حي لم يقبر بعد فليته يثبت لنا ذلك عبر الطرق المعروفة، كأن يُسمي لنا مثلاً مجلس أُمنائها المنتخب بواسطة جمعية عمومية، وليقل لنا أين هم وكيفية الاتصال بهم؟ وقد لاحظت في رده المقتضب إنه يشير للأخ محمد حسن داؤد بإعتباره الأمين العام للمنظمة، وهما معاً بإعتبارهما (قيادة الخارج) وبغض النظر عن ثنائية (خد وهات) هذه، هل يعني ذلك تحميل داؤد المسؤولية ذاتها؟
ثالثاً: هناك موقع للمنظمة رغم عِلاَّته، يعلم الله إنني طالعته لأول مرة  في حياتي وليتني لم أفعل، فقد أصابني بإحباط شديد وكاد أن يجعل المعنيون بالأمر متهمين في نظري قبل أن تثبت إدانتهم، ومع ذلك أطلب من القارىء الكريم بكل أريحية وصفاء نية أن يتأكد مما قلت، ويطالع موقع المنظمة على الشبكة الالكترونية www.shro-cairo.org <http://www.shro-cairo.org> ومن غرائب هذا الموقع الذي قام فيه رئيس المنظمة بعرض منفرد One man show لاتجد للمنظمة عنواناً بريدياً ولا إلكترونياً، بل إمعاناً في الاستخفاف فقد وُضِعت (إميلات) والأنكىء أنها عاطلة عن العمل أيضاً.
رابعاً: ليت التيجاني يجلى لنا طلاسماً ساقها في رده الزاهد كقوله «إن آخر ما أسهمت به قيادة المنظمة في الخارج من مهام لجماعات الداخل وتوفير معدات وميزانية لاقامة برنامج للتدريب الجماهيري، ومؤتمر عقد لأول مرة بين منظمات المجتمع المدني في الجنوب والشمال، تمّ عقده بنجاح رغم كل المعوقات خاصة السلطوية والأمنية» وقول آخر زعم فيه «إن قيادة المنظمة في الخارج تواصل ما تقوم به من مهام بتكليف مباشر من جماعات المنظمة المحظورة بالداخل»!
خامساً: ثمة نقطة جوهرية، عندما فتحنا هذا الملف نقولها بكل صدق إننا لسنا ضد الدعم، ذلك لأن منظمات المجتمع المدني من الطبيعي أن يكون لها داعم، ولكن بشرط ألا يذهب الدعم إلا في القنوات التي خصص لها، وبشرط ألا يؤثر ذلك في إستقلاليتها أو توجهاتها لكى لا تُوصم بالعمالة، على سبيل المثال نحن لم نتحرج مطلقاً في ذكر الدعم الذي تلقاه مركز الدراسات السودانية في هذه القائمة، لأن الكل يعلم أن هذا المركز أصبح منارة في الحياة السياسية والثقافية والفكرية السودانية، وله عنوان معلوم منذ أن كان في القاهرة وبعد أن عاد للخرطوم، وقد أقام العديد من ورش العمل والسمنارات والندوات، وطبع العديد من الكتب وله مجلة دورية تصدر بإستمرار، وقد أقام برنامجاً بمناسبة العيد الخمسيني لاستقلال السودان تعجز عنه وزارة متخصصة بكامل امكاناتها، إذاً فذلك دعم مضي في مصارفه الطبيعية، وكذا آخرون مثل جمعية بابكر بدري أو مركز محمد عمر بشير أو صحيفة خرطوم مونتير، فهذه مراكز لا يظن أحداً إنها تعمل بـ (الفاتحة) ولم ينقص من قدرها أي دعم طالما أن هناك منتوج واضح، في حين أن الذي أثار حفيظتنا حيال المنظمة التي نتحدث عنها، إنها ببساطة لا توجد إلا في مخيلة رئيسها.
