عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
كأن أهل السودان ليس فيهم ما يكفهم من النوازل التي تسقطها العُصبة الحاكمة على رؤوسهم صباح مساء، بحيث لم تبق محنة على وجه الأرض لم يتجرعوا من كأسها المرير. بيد أن هناك أيضاً ممن يدّعون الوقوف إلى جانبهم بدعوى مؤازرتهم في بلواهم، وهناك من يُصنِّف هؤلاء ويضعهم في مقام الأصدقاء وهم لا يعلمون أنها صداقة أقرب للعداوة، أي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب. في مقدمة هؤلاء (الأعداء) تقف السفارة الأمريكية في الخرطوم على رأس من يسومون هذا الشعب الطيِّب سُوء العذاب. ولعل الفرق بينها وبين العصبة الحاكمة في الممارسات، هو أن العصبة تمارس هوايتها تلك في الهواء الطلق وعلى رؤوس جميع شعب السودان، بل لا تتورع في أن تفعل ذلك داخل بيوتهم وفي غرف نومهم، وبالطبع لا تستثني من عذابها سوى فئة من الانتهازيين والمنافقين والساقطين والذين في قلوبهم متسع للانحراف. أما الأولى وهي السفارة الأمريكية فهي تمارس نمط آخر من عذابات (طائر الفينيق) ولكن بفارق أنها تخص به البعض ممن يقتربون من ديارها ويلوذون بحصنها الحصين الكائن في ضاحية سوبا، طلباً لخدمة تُعد من صميم واجباتها!
على الرغم من الرسائل التي تصل لبريدي من قراء توسموا خيراً في مساعينا، إلا أنني وللحق أقول لم أكن أهتم كثيراً بما كان يُقال ويتردد عن السفارة الأمريكية في الخرطوم، بدعوى إننا ننافح نظاماً ديكتاتورياً متسلطاً، وانطلاقاً من مسؤوليتنا الوطنية نعمل جاهدين لمؤازرة الشعب السوداني العظيم في محنته، وذلك بتتبع سوءات النظام الحاكم وكشف عوارته، برغم ديكتاتورية الجغرافيا التي تفصل بيننا. وعلى هذا المنوال مضت بنا سنن الحياة، لولا حدوث ما غيَّر من لا مبالاتنا نحو السفارة وتجاوزاتها. فقد تجمعت لدي معلومات وملاحظات رأيت ضرورة كشفها وطرحها على القراء، ليس من باب الانفعال بها بل للتفاعل معها بالطرق الحضارية المألوفة، حتى يعلم القائمون على أمر السفارة جريرة ما يرتكبون من خطايا سواء بوعيٍ أو بغفلة، فالأمر في كلا الحالين يستوجب تقويماً يحفظ للمواطن السوداني الذي يقصدها عزته وشموخه وكبريائه، وهي القيم التي تعلمون أن سهام الهولاكيين الجدد انتاشتها قبلاً.
وتعلمون أيضاً – يا سادتي – أن السفارة الأمريكية انتقلت قبل عام أو يزيد إلى مقرها الجديد في منطقة سوبا ضواحي الخرطوم، وقد شُيد المبني الجديد على مساحة تبلغ أربعين ألف متر مربع. ووفقاً لهذه المساحة الجغرافية وعلاوة على التجهيزات اليدوية والتكنلوجية الضخمة، تعد الأكبر  في القارة الأفريقية ومثيلاتها في الدول العربية قاطبة. وكذلك تعد ثاني أكبر سفارة أمريكية في العالم بعد سفارتها في هافانا/كوبا. والحقيقة تلك مزية جميلة يستحسنها كل حادب على الوطن ومصالحه العليا. وذلك من باب أن الاختيار وضع اعتباراً مفقوداً للموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي ينعم به السودان، رغم انحسار خاصرته بانفصال دولة الجنوب. ولكن السؤال الذي ينبغي علينا طرحه هل انعكس ذلك الاهتمام بالموقع على التعامل مع المواطن السوداني، ولا نقول حكومته فهي ليست المعنية بهذا المقال، رغم ما لدينا من ملاحظات أخرى على السفارة في صمتها الخجول عن انتهاكات حقوق الإنسان السوداني التي تتم على مرأى من مسؤوليها وهم ساكتون!
عليه نقول إن ثمة ثلاثة ملاحظات أساسية نسوقها هنا للتدليل على سوء العذاب الذي يعانيه المواطن السوداني من السفارة الأمريكية وبأدلة وبراهين من قراء ملكُونا ما بحوزتهم!
