عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

باديء ذي بدء أرجو ألا يعتقد أحد القراء الكرام إنني أجسد مشهداً عبثياً في مسرح اللا معقول. ولكن قبل الشروع في إعادة سيناريوياته الدرامية، كنت قد تساءلت: كم من الناس قرأ هذا الذي قرأته يا ترى؟ ولأن القراءة وحدها لا تكفي قلت لنفسي أيضاً: كم من الناس قرأ هذا الذي قرأته ولم يجهش بالبكاء مثلما فعل الطبيب الذي أوردت صحيفة (الأحداث 20/11/2009) خبراً عنه في صفحتها الأولى تحت نفس العنوان (وددت لو كان المانشيت الرئيس، ومع ذلك يحمد لها الاهتمام النسبي) دع التساؤلات جانباً ولنقرأ معاً ما جاء فيه: (شكا مجلس التخصصات الطبية في اجتماعه أمس من إهمال بعض الإختصاصيين تدريب النواب بالمستشفيات، ولم يتمالك ممثل نوّاب الاختصاصيين الذي حضر الاجتماع نفسه من الإنخراط في بكاء حار وهو يشرح الحالة التي وصلوها من انعدام الاهتمام والتأهيل، وكشف عن مصاعب جمة يواجهها وزملاؤه في بعض المستشفيات بينها إنعدام المكتبات وقلة الأسرة، وأشار لتذمر زملائه بمستشفى الشعب جراء عدم صرفهم استحقاقاتهم المالية لثلاثة أشهر، ووجد المندوب تعاطفا بائنا من الحاضرين الذين سعوا لتهدئته دقائق طويلة، وأعلن رئيس المجلس عثمان طه عن اجراءات ستتخذ ضد جميع الاختصاصيين الذين لايلتزمون بتدريب النواب، فيما أشار مدير مستشفى الخرطوم لعدم تجديد تصاديق وحدات بعض الاختصاصيين المخالفين للشروط) ولا نعلم إن كان زملاؤه قد أجهشوا معه بالبكاء أم اكتفوا بتهدئة روعه. وأعتقد أن الصحيفة حجبت الاسماء لأسباب إنسانية أكثر من كونها مهنية، ولكن من ذا الذي يستطيع أن يحجب دموعنا نحن أيضاً من أن تجد طريقها نحو المجهول!

هذا طبيب أدرى بشعاب أهل مكة لا يجد غير الدموع عزاءً، ومثلما هطلت دموعه، هطلت أسئلة أيضاَ لا نملك لها جوابا. ما بال الذين تحجرت مشاعرهم وتبلدت أحاسيسهم لدرجة اصبحوا فيها لا يحركون ساكناً في زمن توارت فيه الحمية الوطنية؟ هل سيطرت علينا غرائز الأنانية بحيث بات الفرد فينا ينام شبعان وجاره جائع؟ إلى أين نحن منساقون؟ بل إلى أي درك تريد أن توصلنا هذه العصبة؟ هل أصبحنا شعباً خنوعاً تطبق فيه النظريات حتى تلك التي تنال من كرامته وتنهش في كبريائه؟ كم منا فكر في وسيلة أخرى يعبر بها عن نفسه غير البكاء الذي هو أضعف الايمان؟ ما جدوى الانتخابات في ظل هذا التردى في الخدمات؟ ما الذي يمكن أن تأتي به هذه الانتخابات فيما عجز عقدين من الزمن من الأتيان به؟ بودي لو أن فيهم رجلاً رشيداً عدد لي في لحظة صدق مع نفسه اسبابا وجيهة تجعلني أقدم بملء ارادتي لأمنحه صوتي وثقتي. ذلك بالطبع ما لن يحدث بإنتخابات حرة ونزيهة كما يزعمون، طالما إننا رزئنا بسياسيين لا يستحون، وطالما أن مشكلة هذا الشعب الصابر معهم أصبحت أخلاقية قبل أن تكون سياسية!

