عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كانت له كاريزما خاصة أينما هطلت أتاه خراجها. فعندما خطا داخل القاعة الضيقة بقامته المديدة إزدادت إتساعاً. وعندما طفق يوزع التحايا بصوته الجهير على الذين يصادفهم في طريقه للمنصة، كان كأنه ينثر الأمل في دروب جففها اليأس. وعندما استقر مكانه راح البعض يتمعنه من أخمص قدميه وحتى بقايا شعره المتناثر على رأسه. بل لم يجد البعض حرجاً من أن يكروا البصر مرتين وثلاث كأنهم ينظرون لقادم جاء للتو من كوكب آخر يحمل في يده بشارة النصر. واقع الأمر لم يكن هذا السيناريو الذي نعيده للأذهان بعد مرور سنوات مجرد استثناء في اجتماعات هيئة قيادة التجمع الوطني الديمقراطي، بقدر ماهو القاعدة عندما يكون الراحل دكتور جون قرنق دي مابيور طرفاً فيها. وما نحن بصدده الآن تحديداً كان بُعيد مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية وقُبيل بدء العمليات المسلحة التي اكتسحت الجبهة الشرقية على طول الحدود، بدءاً من قرورة شمالاً، مروراً بهمشكوريب في محور الوسط، وإنتهاءاً بالكرمك وقيسان جنوب النيل الأزرق. يومذاك بدأ دكتور جون يقرأ في خطاب معد سلفاً بلغة انجليزية رفيعة، قدم فيه تحليلا عميقاً وشرحاً وافياً للأوضاع، وخلص فيه إلى عبارة  سارت بها الركبان (إن هذا النظام لا يمكن اصلاحه بل يجب التخلص منه)This regime can not be improved, so it should be removed. فإلتهبت الأكف بالتصفيق، وتشابكت نظرات الاعجاب، وهفت نفوس كأنها تلقت فتوى دينية في معضلة دنيوية احتارت في كيفية التعامل معها. والواقع أن بعضها كان بالفعل في حاجة لمشروعية أخلاقية يبرر بها حمل السلاح الذي استنكفه زمناً. ومنذاك الوقت صارت تلك العبارة بمثابة تميمة لبسها كثير من المعارضين قلادة في أعناقهم، بل كان هناك من ينسبها لنفسه عندما تستبد به نشوى التصريحات الصحافية. ولم يكن ذلك مهماً بقدر ما المهم أنها اصبحت ترياقاً لحديث الرئيس نفسه الذي دعاهم للمنازلة بالسلاح إن كانوا حقاً يريدون السُلطة.. التي خطبت عصبة القائل ودَّها بذات السلاح!

كان دكتور جون (كما يحلو للجميع أن ينادونه بهذا اللقب اختصارا) من جنس سياسيين يعنون ما يقولون ولا يقولون ما لا يفقهون. كان يدرك تماماً عمق تأثير كلماته في نفوس وعقول متلقييها، ولهذا فهو ينتقى عباراته بمهارة فائقة، وبحسابات دقيقة لا تترك شاردة ولا واردة إلا واحصتها. من أجل هذا لم يواجه مأزقاً حرجاً عندما سألناه وسأله صحفيون كُثر فيما بعد عن فحوى تلك العبارة الجزلى، فيجيب معيداً للأذهان مرجعية مقررات مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية 1995 والتي حددت وفصَّلت الآلية التي ينبغى اتباعها في معارضة النظام بطريقة عملية في ثلاثة خيارات، أولاً: الضغط السياسي والدبلوماسي، وثانياً الانتفاضة الشعبية وثالثاً العمل المسلح، وكان التجمع االوطني الديمقراطي يومئذ في أوج عنفوانه وقوته، وذلك بعد التحاق الحركة الشعبية لتحرير السودان به، كأول خطوة في التاريخ السياسي السوداني تجمع بين إرادتين شمالية وجنوبية. ووفقاً لتلك الوضعية كان نشاطه قد تركز تلقائياً في الخارج، ممتلكاً نواصي الخيارين الأول والثالث أما الأوسط فلا قِبل له به لأن مسرحه كان في الداخل، ومع أن ذلك كان سبباً كافياً لأن يجعل دكتور جون يحجم أو يقلل من ذكره، إلا أنه ظلَّ يردد عبارة (الانتفاضة الشعبية) بذات الزخم اللفظي في احاديثه باللغة الانجليزية حتى ظننا أن فاعل خير دفع بها إلى قاموس وبستر Webster ثم مضى الحال على ذاك المنوال إلى أن أناخ الراحل بعيره في محطة نيفاشا العام 2005 من دون أن يتسنى له أو للتجمع الوطني تطبيق الخيار الثالث أو الفريضة الغائبة على أرض الواقع!

