عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

انطلاقاً من الفرضية التي ذكرناها في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، والقائلة بأن احتمالات معركة فاصلة بين الشيخ وتلاميذه تظل قائمة مهما تقادمت السنين. وامتداداً لسيل التساؤلات التي سبق وأن طرحناها في صدارة الحلقة الثانية، وقلنا إنها ظلت سابحة في الفضاء الفاصل بين الطرفين لنحو عقد من الزمن دون اجابة تروي ظمأ السائلين. إذاً ما رأئكم يا أعزائي القراء لو دلفنا مباشرة إلى سؤال يمكن أن نسميه بـ (أم الأسئلة) وهو السؤال الذي نزعم أنه ظلَّ يسيطر على تفكير شيخ حسن ردحاً من الزمن. ولكن نظراً لطبيعة شخصيته التي تنطوى على متناقضات كثيرة لم يكن يفصح عنه إلا لماماً. وبالمقابل يمكن القول - بقرائن الأحوال – أنه سيطر فعلاً على ذهنية العصبة ذوي البأس من تلاميذه السابقين لدرجة الرهاب (الفوبيا).. والسؤال: ما هو السلاح الذي يمتلكه الشيخ ويُعتقد إنه أرجأ تفعيله تحسباً لمعركة محتملة لا يعرف أحد أيان إندلاعها؟ وبنفس القدر هل هناك ثمة سلاح إدخره تلاميذه لذات المعركة، ويُتوقع استخدامه إذا ادلهمت الخطوب واحتدم الوغى؟ ولكن قبل هذا وذاك لابد وأن يسأل المرء نفسه: أي نوع من المواجهة ستكون سمات تلك المعركة يا ترى؟ هل هي معركة سياسية قوامها هذا السجال الذي يطفو على السطح حيناً ويخبو احياناً أخر وفقاً لمقتضيات الظروف؟ أم هي معركة قانونية يأخذ بعضها برقاب بعض لتعبر الحدود إلى قوم لا يخشون في قول الحق لومة لائم؟ هل هي معركة دنيوية محورها السلطة المتنازع عليها؟ أم معركة دينية (إسلاموية) ستخرج فيها ثعابين وأفاعي وعقارب من جحورها؟ هل هي معركة عادية من جنس ما عرفه الناس وألفوه بين البشر؟ أم معركة ثأرية لن تخضع لأي قواعد مثالية أو معايير أخلاقية؟!

حريٌ بنا القول أولاً إن تلاميذ الشيخ السابقين اجتهدوا ما وسعهم لترسيخ تجريمه، وتأكيدهم إنه المسؤول وحده عن كل ما تمخضت عنه العشر سنوات الأولى من موبقات وخطايا وآثام. ومن جانبه لم يكن ينفي ولكنه ظلَّ يكابر احياناً بالقول أن الفترة المشار إليها لم تكن شراً مطلقاً، ويزعم إنها حتى لو كانت كذلك فسيظلوا هم منفذو تلك الشرور. واستعصم الشيخ بهذه المقولة وما أنفك يرددها حتى الحوار الأخير الذي اشرنا إليه مع صحيفة الشروق الجزائرية، إذ سأله المحاور عمَّا إذا كان مخطئاً، وكالعهد به نفى ذلك ورمى باللائمة على تلاميذه (أنا لا أعتبر نفسي كذلك.. وإنما المخطئون هم الذين انقلبوا عليّ) وبما أن الشيء بالشيء يذكر، كان لي صديق بينه وبين الترابي صلات عامرة بالمودة رغم أنه ليس من عصبته. فاجأني ذات يوم – قبل سنين خلت - بقول ذرَّه الشيخ على مسامعه في لحظة إزداد فيها أوار غضبه على تلاميذه فقال له: (أنا رجل قانون، وأعلم أن ما في صدري من اسرار قد تقودني للسجن بضع سنوات، ولكن لن يحدث ذلك قبل أن أكون قد رأيت رؤوساً كثيره أينعت وتمَّ قطافها) وكنت قد سألت ذلك الصديق إلحافاً أن يبرني بشذرات من تلك الأسرار؟ ولكنه قال إن الشيخ لم يذهب معه أكثر من تلك العبارة المذهلة. وقد صدقته ليس لأنه يتمتع بثقتي المفرطة، ولكن لعلمي وعلم بعض القراء أن الترابي الذي يخالط جرأته عناد مشوب بميكافيلية واضحة، لن يهدأ له بال قبل أن يرد الصاع صاعين لمن ظنَّ أنهم سرقوا منه حلمه الذي ثابر ونذر له حياته. وبالطبع هم أنفسهم يعلمون أن لا شيء يمكن أن يصده عن هدفه سوى هادم اللذات، ونحسب إن كان هذا بوسعهم لما ترددوا لحظة في إرساله له!