لقد إعتدنا نحن معشر السودانيين على شخصنة القضايا، وارجو ألا يعتقد أحداً أن بيني وبين التيجاني وداؤد ثأر شخصي، فأنا بطبعي أكن لهما ولغيرهما كل ود وإحترام وتقدير، وقد دأبت على ألا أخلط بين الخاص والعام مطلقاً، ولهذا يظلا برئيين إلى أن تثبت إدانتهما، ولكن إن لم يسعا إلى إجلاء المواقف ودرء الشبهات سنقوم بفتح الصفحة التالية، وعندئذٍ لا يلومن إلا نفسيهما!

عن (الأحداث) 12/10/2008


فتحي الضّـو
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
هل جاءكم نبأ ”كانيلوس“؟ أرجو ألا تبتئس يا عزيزي القارىء إن لم تكن قد سمعت عنه شيئاً مذكوراً، فأنا كنت مثلك تماماً ولكن عند زميلنا وصديقنا معاوية محمدين الخبر اليقين، والذي اتحفنا بتفاصيله في رسالة خاصة من قبل أن تنتشر سيرته وتملأ الآفاق مثلما هو حاصل الآن، ولكن دعنا في البداية نقتنص هذه السانحة للإحتفاء بمعاوية نفسه في بضع كلمات وإن لم تفه حقه، فهو للذين لا يعرفونه رجل دمث الاخلاق ووطني غيور، إختار الاقامة في بلاد الاغريق - مركز الحضارة الانسانية - متوسلاً الحكمة والحقيقة والحلم، وذلك إلى جوار سوفكليس وبركليس وفدياس وهيرودوت وهوميروس وسقراط وافلاطون وارسطو، ومنذ أن صعد إلى قمة جبل ”الأولمبوس“ وهو دائم التحديق صوب آخر النفق في بلاده، على أمل أن يرى بقعة الضوء الشاحبة وقد توهجت ذات يوم، ومثله مثل من يبتغي القيم الانسانية مرقىً للصعود يدلف إلى داخل معبد ”الأكروبوليس“ ليستنطق التاريخ المخبوء بين حجارته الصماء! وعن كانيلوس قال لنا: إنك إن مررت بميدان ”سينداغما“ وسط اثينا فستراه هناك إما متجولاً وسط المارة أو نائماً في هدوء تام كيفما اتفق، لكنه منذ أن اجتاحت اليونان حمى المظاهرات ومسيرات الغضب الهادر عقب مقتل التلميذ اليكساندرو غريغوروبولو (15 عاماً) أوائل ديسمبر الحالي في أحد أزقة حي ”أكسارشيا“ اصبحت مهمته قيادة هذه المظاهرات والسير امامها حتى مبنى البرلمان، ولدهشة المتظاهرين أنفسهم  فبمجرد أن يسمع هتافاتهم الداوية تجده يخرج من مكانه مهرولاً نحوهم، وينتظر مقدمة الركب حتى يكون بينه وبينهم ثلاثة أمتار، ثم يتقدمهم دون أن يخل بتلك المسافة. وإلى جانب ذلك فقد أصبح متمرساً على عمليات الكر والفر، فإن حدث ووقعت مصادمات مع الشرطة تراه يهرب مع اكبر مجموعة من الهاربين في الاتجاه الذي يختارونه، وإن صادف وحوصرت المجموعة يبقى في مكانه حتى ينجلى غبار المعركة ويعود أدراجه بهدوء شديد، وإذا قُدر وشاهد رجال الشرطة وهم يستقلون الدراجات النارية فحينذاك تثور ثائرته ويقود مجموعة من رفاقه ويطاردهم إلى ان يغادروا الموقع. والرفيق كانيلوس الذي اطلق عليه شباب اليسار اليوناني هذا الاسم، والذي لا تخلو قناة فضائية أوربية أو غربية من اخباره هذه الايام، بلغ الآن من الكِبر عتياً فقد تجاوز عمره الـ 18 عاماً ولم تفتر له همة، فهو ببساطة شديدة...كلب إبن كلب!