لكن إن شئت الدقة لم يكن دكتور جون يعرف عن الانتفاضة الشعبية شيئاً سوى معنى الكلمة ونطقها، أي أنه يتحدث عن شيء لم يتسنى له معايشته على أرض الواقع كما ذكرنا، وإن شئت الدقة أكثر يمكن القول أن أي من كوادر الحركة الشعبية لم يكن بأحسن حال من قائدهم في معرفتهم بخبايا العبارة، ذلك عدا ياسر عرمان الذي انضم للحركة الشعبية في أعقاب إنتفاضة ابريل 1985 والمفارقة أنها ذات الانتفاضة التي لم تعترف بها الحركة الشعبية، ولم تتعامل معها كحدث هام وضع بصماته في تاريخ الشعب السوداني، ولا كعمل ثوري ينبغي الاحتفاء به، بل على العكس تماماً فقد قللت من شأنها حتى كاد أن يعافها الناس. بيد أن ياسر عرمان نفسه - الذي كان استثناءا في معايشته لها - كان مطلوب منه ضمنياً أن يقمع أي مظاهر حفاوة بإنتفاضة أبريل تلك بإعتبارها رجساً من عمل أزلام الرئيس المخلوع  نميري لا تتسق وأدبيات الحركة الشعبية. على كلٍ مضت الحركة الشعبية في طريقها المفروش بالسلاح والمعبد بالحرب، تصعد حيناً إلى قمة الجبل حتى تكاد تظن انها بلغت ذراري الحلم، وفجأة تسقط من شاهق دون أن تلفظ أنفاسها الأخيرة فتحمل الصخرة من جديد. ولأن السلاح أصدق انباءً من الكتب، كما قال المتنبي، كان للرصاصة التي اطلقتها الحركة الشعبية دوي هائل لفتت أنظار كثير من المراقبين الذين يقفون دوماً على حافة الانتظار، فتقاطروا صوبها من الشرق والغرب وآخرين بين ذلك قواما، وكان ذلك كفيل بأن يمضى قائدها وزعيمها صاحب الكاريزما الفريدة متأبطاً البندقية في شماله والدعم السياسي والدبلوماسي في يمينه، أما الانتفاضة الشعبية فلأسباب كثيرة كانت نسياً منسياً!

بالطبع كانت اسباب النسيان كثيرة، ولكن يبقى أهمها طبيعة النظام نفسه الذي يعارضه قرنق وحلفاؤه. فمنذ اللحظة التي دالت له فيه السلطة بعد الانقلاب العقائدي، عمل نظام الجبهة القومية الاسلاموية بكل ما أوتي من قوة وجبروت على ابطال مفعول خيار الانتفاضة الشعبية والعصيان المدني، بإعتبار انه الخيار المجرب والذي اشتهر به الشعب السوداني في اسقاط الأنظمة القمعية والديكتاتورية. فجنح إلى تشريد عشرات الآلاف من وظائفهم بذريعة تسمية بغيضة وهي الفصل للصالح العام، وألحق ذلك بحل النقابات والاتحادات المهنية، لتحل محلها كيانات هلامية بديلة بغية ضمان ولائها، ثم أشهر سلاح البطش والقوة والقسوة البالغة في وجوه معارضيه، منهم من قاوم وقضى نحبه، ومنهم من ضرب أكباد الأبل ابتغاء حياة كريمة في فجاج الأرض. والمفارقة أن النظام نفسه ساعد في خيار تفريغ الوطن من بنيه، ولم يكن ليقلق العصبة ذوي البأس أنها كان يمكن أن تصبح وتجد نفسها تحكم أرضاً بلا شعب. بل أن الذي كان يقض مضاجعها بالفعل كيفية توطيد أركان سلطتها حتى لو كان ذلك ثمنه الانسان نفسه. وكان ذلك مناخاً مؤاتياً لانقسام المجتمع السوداني بين موالين ومعارضين، وفي خضم ذلك برزت حمم العصبيات وتأججت نيران القبليات وارتفعت وتائر الجهويات. لم يكن النظام يدرك هذا ولا مخاطر تديين حرب بزعمه أن وقائعها تجري بعيداً عن آذان أهل العاصمة الخرطوم مركز التنوير والتغيير، كما ظنَّ أن الضغط السياسي والدبلوماسي مجرد تهويمات لن تفضي إلى نتيجة، وبالطبع كانت حساباته تلك خاطئة - كالعهد به دوماً - لأن الوسائل الثلاثة سرعان ما تكاملت وأفضت إلى واقع لا تريد العصبة أن تفتح عينيها لترى حقيقته، ولا تريد أن تعمل فكرها لتدرك معانيه!

