عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

عندما يطالع القراء الكرام هذا المقال يكون (شيخ حسن) عندئذ قد خلع جلبابه وعمامته السودانية المعروفة بعد مغادرته العاصمة القطرية الدوحة، وما أن هبطت الطائرة في مطار شارل ديغول بالعاصمة الفرنسية باريس حتى خرج منها (دكتور الترابي) وقد إرتدى بدلة أفرنجية كاملة تزينها ربطة عنق أنيقة. وقد يكون عندئذ قد فرغ من مقابلاته الرسمية في المكاتب الفخيمة والصوالين المغلقة أو غير الرسمية في مقر سكنه واقامته، ولعله يكون أيضاً قد طلب من مرافقيه أن يتجهوا به نحو شارع الشانزلزية الشهير ليستذكر خُطىً مشاها (حسن عبد الله حمد الترابي) الطالب الشاب الذي جاء إلى فرنسا قبل ما يناهز النصف قرن لينهل العلم من جامعاتها. وعندما تحقق له يومذاك ما أراد.. تأبط شهادة الدكتوراة من جامعة السوربون، ويمم وجهه شطر الخرطوم تسبقه غاية استرخصت الوسيلة. ولهذا عندما وصلها وضع (شيخ حسن) العمامة على رأسه وإعتلى منبر الحركة الاسلامية، ثمَّ نظر يمينه فرأى شيوخاً أينعت رؤوسهم، فقالت له نفسه الأمارة بالزعامة ها  قد حان قطافها، فلم يتوان في أن يفعل بهم ما فعله الحجاج إبن يوسف الثقفي بأهل العراق. ثمَّ جلس (دكتور الترابي) على منصة جامعة الخرطوم ونظر إلى يساره، فرأى زرقاء اليمامة تُبشر اصحاب الياقات البيضاء بشجر يسير من بعيد، فصدقها حين كذبها قومها، ثم خرج في الناس خطيباً ونذيراً وبشيراً بثورة اكتوبر!

قليلون هم الذين يعلمون لماذا اختار الرجل المقل في سفرياته الخارجية – طوعاً أو كرهاً - هاتين العاصمتين اللتين لا يجمع بينهما شيء حتى حروف اللغة الابجدية. ولن أكون مغالياً - وفق قياسات الرأي العام - إن قلت أن هذه الزيارة قد لا تعني جموع الشعب السوداني في كبير شيء، بل أن الترابي نفسه - كما يعرفه الناس - لا يقلقه إن علم كثيرهم أو قليلهم دوافع وأهداف جولته تلك، والتي تشمل دولاً أوربية أخرى. ذلك لأنه يعلم اليقين أن المعنيين بها قوم تركهم خلفه في تلك العاصمة الحمقاء كلما أمعنوا النظر في التاريخ بغروا بطنه، وكلما جاعوا للسلطة أكلوا بثدييهم. لهذا فكثيرون هم الذين يعلمون أن ما بين الترابي وتلاميذه وميض نار خبا تحت الرماد، لن ينتهى مطلقاً بذات السهولة التي اندلع بها، إنه صراع داحس والغبراء السياسي، صراع يظل سرمدياً طالما بقى أحد طرفيه قابضاً بزمام السلطة والطرف الآخر ينظر إليه شذراً، ومن عجب أن الطرفبن يعلمان أنه متى ما إندلعت النار فإنها لن تبقى ولن تذر!

عقد كامل من الزمن مضى على ما سُمي بالمفاصلة التاريخية بين الاسلامويين عام 1999 أي عشر سنوات بالتمام والكمال لم يهدأ فيها غضب الشيخ على تلاميذه، مثلما لم يخفف تلاميذه من وطأة حقدهم عليه. كلاهما ظل متربصاً بالآخر. هو لا يملك غير أن يحصي حركاتهم وسكناتهم ويذكرهم دوماً بأنه ما زال ممسكاً بحبل قد يكون وسيلة نجاتهم او نقيضها. في حين أنهم ما زالوا في حيرتهم يعمهون، إذا أدخلوه السجن احتاروا وإن أخرجوه منه زادت حيرتهم، إذا منعوه من السفر تفاقمت همومهم، وإن سمحوا له بالسفر أفترستهم الشكوك والظنون،إذا وضعوه في الاقامة الجبرية جاء من يقول لهم إن الشيخ وحده القادر على تفسير حلم السلطة السمينة والسنوات العجاف، وإن اخرجوه خطب فيهم بطريقته التي يعرفونها وقال لهم أيها العير إنكم لسارقون. سيظل ذلك سجالاً في مسرح عبثي لأن الممثلين أنفسهم لا يعبأون إن كان ساكن القصر غردون أو المك نمر، مثلما أن الجمهور لا يكترثون إن كان ساكن المنشية شيخ حسن أو دكتور الترابي!