من المفارقات المدهشة، في الوقت الذي إنشغل فيه الكثيرون بالعبارات التي اطلقها الصحفي العراقي منتظر الزايدي مع حذائه ونعت فيها الرئيس الأمريكي جورج بوش بالكلب، كان غالبية الرأي العام الأمريكي مشغولين وما يزالوا بهوية الكلب الذي سيدخل البيت الأبيض مع الرئيس المنتخب باراك أوباما، والذي سبق وأن إلتزم على رؤوس الاشهاد في الحديث الذي أدلى به عشية إنتخابه في شيكاغو لبنتيه ماليا (10 سنوات) و ساشا (7 سنوات) بإقتناء كلب، وفي آخر مؤتمر صحفي عقده مازح أحد الصحفيين حينما سأله عن اخبار الكلب فقال له: أنه ميَّال لاختيار كلب من  دار إيواء كلاب وإنه ربما كان هجيناً مثله، وتنشر كبريات الصحف الأمريكية من حين لآخر عروضاً بدأت تنهال على الرئيس الجديد، وكشفت عن أن الاختيار يبدو مُعقداً لأن البنت الكبرى تشكو من حساسية، وقد دخلت ”الاكاديمية الامريكية للحساسية والربو والحصانة الصحية“ طرفاً في الموضوع، ففي بيان لها قدمت فيه شروحات علمية دقيقة، هي لا محال ستجعل الكثيرون يفغرون أفواهم دهشةً. وفي الواقع للكلاب تاريخ حافل مع الرؤساء الأمريكيين، فالموقع الإلكتروني الحالي للبيت الأبيض يوضح سيرة كلاب الرئيس بوش ”بارني“ و”مس بيزلي“ وكذا الكلب الراحل ”سبوتي“ وثمة كلباً آخر كانت تملكه عائلة الرئيس السابق بيل كلينتون ”بيدي“ رحل عن دنيانا الفانية في العام 2002 ويومها كادت أمريكيا أن تعلن الحداد الرسمي، وفي انتخابات عام 1952 انخفضت اسهم مرشح نائب الرئيس ريتشارد نيكسون الذي اعترف بقبول كلب أهداه له رجل أعمال وإعتبره خصومه الديمقراطيون دليل رشوة، وإزاء ضراوة الحملة طالبه الجمهوريون بإرجاع الكلب، فقدم خطبة مؤثرة وبقربه الكلب موضع الجدل وكانت تلك هي المرة الأولى التي ينقل فيها التلفزيون الخطب الانتخابية، وقال بعين دامعة إنه لن يتخلى عنه لأن ابنته أحبته واسمته ”جيكرز“ إنقلبت المعايير رأساً على عقب، ففاز واصبح نائباُ للرئيس ايزنهاور، وبعد عقد ونصف اصبح رئيساً. لكن في الحملة الانتخابية المذكورة لم ينس الديمقراطيون تذكير الجمهوريين بما فعله الرئيس فرانكلين روزفلت، الذي سبق وان أرسل مدمرة عسكرية إلى هاواي لاحضار كلبته ”فالا“ وكان قد نسيها هناك خلال زيارة رسمية. ولربما لا يعلم البعض أن معظم الولايات الامريكية غيَّرت قوانينها المحليه الخاصة بالعلاقة بين الانسان والحيوانات الاليفة وتحديداً الكلاب والقطط بحيث أصبح الشخص يُسمى ولي أمرGuardian  بالنسبة للحيوان بدلاً عن أنه مالك  Ownerأي تماماً كعلاقة الأب بإبنه أو بنته! وبعد كل هذا هل تعتقد يا عزيزي القارىء أن الرئيس بوش سعِد أم غضِب من وصف منتظر الزايدي له بالكلب؟