كيف لا يبكي هذا الطبيب طالما أن الميزانية التي أجيزت منتصف الشهر الماضي في غياب الشريك، رصدت مبالغ مستفزة لخدمات المواطن الأساسية. فقد خصصت للصحة من جملة الميزانية مانسبته 4.58% وللتعليم مانسبته 5.04% بينما كانت نسبة المبالغ المخصصة للأمن والدفاع تبلغ 60.60% أي 1.010.047.000 وللمقارنة فإن نسبة التعليم والصحة معاً، أقل من النسبة التي خصصت لرفاهية القطاع السيادي والبالغة 10.30% وهم نسبتهم من جملة السكان تعادل أقل من 0.1% خصصت لهم ميزانية تفوق المخصص في القطاعين المذكورين لأكثر من 99,9% من عدد السكان. وهذه معادلة وأرقام تجعل أعتى الاقتصاديين يتضاءل خجلاً، لكن الأمر لم يكن كذلك عند وزير المالية د. عوض الجاز الذي نقلت عنه (الصحف 13/11/2009) قوله للنواب الذي جادلوا في مفارقة تلك الأرقام وإنتقدوها، فقال لهم (إن الصرف على الأمن مبرر) واضاف شارحاً قوله (بحاجة البلاد إلى أعداد كبيرة من القوات في دارفور إلى حين استقرار الأوضاع) ولكن نصدق من العصبة ذوي البأس ألم يقل دكتور نافع على نافع لمجلة الكفاح العربي (إن الحرب في دارفور إنتهت) وإذا صدق قوله تكون إذاً تلك الميزانية المهولة مخصصة لدارفور التي في الخرطوم. والحقيقة أن بند الأمن والدفاع ظلا يشكلان النسبة الأكبر في الميزانية بذات الرقم علواً وهبوطاً طيلة العقدين الماضيين التي ظلت العصبة تمسك فيها بخناق السلطة. تصور لو أن تلك المبالغ الضخمة خصصت من أجل تعليمك وصحتك ورفاهيتك يا عزيزي المواطن طيلة العقدين الماضيين، كيف كان سيكون حالك؟ لكن ذلك يثبت أنهم طيلة تلك السنين لم يكونوا مشغولين بالقضايا التي تهم المواطن بقدر إنشغالهم بكيفية جلوسهم على السلطة وتثبيت أركانها، حتى ولو كان ذلك ثمنه آلام وأحزان ودموع مواطنيهم!

بما أن الألم بالألم يذكر، كنا قد كتبنا قبل فترة (الأحداث 18/10/2009) عن ظاهرة مزقت القلوب ألماً، لأن ابطالها كانوا أطفالاً أبرياء، ومسرحها دار رعاية الأيتام بالمايقوما أو الأطفال فاقدي السند كما أشارت صحيفة الأخبار في تحقيق لها (1/10/2009) اكتشفت فيه وفاة 74 طفلاً في شهر واحد (سبتمبر) وذلك بسبب (الاهمال وسوء التغذية) كما ورد في الحيثيات التي وقفت عليها الصحيفة، ويحمد لها على غير المألوف في الصحف السودانية، أنها لم تكتف بالنشر فقط وإنما ألحقته بمتابعة مثابرة في اعدادها اللاحقة، وأجرت حوارات مع أهل الشأن ولكن للأسف لم تثمر كل تلك المجهودات عن عمل يضع الظاهرة في عين العاصفة بغية إيجاد حلول متكاملة لها، لاسيما، وكنت قد تأملت خيراً في أن من يقف على رأس وزارة الطفل والرعاية الاجتماعية هي الآنسة سامية أحمد محمد، بحسب أن انتمائها للجنس (اللطيف) كفيل إلى النظر لتلك المسألة بعين الاعتبار، والابتعاد عن عين الجنس (الخشن) وأغلبهم ممن نزع المولى سبحانه وتعالى الرحمة من قلوبهم. والمفارقة أن من يقف على رأس ذات الوزارة الولائية سيدة أيضاً (أميرة الفاضل) وهي كذلك يفترض فيها ان تكون بحكم تكوينها البيولوجي أكثر إحساساً بتلك المأساة وأكثر قرباً وتحسساً لمشاكل الطفولة.