على هذا المنوال مضى التاريخ السوداني يحمل أثقاله، وإختصارا لمحطات كثيرة بالغة التعقيد وعصية الفهم، تكامل الخياران الأول والثالث تحديداً وأديا إلى توقيع اتفاقية السلام (نيفاشا) ولحقت بها اتفاقيات أخرى في القاهرة واسمرا وابوجا، لكن النظام الذي مثل قاسماً مشتركاً بينها، أتضح أنه لا يريد ان يكون صادقاً ومخلصاً لما وقع عليه، وكان يظن أن التوقيع هو من أجل استغفال هذه القوى وتهميشها، وذلك بمنحها سلطات صورية في حين تظل القبضة المركزية في يده، وهو فهم بائس وقاصر لمعنى المشاركة في الحكم، لكن المهم أنه بهذا المنظور وجدت الحركة الشعبية نفسها متكأً لطموحات عصبة المؤتمر الوطني، فدخلت في اضابير متاهة كبرى، إذ علاوة على ألاعيب المؤتمر الوطني وجدت نفسها في واقع لا تعرف تضاريسه ومع شريك يصعب الثقة فيه فإختلطت عليها حسابات الحقل والبيدر، ولم تعرف من أين تبدأ وأين تنتهي؟ صحيح أن ثمة أخطاء ارتكبتها الحركة الشعبية نفسها منذ نيفاشا ومشاركتها المؤتمر الوطني السلطة، لكن ذلك لا يمكن أن يوازي شيئاً مع النهج المخادع والمراوغ الذي ظل يمارسه المؤتمر الوطني نفسه، وهو العمل على تأزيم الأوضاع في الجنوب لكي تدرك الحركة الشعبية بأن التحالف مع المؤتمر الوطني هو طوق النجاة، وكذلك التباطؤ المقصود في إجازة قوانين التحول الديمقراطي حتى لا يتهيأ للحركة الشعبية مزيد من الحلفاء بحسب تقييمه للأمور، إلى جانب رعاية خصوم الحركة الشعبية ودعمهم مادياً ومعنوياً بغرض زعزعة الأرضية التي تقف عليها، وأخيراً استخدام وسائل افساد متعددة لتشتيت كوادرها وبعثرة ثقتهم. ونتيجة لذلك بدأت التناقضات تطل برأسها من حين آخر، في شكل أزمات متكررة ومتطاولة!