الرواية داخل الرواية تقول إن الشيخ أغضبه أن تلاميذه سرقوا منه مشروع حياته على حين غرة، لكنه لم يكن يعلم في سياق متناقضاته الكثيرة أنه كان يبشر تلاميذه بزوال الطائفتين المعروفتين في الوقت الذي كان يؤسس فيه للطائفية الثالثة في السودان. والشيخ الذي ظل طوال حياته يباغت تلاميذه بالفتاوي التي تثير جدلاً، لم يصدق حين باغتوه بفتوى من جنس ما تعلموه منه تفاضل بين الدين والدولة، وتغلب العاجلة على الآجلة. يومذاك سرت في اوساطنا الطرفة التي اضحكتنا وابكت الشيخ فيما بعد. كان من أطلقها رجل بيننا اشتهر بروح الدعابة والفكاهة والمرح، وحافظ على ذلك في ظروف كان الدم يراق فيها على جانبيه كما تراق أحلام البسطاء. إذ قال لنا الراحل الدكتور جون قرنق دي مابيور إنه كان يعرف من دروس وعبر التاريخ أن الثورات طالما أكلت بنيها، ولكنه للمرة الأولى يرى ثورة تأكل (أبوها) يومذاك قلت لأحد الأصدقاء ولكن هناك مقاربة أخرى لا يعلمها سوى الذين يعرفون الشيخ وخبروا طرائق تلاميذه. إذ الفارق بينهم هو أن الشيخ يمكن أن يدخل معك غرفة واحدة، ثم يغلقها بالمفتاح ويبتلعه أمام عينيك، وتكتشف فجأة أنه غادرها وتركك بداخلها تبحث عن وسيلة تفتح بها الباب بالرغم من إدراكك إنه ابتلع المفتاح. أما تلاميذه فيمكن أن يدخلوا معك غرفة أخرى ويغلقونها أيضاً بالمفتاح، ولكنهم يظلون ممسكين به في أيديهم في نفس الوقت الذي يبحثون فيه عن طريق للخروج. والويل كل الويل لك إن قلت لهم إن المفتاح الذي تبحثون عنه هو في أيديكم!

من المفارقات المذهلة وعلى عكس الطرفة التي نحت نحو نهايته، قاوم الترابي واستمات في عدم الاستسلام لتلاميذه. بل كثيراً ما بذل جهداً فوق طاقته حتى لا يمنحهم فرصة تجلب السعادة لقلوبهم الجزعة. ويرى الناس إنه كلما تقدم به العمر أتى بفعل حيوى عنوةً لينقص من سنوات عمره، وكأنه يود ان يقول لهم إنه ما زال في بواكير شبابه. قبل ايام قليلة فائتة قالت الصحف إنه تعرض لضربة شمس أثناء مخاطبته جماهير قرية (طيبة) بولاية الجزيرة، وأكدت أكثر من صحيفة أن حالة من حالات الإغماء إنتابته وسقط مغشياً عليه جراء إنخفاض ضغطه. ولكنه واصل جولته بعد ان عولج وكأن شيئاً لم يكن. وعندما عاد إلى منزله في الخرطوم كان أول شيء صرح به أن نفى نفياً قاطعاً تعرضه لأي عارض صحي، وقال إنه يتمتع بكامل صحته وسلامة بدنه. ويذكر الناس أيضاً شماتة غير لائقة صدرت من أحد تلاميذه غير الأوفياء بعد الحادث الذي حدث له في كندا في العام 1993 وترتب عليه بقائه لفترة طويلة في المستشفى، مما حدا بالبعض أن يعتقدوا بأنه لن يعود لسابق حياته الطبيعية. وبدت كأنما تلك فرصة صلى من أجلها تلميذه مهدي أبراهيم صباح مساء، فنطق ذات يوم على هامش مؤتمر كان يحضره في مدينة جوهانسبيرج بمكنون صدره، وقال لأجهزة الإعلام إن (شيخ حسن الترابي نسى القرآن كله بما في ذلك سورة الفاتحة) لكن الشيخ نهض من مرقده، وبدا كأنه أضمر شيئاً ثم عمل من أجله سنين عددا، إذ ردَّ على مهدي أبراهيم والذين تناوشتهم نفس الظنون بطريقة عملية، فعكف على شرح القرآن الذي قيل انه نساه وصدر له كتاب فيما يقارب الألف صفحة (التفسير التوحيدي) في العام 2004 وقيل إنه ثمرة مجهود استمر عشر سنوات!