لكن يبدو أن لا أحد يمكن ان يحلم بعالم سعيد في ظل أصحاب القلوب العامرة بالايمان. فعوضاً عن ايجاد الحلول الموضوعية والمنهجية والواقعية، فقد قرأت إعلاناً معمماً على معظم الصحف (19/11/2009) يطلب الدعاء والصلاة لأطفال السودان، وقد جاء ذلك الاعلان مبعثراً على صحف عديدة (بيان للصلاة والدعاء من أجل أطفال السودان) وذلك بمناسبة يوم الطفل العالمي، ولأنه أتى أمر عجبا شأن أفعال العصبة ذوي البأس دائما، أجد نفسي ملزماً بإختبار مقتطفات مطولة حتى يقف الناس على حجم المأسأة من كل ابعادها، يقول البيان (يحتفل العالم بالذكرى العشرين لاتفاقية حقوق الطفل وسط دعوات عالمية ومحلية لتعزيز حقوق الاطفال والعمل من أجل السلام، وإننا في وزارة الشئون الاجتماعية ولاية الخرطوم وفي اطار الدعوة العالمية للصلاة من أجل الأطفال الذي يوافق الجمعة الموافق 20 نوفمبر وهو يوم عظيم من ايام المسلمين، ويصادفه شهر مبارك وهو شهر ذو الحجة الذي تتوجه فيه أفئدة الملايين صوب بيت الله الحرام، نأمل أن نتوجه جميعنا بقلوبنا وأفئدتنا للصلاة والدعاء من أجل أطفال السودان) ويضيف البيان الذي صيغ بلغة تفتت الأكباد وتدمي القلوب (ومن هنا نقدم الدعوة لأصحاب القلوب العامرة بالايمان برفع الأيدي والابتهال والدعاء من أجل أطفال السودان، فالأطفال نعمة الهية لهم حق البقاء والنماء والحق الأصيل في الحياة، كما أنهم يمثلون مستقبل البلد وثروتها التي لا يمكن أن تعادلها ثروة) ويزيد البيان (ففي هذا اليوم يجب أن نعمل معاً دولة ومؤسسات مجتمعية في ترسيخ حقوق الاطفال، وأهمها أن تكون الأسرة هي محضن الطفل وبيئته الطبيعية لرعايته وتربيته والمحافظة على إنتمائه الديني والثقافي والحضاري) ويذكرنا البيان بأبجديات التربية التي نسيتها الوزارة نفسها (فحق الأطفال في الحياة حق مبكر يبدأ منذ أن يكون جنيناً في رحم أمه، ومن ثم ضمان حمايتهم من أمراض الطفولة ممثلة في سوء التغذية والالتهاب الرئوي ووقايتهم بالتحصين من الأمراض المعدية) ثم انظر يا مولاي إلى هذا الكذب الصراح من دون أن يطرف له سطر (لقد نجح السودان وولاية الخرطوم خاصة في نشر الوعي الصحي بأهمية الرعاية الصحية للأطفال وامهاتهم ، ولكن تبقى هذه خطوة تحتاج مزيد من الخطوات حتى نحمي اطفالنا خطر الوفيات العالمية) ثم يختم البيان بالابتهال (لنبتهل جميعا ونتجه صوب السماء أن تنعم بلادنا بالاستقرار والسلام والدائم حتى يعيش أطفالنا طفولة طبيعية آمنة.. يأمنون فيها من الجوع والخوف ويحصلون على حقهم في التعليم والصحة، دعوتنا لكل أصحاب القلوب العامر بالايمان، دعواتنا لأمهاتنا بأن تكون احضانهن لأطفالهن، ولآبائنا بأن تكون ايادهم هي الحانية التي تمسح رؤوس الأطفال وتكفكف عنهم الدموع، فلنصل ونبتهل جميعا من اجل الايتام ومجهولي الأبوين والمشردين والمحرومين من أجل الطفولة في كآفة ربوع سوداننا الحبيب) فتأمل!!

هل يصدق المرء أن ذلك يمكن ان يحدث في دولة المشروع الحضاري؟ الوزارة السنية توجه خدماتها للأطفال المسلمين، حيث يستوجب على الطفل الذمي أن يدفع الجزية وهو صاغر من المهد إلى اللحد. إن سبب إقتطافي المطول يعود إلى أن البيان الذي نشر في ثمن صفحة في عدد من الصحف، كانت تكلفته يمكن أن تذهب لشراء الغذاء الذي مات بسببه زغب الحواصل، وكان يمكن أن تذهب التكلفة لشراء الدواء لمن أسميناهم بفاقدي السند، ويا له من تعبير واقعى. ولأننا قوم مجبولون على العاطفة كنت قد تلقيت العديد من الرسائل بعد نشر ذلك الموضوع، يسألونني ما العمل؟ وهو سؤال مؤلم لم أجد له عندي إجابة، لأنني في الواقع وجدت نفسي لا أملك من حطام الدنيا غير قلمي هذا.. إن كان يمكن أن يفعل شيئا!

أيها الناس.. إن الميزانيات الأمنية الضخمة لا تحمى الحكومات والأنظمة حتى ولو طالت سلامتها. هكذا علمتنا دروس التاريخ القديم والحديث. ولهذا استغرب حماس العصبة ذوي البأس للانتخابات وهذه النفحة الديمقراطية التي هبت عليها فجأة.مع أنهم يعلمون علم اليقين أن المواطن الصالح الذي يحترم حكومته ويقدم على انتخابها يفعل ذلك لأنها تقدم له الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية والثقافية، والمواطن الصالح يمنح ثقته وصوته للحكومة التي تعمل من أجل رفاهيته وتقدمه وإزدهاره وترفع رأسه بين الأمم. فقولوا لنا ماذا قدمتم لنا من هذا حتى نعيد الثقة فيكم، مع أن واقع الحال يقول لقد أخذتم منَّا كرامتنا وعزتنا وكبرياؤنا، ولم تقدموا لنا شيئاَ يقيم الأود ويروي الظمأ ويشفي الجراح! فعلاَّم إذن ينتخبكم الناس!

يا سيدي الطبيب دموعك تلك قد وصلت، وانا عندما اشاركك المحنة ذلك لأننا نبكى وطناً استباحه التتار الجدد، ونرثي أنفسنا من خلال سهوله وجباله ونيله وكل تضاريسه. ولكنني على يقين إنهم يعلمون أنه لن ينتهي العزاء بإنتهاء مراسيم الدفن!!

 

عن صحيفة (الأحداث) 6/12/2009