وللكلب في الغرب - أياً كانت هويته - قيمة تدعو للغيرة والحسد، فقد يلاحظ المرء أن بعض التصرفات التي تلفت الانتباه بإعتبارها ظواهر شاذة، يتعامل معها الغربيون كشىء عادى، فمثلاً كثيراً ما نقرأ أن واحد من الميسوري الحال رحل عن الدنيا وأوصى بأن تؤول ثروته المليونية لقطته أو كلبه او لدار رعاية تهتم بهذه الحيوانات، وبالقدر نفسه لا تستلفت أخباراً اخرى مثل افتتاح فندق خمسة نجوم للكلاب والقطط انظار الناس، بل ان بعض مالكي هذه الحيوانات يعدونها فرض عين إن كان ولي امر الحيوان غنياً. بيد أن بطولات تظهر بين الفينة والأخرى تجد حظها في التغطية الاعلامية أكثر مما يطمح فيه أطفال دارفور، ففي صدر ”شيكاغو تربيون“ 13/11/2008 خبراً مطولاً لمواطن ”جون باتريك 68 عاماً“ والذي احترق منزله في أحد ضواحي مدينة شيكاغو، فقد عجز رجال الاطفاء عن إثنائه من الدخول لانقاذ كلبه (13 عاما) فطالته النيران وتوفي بعد دقائق قليلة من نقله لمستشفي مجاور، والمفارقة أن الكلب نجا من الموت المحتوم، وقالت الصحيفة إن ادارة الشرطة تلقت عدداً كبيراً من طلبات مواطنين أبدوا رغبة في تبني الكلب الذي اصبح يتيماً. وفي موقع قناة كاليجري التلفزيونية في كنداCTV Calgary أشار إلى أن محكمة المقاطعة حكمت على دانييل هاشت (21 عاماً) بالسجن شهراً وقضاء 40 ساعة عمل في خدمة المجتمع بالاضافة إلى سنة تحت المراقبة، وذلك نسبة لأنه سحب كلبه (دايزي ديوك) في شاحنته لمسافة 100 متر فسبب له جروحاً بليغة توفى على أثرها، وطبقاً للموقع فإن ناشطين في حقوق الحيوان أظهروا استياءً شديداً من الحكم بإعتباره مخففاً لا يتناسب والجريمة النكراء. وفي ديسمبر 2007 حكمت المحكمة بالسجن لمدة 23 شهراً على أشهر لاعب كرة قدم أمريكي ”مايكل فيك“ في فريق ”اتلانتا فالكونز“ ويعد من أثرى أثرياء الرياضة، وقُدرت ثروته بما يقارب الأربعين مليون دولار، وكان قد إعترف بتمويل شبكة لمصارعة الكلاب والاشتراك في جريمة قتل 6 كلاب على الأقل عن طريق الشنق أو الاغراق، وبعد النطق بالحكم أبدى أسفاً شديداً على فعلته الشائنة!
بما أن الكلاب بالقطط تذكر فلن أنسى يوماً في صيف العام الماضي صادفت فيه جارى (وليم) وكل منا يُهم بدخول منزله، وبعد السلام أشار إلى إلى صندوق صغير الحجم ملفوف بقطعة قطيفة حمراء وقال لي بتأثر حاول أن يداريه، أن الرماد المسجى في الصندوق ما هو إلا جثة قطتهم التي ذهبت مبكياً على شبابها وفضلوا حرق جثمانها واطلعني على شهادة الوفاة والتي توضح أنه ولي أمرها، وقبل أن يمضى للانضمام لزوجته وابنه لدفن الرفاة في حديقة المنزل الخلفية، كان لابد لي أن ابدى تأثراً بليغاً، وبالطبع تمتمت بكلمات عزاء اجتهدت في نفخ الروح فيها، وأعلم أن وليم لا يعلم أنني قادم من بلد الناس يموتون فيه ”سمبلة“ ومع ذلك لو علم مؤخراً بأن هادينا وراضينا ساق قسماً مُغلظاً بألا يمس أحد الكفرة الفجرة جلد ”كديسة من كدايسنا“، فلا شك أن وليم سيعتقد بأننا فعلاً من سلالة قوم اتعظوا بقول رسولهم أن امرأة قاسية القلب دخلت النار في هرة. وبناءاً عليه لا اعتقد أن أحد القراء الكرام يمكن أن يخطىء في استبطان دواخلي وأنا أرى عيادات ومستشفيات الحيوانات مبثوثة في ارجاء هذا البلد حتى كادت أن تضيق بها على اتساعها!