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في سياق التطورات الحالية: هل ما ذكره الشيخ تلميحاً يمكن أن يكون ضمن أجندته الخفية تصريحاً إبان زيارته الحالية لأوروبا؟ الاجابة قد تبدو عصية، لأن ذلك من علم ربي والشيخ بالطبع. بالرغم من أن أحد مرافقيه الحاليين، أرسل لنا عبر البريد الألكتروني مؤكداً وبإلحاح شديد أن الشيخ لن يزور سوى باريس، وأنه جاءها اصلاً بناءاً على موعد سابق لإجراء فحوصات طبية. وليعذرنا إن صدقناه على مضض، لا لشيء إلا لأن السابقة التي إنتهجها الترابي في تنفيذ خطة الانقلاب ظلت ترمي بظلالها الكئيبة على أي فعل يكون طرفاً فيه. فنحن نقف أمام رجل لن يظلمه أحد إن قال عنه إنه برع في فنون المكر والخداع والتمويه، وذلك استناداً إلى السابقة المذكورة والتي لم يعرف لها التاريخ السياسي السودان مثيلاً، فكلنا يعلم كيف أفسح الرجل لنفسه مكاناً بين معتقليه عشية الانقلاب. ويومذاك رمى عثمان عمر الشريف القطب الاتحادي بكل اصول اللياقة، وطفق يجأر بالشكوى ليل نهار في سجن كوبر الشهير، مخاطباً المعتقلين بصوت جهير قائلاً: (يا جماعة دي أول مرة في التاريخ رئيس انقلاب يسجن نفسه مع المعتقلين!).. يا لتعاسة هذا البلد الحزين، ولكن أين عثمان عمر الشريف نفسه الآن يا صاح؟!

ليس سراً أن الشيخ سبق وان ازاح الغطاء قليلاً عن بعض ما يظن أنه يمكن أن تتدحرج جراءه رؤوساً في الهواء الطلق. ونذكر من ذلك ما جاء في الحوار الذي أجرته معه قناة العربية في أواخر ابريل من العام 2006 وأهم ما جاء فيه قوله إنه على استعداد للمثول أمام أي محكمة دولية إن طُلب منه الإدلاء بشهادته في قضية محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا في يونيو 1995 وأضاف أنه كرجل قانون يعلم تماماً أن هذه القضايا لا تسقط بالتقادم. المفارقة أن التداعيات في السودان دحرجت قضية الرئيس المصري إلى اسفل القائمة. بينما جعلت من قضية الرئيس السوداني مع المحكمة الجنائية موضوع الساعة. بيد أن كلا القضيتين فرضتا على الترابي بإعتباره خصيم المذكور أن يكون أكثر وضوحاً من غلاة المعارضين في التعبير عن آرائه. فعندما سأله محرر صحيفة الشروق في الحوار المذكور، حول ما إذا كان يريد أن يمثل الرئيس عمر البشير أمام محكمة الجنايات الدولية؟ قال له (أنا والله مؤمن بالعالمية لأني مسلم، والمسلمون لا يعرفون عصبية قومية أو قُطرية تحبسهم أصلاً، والدين ذاته يعلمنا أن نتعامل مع غير المسلمين ولا نفرض عليهم الجمارك إلا إذا فعلوا ذلك معنا، ولا نقاتلهم إلا إذا بدأونا بقتال. وأعتقد أن القضاء العالمي عادل، لهذا على الرئيس السوداني أن يمتثل أمام محكمة الجنايات الدولية. الرئيس نفسه لجأ إلى محكمة العدل الدولية بلاهاي في هولندا للتحكيم في قضية الجنوب، فكيف تصبح لاهاي بعضها خير وبعضها شر؟ وهل يُعقل أن تكون خيراً لما تحكم لي وتتحول إلى شر لما تحكم عليّ؟) وهذا سؤال يصعب أن يجيب عليه أحد المعنيين!