لولا السلطة التي يمسك بخناقها الاسلاميون يومذاك، لما كان الخلاف الذي سمي بالمفاصلة بين القصر والمنشية مدعاة للاهتمام أو الإثارة في حد ذاته، ليس لأن ما حدث كان في حكم المتوقع ولا لأن سننه جرت كثيراً بين البشر، ولكن لأن كشف عن متاجرتهم بالدين وأزاح غطاء الانتهازية الذي كان يغطى عوراتهم، بدليل أن اللغة الوقحة التي تطايرت من اصحاب الأفواه المتمضمضة والأيادي المتوضئة أذهلت كل مرضعة عما أرضعت، ورأيناهم  يسقطون عباءة الدين كما يسقط المتبطلون حيائهم على قارعة الطريق. ولأن من كان والغاً في مثل هذا السوء ليس لديه وازع اخلاقي يردعه، نحسب أن بعضهم ما يزال سادراً في خصومته بفجور بالغ، إذ استهواهم ترديد تلك اللغة البئيسة كأنهم يزمعون تأليف قاموس يتنافسون به مع سفهاء العالم. ومثل هؤلاء لا يأبهون كثيراً إن إتسقت تلك اللغة مع قيم وأخلاق وثقافة المجتمع أو غرقت في بحر لجي. فهم من فرط شوفونيتهم يظنون أنهم لا يمكن أن يبنوا مجداً أو يتسلقوا سلماً من سلالم الترقى في التنظيم الماسوني إلا إذا عبروا على جثة عرابه، ومن المفارقات أيضاً أن الذين كانوا يدعون أنهم حملة مشاعل المشروع يومذاك، اتضح أنهم أفنوا زهرة شبابهم وهم يمنون النفس بإيماءة من الشيخ السابح في ملكوته الخاص، وإن حدث وابتسم في وجوههم تلك الابتسامة التي تنطوى على ألغاز لا يعلم كنهها إلا هو.. تهفو قلوبهم وترقص نفوسهم طرباً لكأنما قمر بني هاشم زارهم في المنام.. واحال دياجير ليلهم إلى نهار يجهر الأبصار!

يعد الترابي من اكثر السياسيين السودانيين الذين اسبغ الناس عليهم ألقاباً مختلف معانيها. فثمة من شبهه بميكافيللي لأنه بحسب الزاعمين هو مكرس النفعية والواقعية في السياسة السودانية، كما أنه لا يجد حرجاً في الوصول إلى غاياته بغض النظر عن الوسيلة التي يتخذها، وبالرغم من ذلك فإن له قدرة كبيرة في الدفاع عن آرائه حتى ولو أكد الجميع خطلها. وهناك من شبهه براسبوتين الذي ما زال الجدل دائراً حول طبيعة شخصيته، في كونه أي نوع من البشر.. رغم مرور ما يقارب القرن على مماته. وعندما اصبح مستشاراً للرئيس المخلوع هناك من رأى في وظيفته تلك شبهاً بالخدمات التي كان يقدمها الوزير هامان لرئيسه فرعون. ولعل الناس يتذكرون في ذلك العهد تحديداً كيف أن الترابي لم يتورع مطلقاً في تقبل كل فنون الإذلال التي إنهمرت عليه من سدنة الاتحاد الاشتراكي، أدناها قول صحف التنظيم أن الرئيس القائد زوده بنصائحه، وتلك ديباجة تصرف لمعشر القراء كلما نوى المستشار القيام بجولة خارجية، لكن الغريب في الأمر ان الترابي كان يتقبل تلك الإهانات كأنما احداً يلقى عليه شعراً مادحاً!