أقر بأنني كلما سمعت عبارة إنتخابات حرة ونزيهة تحسست قلمي، وفي الواقع من كثرة ترديدها هكذا، ظننا أن الجملة كلها عبارة عن كلمة واحدة، كلما طلَّ علينا أحدهم يقول لنا بأوداج منتفخة وفم يتطاير منه الرذاذ: نريد إنتخابات حرة ونزيهة، مع أن الأصل في أي انتخابات أن تكون حرة ونزيهة، والنزاهة شيء أصيل في الانتخابات لا يستوجب الذكر، والحقيقة لم اسمع طوال عمري أن دولاً في هذا العالم ممن لها باع طويل في مضمار الانتخابات الديمقراطية أنها ادعت ممارسة إنتخابات حرة ونزيهة. في حين أن الذين يرددونها آناء الليل واطراف النهار ما دروا أنهم يسقطون رغائبهم في التزوير أو ربما الشروع فيه. ولعل ما حدث في الأيام الفائته دليل على ذلك. فالمعارضة أزمعت ممارسة حق ديمقراطي أصيل وهو الخروج في مسيرة سلمية لتقديم مذكرة للجهة المناط بها انجاز قوانين التحول الديمقراطي وهي المجلس الوطني، لأنه لا يمكن أن تكون هناك انتخابات حرة ونزيهة في ظل قوانين قمعية. لكن السلطة التي تظن أنها قوامة على السودان وأهله، تهيأ لها على الفور إن هذه المسيرة تهدف إلى إزاحتها عن السلطة بالوسيلة المؤجلة، وعملت على الفور على اتخاذ اجراءات ترغيبية وارهابية لتخويف المتظاهرين إذ أعلنت عن عطله لم يكن لها ما يبررها، وادعت إنها جاءت بطلب من مفوضية الانتخابات وهو ادعاء باطل لأن كثير من المواطنين خاصة الذين آوا إلى فراشهم مبكرين لم يسمعوا بها، علاوة على البيان التخويفي الذي أعاد للذهان مقولة ذلك الفتي الثائر (من أراد أن تثكله أمه...) ثم عزل العاصمة المثلثة عن بعضها البعض وجعلها جزرا متقطعة، بالاضافة إلى التعامل بعنف مع كل من وصل لمكان التظاهرة واعتقال العشرات، وكلها اجراءات قمعية تدل على أن السلطة لا تريد سوى مسيرات النفاق التي تؤيدها، والمفارقة أنها تبيح لنفسها الخروج في مظاهرات وتبيح لنفسها اقامة الليالي السياسية، بل تسخر كل أجهزة الدولة لتغطيتها بما في ذلك وسائل الاعلام التى تتباري في نقل الحدث، وعندما يزمع معارضوها أن يفعلوا ما هو أدنى من ذلك يكون مصيرهم الويل والثبور. وهنا لابد أن يتساءل المرء: هل تظن عصبة المؤتمر الوطني أن هذا الوطن اصبح حكراً لها؟ هل تعتقد عصبة المؤتمر الوطني أنها الوحيدة التي يحق لها البت في شئونه؟ هل يظن عصبة المؤتمر الوطني أنهم الوحيدون الحريصون على هذه الوطن وغيرهم خونة يستحقون السجن والاعتقال وتكميم الأفواة؟

بغض النظر عن أن عصبة المؤتمر الوطني لا تؤمن اساساً بالديمقراطية كمنهج حكم، فهم لا يريدون إنجاز عملية التحول الديمقراطي على الوجه الأكمل نسبة لقناعتهم أن التحول الديمقراطي يعني لف الحبل حول رقابهم وذلك جراء الممارسات التي كانت طيلة العقدين الماضيين. وفي واقع الأمر أنهم يفوتون فرصة ثمينة على أنفسهم، بما يمكن أن تهييء لهم الإفلات من المحاسبة، وذلك بالمضي قدماً في تنفيذ اتفاقية السلام بحذافيرها دون خوف أو وجل من شبح التفكيك الذي يسيطر على ذهنية قادته، لأن في واقع الأمر التفكيك أمر قائم، فالنظام الحالي لا يمكن التأمين على أنه نظام اسلامي أو نظام نظام علماني، هو نظام أصدق ما يمكن أن يوصف به أنه (لحم رأس ) وفقاً للتعبير السوداني الدارج، أي نظام هجين من اسلامويين وعسكريين واصوليين وجهويين وبقايا أحزاب تقليدية وانتهازيين وتنظيمات أثنية. فعلام إذاً الخوف من التفكيك الذي هو أمر قائم أصلاً؟ في حين أن التفكيك الذي تتوخاه اتفاقية السلام (نيفاشا) أفضل حالاً لأنه خالٍ من المحاسبة من جهة ويهييء موطيء قدم للعصبة نفسها في النظام الذي يقوم على أنقاض النظام المفكك وبذا قد تكون نالت الحسنين!

الواقع أن هذا النظام يريد ما يتوافق مع هواه، فهو يريد إنتخابات مقيدة ومزورة، تأتي نتائجها لصالحه حتى يستمر في السلطة وفق أهوائه ورغائبه، ومن جهة ثانية هم يريدون تظاهرات حرة ونزيهة تدعم سلطتهم تلك ولا تزعزع راحتهم! وعليه أرى أن تلك مقدمات كفيلة باستخلاص النتائج والعبر والدروس، فعلى قوى المعارضة وعلى رأسها الحركة الشعبية اعتبار ما حدث يوم الأثنين وما سبقه من وقائع ورد ذكرها دليل كاف على أن العصبة ذوي البأس لا تريد تحولا ديمقراطياً حقيقياً، وليست صادقة في اقامة انتخابات حرة ونزيهة، وطبقاً لذلك تصبح مقاطعة هذه الانتخابات واجباً وطنياً, فلا يظنن عاقل بأن ما عجزت السلطة عن انجازه في اربع سنوات يمكن ان تفعله في بضع شهور. وصدق ايليا أبو ماضي حينما قال: من اشتهى الخمر فليزرع دواليها!!