في واقع الأمر لم يتوقف الترابي عند حد الإدلاء بفتوى قانونية أو فقهية، ولكنه مضى إلى ما هو اعمق غوراً في الحوار المذكور. فعندما حاصره المحرر بقوله هل يعني ذلك إنه يعتبر الرئيس السوداني متورطاً في ما حدث من جرائم في دارفور حتى يطالبه بالامتثال لمحكمة أوكامبو؟ قال له (أنا رجل قانوني وأثق في عدالة القضاء.. من الناحية القانونية أنا لا أحكم عليه، ولكن من الناحية السياسية أنا أحكم عليه وأعتبره مسؤولا عن كل ما جرى في دارفور.. في مجال السياسة، إذا كنت وزيرا، مثلا، سوف تُطرح عنك الثقة وتُصرف لا لفعلك المباشر فقط، بل بسبب ما يجري في وزارتك، فالرئيس السوداني حصل في حكومته وفي سلطانه بدارفور ما لا يتصوره عقل.. هل سمعتم بمسلمين في بلدهم المسلم ينتهكون أعراض البنات بالمئات إلى أن تموت المسكينات؟ هل سمعتم بنحو 2000 قرية تُحرق تماما بالطائرات ليس فيها متمرد واحد؟ هل سمعتم بـ4 إلى 5 مليون شخص بعضهم لجأ إلى المدن وبعضهم لجأ إلى المعسكرات بسبب ما يحدث في دارفور؟ هذه جرائم منكرة، خاصة إذا قام بها من ينتسب إلى الإسلام) ويزيد الترابي ناسخاً أي شكوك أو ظنون ظل البعض يلصقها بالمحكمة الجنائية عندما سأله المحرر عن طبيعتها، فقال: (أنا شخصيا أعرف القضاة ولا علاقة لهم بالسياسة، منهم الإفريقي ومن هو من لاتفيا وأمريكا اللاتينية، والمدعي نفسه من أمريكا اللاتينية، وكان دائما ما يُتابع الطغاة والجُناة. نحن ليس لدينا حصانة قضائية لا للنبي صلى الله عليه وسلم ولا للخلفاء ونحن نعرف جيدا تاريخ ديننا)!

ثم أنظر إليه يعتلى المنبر كأنه إبن جلا وطلاع الثنايا ينثر النصح لأهل العراق مصحوباً بالويل والثبور وعظائم الأمور، بل لا يتردد في استدعاء القرآن كأنه يريد أن يُذكِّر الذين قالوا له بالأمس إنه نسيه من فرط تأثير ما حدث له في كندا من قبل، أو كأنه يريد إجراء بروفة لخاصية الدهاء السياسي التي اشتهر بها، إذ قال (نحن كذلك ملزمون بالأمم المتحدة، وقد قالت لنا: اذهبوا إلى محكمة الجنايات الدولية وأنتم ملزمون بالتعاون معها.. وكون السودان ليست عضوا فيها لا يُعتبر حجة، فلا يمكننا أن نهدم الدنيا ونقتل العالم بحجة أننا لسنا أعضاء في محكمة الجنايات الدولية، وهل هذا يمنحنا صفة البراءة؟ "كلا"! فقلنا لهم: ليذهب منكم أحد ويدفع عن نفسه فربّما يُبرّأ، والله يأمرنا فيقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ» فمهما كنت قريبا مني إلا أن القضاء أقرب إليّ منك) تلك تكشف أحدى طبائع الترابي الميكافيللية، هل يظنن مراقب أنه كان يمكن أن يقول الشيء نفسه إن كانت هذه المشكلة قائمة وهو يقف على رأس النظام كما كان بالأمس؟

الاجابة بالطبع لا، لأن الترابي لا يتورع مطلقاً في إلباس كل حالة لبوسها، بدليل تباين مواقفه في حادثة الرئيس مبارك عندما كان قابضاً على زمام السلطة عن مواقفه بعد أن اقصى منها. ولهذا نعتقد أن آرائه الحالية حتى وإن بدت تفوح منها رائحة الحرص على إعلاء قيم الحق والعدل والمساواة، إلا أنها في واقع الأمر لا تخرج من التباغض بينه وتلاميذه. لكن المفارقة أن هذا النهج جعله صوتاً مميزاً بين معارضين تضاءل صوتهم واضطربت رؤاهم لدرجة ما عاد الناس يعرفون إن كانوا مثلاً هم مع المحكمة الجنائية أم ضدها؟ ولا يفهمون هل هم مع حماية دولية لمواطنين عجزت الدولة عن حمايتهم أم مع تدخل دولي يزيح النظام عن سدة السلطة؟ لكن الترابي الذي يضع نصب عينيه معركته الفاصلة مع تلاميذه، يديرها كجنرال متمرس، فهو يوجه عين على الماضي في قضية الرئيس المصري مثلما ذكر مراراً وتكراراً، والعين الأخرى على الحاضر ممثلاً في قضية الرئيس السوداني والمحكمة الجنائية!