كذلك لا يخالجني أدني شك في أن ثقافة أهل المشرق والمغرب العربي لا تضع احتراماً للحيوانات الأليفة مثل الكلاب والقطط، ويكفى إستدلالاً وصفهم من يخافهم الرأي أو وجهة النظر بأنه كلب إبن كلب، ولا أظن ان أحداً منهم انتصر للكلب مثلما فعل الشاعر البدوي على بن الجهم الذي وصف الخليفة المتوكل بقوله: أنت كالكلب في حفاظِك للود/ وكالتيس في قراع الخطوب. وهو قول استفز بطانة السلطان الذين ارادوا الفتك به لولا شفاعة الممدوح، وبعد فترة قصيرة تمدن فيها الجهم هال البطانة نفسها أن يكون هو القائل: عيون المها بين الرصافة والجسر/ جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري. ومثله كان أحمد فؤاد نجم أمير شعراء العامية المصرية الذي تمني لنا أن نرتقي مقام ”فوكس“ أو ”كلب الست“ وحكايته مع ”اسماعين“ وقيل أن الست المعنية هي الراحلة أم كلثوم سيدة الغناء العربي: فوكس دا عقبال إملتك/ عنده دستتين خدامين/ يعني مش موجود ف عيلتك/ شخص زيه يا اسماعين/ واسماعين دا يبقى واحد/ م الجماعة الغلبانين/ اللي داخو ف المعاهد/ والمدارس من سنين. إلى أن يقول:والشاويش قعد يغني/ هيِّص يا كلب الست هيِّص/ لك مقامك ف البوليس/ بكرة تتولف وزارة للكلاب/ وياخدوك رئيس.
علماً بأن فوكس ليس من عينة الكلاب التي أرسلت بخصوصها الممثلة الفرنسية المشهورة بيرجيت باردو الرسالة تلو الرسالة للرئيس المصري حسني مبارك، وآخرها ما نشرته فرانس برس 13/5/2007 وطالبته فيها بمنع قتل الكلاب وقالت «سبق وان ناشدتكم منذ سنوات وضع حد لهذه الاساليب الوحشية والمعاناة الكبيرة لكل هذه الكلاب التي تسمم أو تقتل بالرصاص ...أناشدكم ولكنكم حتى لا تكلفون أنفسكم مشقة الرد علىّ». لكن باردو لو أنها مدت بصرها قليلاً جنوب الوادي، لعلمت أننا نعيش في بلد يعج بنوع خاص من الكلاب، كلاب كلما جاء ذكرها وُصِفت بالضالة، بما يعني أن لا أصل لها ولا فصل، بل لا يعلم الناس من أين جاءت؟ ولهذا فهي لا تستدر عاطفة أحد، ولا يستطيع أي أحد أصلاً أن يقترب منها، وإن فعل عكفت ذنبها وكشرت انيابها وتطاير الشرر من عينيها، بل حتى وإن لم يقترب نحوها أي بني آدم فهي أيضاً تفصح لك جهراً عن كونها تضمر شراً في نفسها والويل كل الويل لك من عقباها، فهي تبدو متحفزة دائماً لعض أي يد حتى لو أحسنت اليها، وكلابنا تلك تحب أن تهيم في الشوارع ولا تكف عن النباح ليلا أو نهاراً...قياماً أو قعوداً...سراً أو جهراً، وبلا عجب ليست كسائر الكلاب فهي لا تمنحك احساساً بالحب أو البراءة أو الحنان!