يحلو للترابي أن يمارس هوايته في السلطة من وراء حجاب، ولذا قد يذكر الناس كيف كان حاله يوم ان كان بين تلاميذه يدير الدولة السنية بسبابه، وفي نفس الوقت كيف كان طموحه جامحاً نحو أممية تسقط الحدود وتزيل حواجز الزمان والمكان. وفي سبيل ذلك الهدف (الديني النبيل) أصبح منزله في المنشية محجاً لكل من القى السمع وهو شهيد، كان أقطاب التنظيم يتقاطرون عليه كما يتقاطر النمل الأبيض في فناء مملكته، واصابت ذات العدوى قوماً آخرين من النفعيين والانتهازيين ومرضى السلطة، ممن ليست لهم علاقة عضوية بالتنظيم. وكذلك اصبحت المنشية أو مدينة قمْ - كما اطلق عليها بعض الساخرين - قبلة للدبلوماسيين العاملين في السفارات والمنظمات والوكالات الأجنبية، وبنفس القدر أمَّها زوار البلاد من مختلف الملل والنحل، وجاؤها صحافيون يبحثون عن رأس الخيط في صناعة القرار، وفوق هذا وذاك هبط عليها قادة حركات الاسلام السياسي الذين كانوا يطمحون في تطبيق ذات التجربة المعلولة في بلدانهم كيفما أتفق.

أياً كان الرأي سلباً أم ايجاباً حول شخصية الترابي، فلا أعتقد أن الناس سوف يختلفون في أنه يظل أكثر السياسيين السودانيين إثارة للجدل. ولا يعتقد عاقل أن ذلك محض صدفة، فهو فعل منظوم يقدره شيخ حسن حق تقديره، أي يقتره حيناً ويبسطه أحياناً أخر بغية أن يظل دائماً مادة الاثارة في الجدل المطروح. فهل يا ترى أدمى هذا القيد معاصم تلاميذه رغبةً في الحرية المشتهاة؟ بعضهم قد يقول نعم وبعض آخر قد يقول لا، ولكن لن يجرؤ أي من الفريقين أن يقول همساً أو جهراً أن ما تم عشية الرابع من رمضان كان رغبة في الانعتاق من سيطرته أو هرباً من سطوته. وبغض النظر عن الاجابة فإنهم يعلمون أن الترابي من شدة إعتداده بنفسه ظل لا يأبه كثيراً.. سواء انفض من حوله الحواريون أم استبقوا أنفسهم في امبراطوريته. ويبدو لي - والله أعلم – إنه من فرط إعتداده وثقته بنفسه فهو يؤمن إيمان العجائز أن الجانحين سيأتون إليه طوعاً ليدفعوا الجزية السياسية وهم صاغرون!

صفوة القول أن تلك الآراء وغيرها أفصح عنها الترابي بوضوح شديد في حوار صحفي أجرته معه صحيفة (الشروق الجزائرية) مؤخراً، ونظراً لأهميته فقد استوقفنا فيه أنفسنا بحثاً عن المفتاح الذي ابتلعه الرجل وهو في قمة نشوته السياسية. ولكن قبل ذلك يجدر بنا ان نختم بما يخدع الطرفين، فقد قال الرجل في هذا الحوار - تصريحاً وتلميحاً - أنه يمكن أن يعفو عن تلاميذه بشروط. ذلك ما بدا لكأنما (شيخ حسن) بمكافيلليته المعهودة قال إنه سيغفر ولكن (دكتور الترابي) ردَّ عليه قائلاً إنه لن ينسى!

إنها جولة في عقل سياسي شارك حاكماً في السلطة فأودت إنتفاضة شعبية بذاك الحاكم إلى مزبلة التاريخ. ثم عاود الكرة وأوصل حاكماً آخراً للسلطة.. لكن هذا أشتد ساعده عليه فخلعه من ذات السلطة... وما زال الرجل يقف عند ملتقي النيلين بين مصدق ومكذب!!

ملحوظة شخصية:

أود أن أعتذر للقاريء الكريم عن غياب غير مقصود في الأسبوعيين الماضيين، ولعلنا نعلم جميعاً أن الأقلام مثل البشر.. تغضب وتضحك.. تصح وتمرض لأسباب خارجه عن إرادتها. اشكر رئيس تحرير هذه الصحيفة الصديق الزميل عادل الباز لتفهمه مقاصدي، واشكر كل الذين أرسلوا لي متسائلين ومشفقين عبر البريد الالكتروني أو الهاتف أو الاتصال الشخصي المباشر، فقد أشعروني بقيمة ما نكتب وخففوا عنا وعثاء سفر.. تعفرت دروبه وطالت معاناته!

 

عن (الأحداث) 8/11/2009