وسواء الماضي الملييء بالمحن والإحن أو الحاضر المشبع بالبلايا والرزايا، ليس للعصبة ذوي البأس منهما نصيب يزيل الهموم ويريح النفس المكدرة. وهو ما قد يفسر حماس الترابي وفي نفس الوقت يفسر سر استماتة العصبة نفسها وحساسيتها تجاه أي قول أو فعل يهدف إلى تفكيكها عبر قوانين التحول الديمقراطي، فبالرغم من أنه هدف مشروع ظنت القوى السياسية إنها تستطيع الوصول إليه بأعجل مما تيسر، إلا أن العصبة ظلت تمد لهم لسانها ساخرة بلسان حال يقول نجوم السماء أقرب مما يزعمون. ولو أن الذين يتتوقون شغفاً لرؤية العدالة تسرى في اوصال جلاديهم سمعوا قول أحد سدنة النظام اثناء المفاوضات التي جرت بينهم وحزب الأمة في جيبوتي عام 1999 قبل أن تفضي للإعلان المسمى بها، لوفروا على أنفسهم وقتاً ثميناً. وقتذاك توترت المفاوضات وتعثرت عندما طالب ممثلا حزب الأمة (مبارك الفاضل وصديق بولاد) بضرورة إقرار بند يختص بمحاسبة كل الذين إغترفوا جرماً في حق المواطنين، فأنبرى لهم دكتور نافع على نافع قائلاً بوضوح لا لبس فيه (إنتوا عايزننا نتفق معاكم على الحبل، عشان تلفوه حول رقبتنا وتشنقونا بيه) وتلك قصة وثقنا لها في (سقوط الأقتعة) أيا ليت قومي يقرأون!

بغض النظر عن غاياته، فإن دكتور الترابي الذي بدا واضحاً في زمن الغموض الذي أحاط بغلاة المعارضين، جعل البعض يتساءلون: أمن أجل هذا أفسح له المعارضون المجالس وجعلوه لسان حالهم من قبل أن تبسط موازيين الحساب والمحاسبة؟ ففي أواخر سبتمبر الماضي كان عقد الواسطة في مؤتمر جوبا، رأيناه يجلس وعلى يمينه السيد الصادق المهدي، وعلى يساره السيد محمد ابراهيم نقد. وقبلهما كان رياك مشار يستقبله هاشاً باشاً في مطار جوبا ويقول له بصوت طروب (جوبا نورت) عندئذ أدركنا نحن شعب الله المحتار أن جوبا لم تعد هي المدينة التي حاول الشيخ وتلاميذه اطفاء نورها بدعاوي الجهاد من قبل، هذه يا سادتي بانوراما البؤس التي تتعهر فيها المباديء وتنحط فيها القيم. المفارقة أن الرجل نفسه لم يخف دهشته لمحرر الشروق الجزائرية بشيء من الزهو (كان يُفترض أنني لو ذهبت إلى الجنوب لوجدتهم من أكثر الناس كرها لي، فالغرب يُغريهم بهذا «الأصولي الذي جاء بالشريعة والجهاد»، لكن الأبواب فُتحت أمامي وتحدثت إليهم حتى في كنائسهم التي يُصلون فيها، واستعنت في حديثي معهم بنصوص الإنجيل، وتحدثتُ في المساجد والأسواق، وتحدثت مع الحكومة الجنوبية أيضا، وأرى أن جميع المشاكل معهم سويت فلا مجال لهذا الخلاف الذي تقول الحكومة القومية في الشمال إنه حاصل مع الجنوب) لمن هذه الرسالة المبطنة: هل هي للغرب الذي يدعي الترابي مصارعته، أم للحركة الشعبية في متاهتها الكبرى، أم لحلفاء الحركة الذي قزمتهم الأحداث، أم للمثقفين السودانيين الذين لا يعرفون عن الجنوب شيئا سوى (عربي جوبا) أم أنها لتلاميذه الذين يعتقد أن عصاه ستلقف كل ما يأفكون!!

عن صحيفة (الأحداث) 22/11/2009