وكنت قد قرأت شعراً جميلاً قبل سنوات طويله لشاعر سوداني سقط أسمه وقصيدته من ذاكرتي، ولم أعد اذكر منها شيئاً سوى البيت الأول الذي يقول:
لو جئت مدينتنا/لوجدت كلاب مدينتنا تنبح/لو جئت مدينتنا/لوجدت إنسان مدينتنا ينبح!
وتراءى لنا في خيال شاطح حال كلاب هبطت بغتةً على قريتنا منذ ما يناهز العقدين من الزمن، وكانت من الضعف والهزال للدرجة التي إن ارادت النباح استندت على الحائط (وهوهوت) ولم يكن أهل قريتنا يعلمون أن فيها انتهازية مفضوحة، فقد مضى عليها حين من الدهر أطعموها فيه قوتهم مناصفة، ثم مضى العام تلو الآخر...اشتد ساعدها فإستقوت عليهم واستحوذت على الطعام كله وبدأت ترمى لهم الفتات، إلى ان أصبحوا ذات يوم ووجدوا أنفسهم وقد أسندوا ظهورهم على الحائط وبدأوا (يهوهون) بينما هي تضحك ملء شدقيها!
ذكر المولي عزّ وجل في كتابه الكريم الكلب في ثلاثة مواقع، وبما أننا أصحاب مشروع حضاري بغض النظر عن ايلولته إلى خواء، فقد عنَّ لنا أن الأوصاف الثلاثة التي برع ربَّ العباد فيها تنطبق إلى حدٍ كبير على كِلابُنا، فأنت تراها دوماً باسطة ذراعيها بالوصيد كما كلب أهل الكهف، وهي كما في السورة الأخري (الأعراف) ظلت في نفس الحال منذ أن وطأت قدميها ارض تلك القرية البائسة (كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) إذ لا يجدي معها الحوار ولا يرق قلبها لقول حتى لو كان بالتي هي أحسن، والمفارقة أن كلابنا نفسها اقتبست من الثقافة الغربية شطراً فهي طبقاً لأمثال تلك الثقافة دائماً ما ”تنبح الشجرة الخطأ“. وقد ذكرني صديق عزيز خبير بأمور الكلاب والاعيبها وقال لي أن في جاهلية العصبة الأولي كانت هناك فئة يسمونها ”بني كلب“ ومهمتها القيام بالمهام الصعبة التي يعُز على ”بني الانسان“ القيام بها. وسواء هولاء أو اولئك هو لا يعلم أنني مصاب أصلاً بداء ”الكلابوفوبيا“ وهو مرض أصابني حينما كنت في ميعة الصبى، يومذاك تقصدني كلب ضال في شارع من شوارع المدينة وكاد أن يفتك بي، ومع انه لم يصبن سوى بخدوش صغيرة إلا أنني خشيت السعر وفضلت ألم أربعة عشر حقنة احاطت بـ ”صرتي“ كما تحيط الكلاب الضالة بفريستها!
يا سادتي كلوا واشربوا وتجشأوا وافرحوا وامرحوا وقروا عيناً... وإن شئتم فيمكنكم أن تحلموا بـ ”كانيلوس“ آخر...فقد يقودنا من الظلمات إلى النور وذلك ليس على الله وعليكم بعزيز!

عن (الأحداث) 28/12/2008
لمطالعة مزيد من مقالات الكاتب يمكن الضغط على الرابط التالي في موقع الجالية السودانية الامريكية بمنطقة واشنطن الكبرى
<http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=ÝÊÍì%20ÇáÖæ&sacdoid=fathi.aldaw>