أولاً: على الرغم من كبر مساحة السفارة التي ذكرناها، إلا أنها خصصت صالة صغيرة حشرت فيها الذين يودون تقديم طلبات تأشيرة الزيارة، بحيث أصبحت لا توجد مساحة كافية بينهم وبين الموظف الجالس خلف النافذة. فما أن يقوم هذا الموظف بتوجيه الأسئلة لمقدم الطلب حتى تصل لجميع آذان الجالسين دون أن يسترقوا السمع أو يتكبدوا عناء التنصت. ومما لاشك فيه أن تلك الأسئلة تندرج تحت بند نهج الخصوصية Privacy Policy التي تهدرها السفارة كما تهدر الزلازل ما ظهر على وجه الأرض. والجدير بالذكر أن مسألة الحفاظ على الخصوصيات لم تعد ثقافة سائدة في المجتمع الأمريكي فحسب، بل هي منحوتة في القوانين والتي استمدت منها كينونتها وهيبتها واحترامها. حدثتني سيدة تقدمت بطلب لزيارة شقيقتها الحاصلة على الجنسية الأمريكية وتعمل في وظيفة مرموقة، وقالت إنها لم تستاء من رفض طلبها ولكنها حزنت على خصوصياتها التي أهدرت على مسامع الجالسين فخرجت مهيضة الجناح من سفارة بلاد ترفع عقيرتها ليل نهار بالحديث عن حقوق الإنسان على حد تعبيرها. ذلك جعل البعض يقتصر في إجاباته أو يبتسرها أو يتلعثم في الإدلاء بها، الأمر الذي قد يفسره الموظف تفسيراً سالباً يصب في اتجاه الرفض. وفي تقديري أن عدم اهتمام السفارة بتخصيص أماكن مغلقة للمراجعين يدل على استخفاف واستهانة وعدم احترام لخصوصية الأفراد. ولو أن أحداً من السفارة قال لنا: أليس ذلك من جنس ما تتفضل به حكومتكم عليكم، لما وجدنا لقوله هذا بلسماً يضمد جراحنا!
ثانياً: ثمة طلسماً آخراً يتقاطع مع حجم السفارة وكبر مساحتها التي ذكرناها. فلأسباب غير معلومة، حصرت السفارة خدماتها لطالبي تأشيرات الزيارة فقط، في حين تقوم – ومنذ سنوات طويلة – بتوجيه طالبي تأشيرات الهجرة أو ما يسمي بتأشيرات القرعة العشوائية (اللوتري) إلى السفارات الأمريكية في دول الجوار (القاهرة، أديس أبابا، نيروبي) لتكملة إجراءاتهم. بما يعني تكبدهم المزيد من العناء، علماً بأن بعضهم يرجع من حيث أتى بدعوى أسباب كثيرة لا يفيد ذكرها شيئاً. وهذا إجراء تعسفي آخر ليس له ما يبرره سوى تلذذ السفارة بعذاب المواطن السوداني كأن بينه وبينها ثأر، في حين كان المأمول أن تقوم السفارة بشرح أبعاد هذا العناء لحكومة بلادها ممثلة في وزارة الخارجية إن ادّعت إنها تقوم بتنفيذ تعليماتها حيال أُولئك المعذبين!
ثالثاً: يقوم المواطن السوداني الذي يطلب تأشيرة زيارة بدفع مبلغ وقدره مليون ومائة ألف جنيه (بالقديم) كما يقولون، وتسمي هذه رسوم إجراءات تأشيرة processing fees Visa غير قابلة للاسترداد حتى ولو رُفض الطلب، علماً بأن الرفض هذا يستغرق أحياناً أقل من دقيقة. ومن المفارقات التي يعجز العقل عن استيعابها، أن الشخص الذي تبعثرت رسومه في الهواء لو شاء له التقديم مرة أخرى فيستوجب عليه أن يدفع نفس المبلغ، بل حتى لو تكرر طلبه ذاك - لأسباب تخصه - ثلاث أو رباع أو خماس، فعليه الدفع كلما تيمم شطر نوافذ السفارة حتى يكِل جيبه. (ملحوظة: هذا لا يشمل رسوم التأشيرة نفسها إذا تمت الموافقة على طلبه) واقع هذه المفارقة الغريبة حدت بي للتحري عن عدد التأشيرات التي ترفضها السفارة يومياً، وقد علمت - دون أدنى مبالغة – أنها تتراوح أحياناً بين ثلاثين إلى أربعين طلباً. بما يعني عائداً لخزينة السفارة يبلغ نحو ثلاثين أو أربعين مليون جنية في اليوم الواحد، أي ما مجموعه أكثر من مليار جنيه في الشهر. وهذا يعني أيضاً أن السفارة تقوم بتغطية تكاليف رواتب موظفيها المحليين وكل بنود صرفها من ماء وكهرباء وغاز وبترول.. ألخ، من ظهر المواطن المغلوب على أمره. وطالما الأمر كذلك فمن مصلحة السفارة بداهةً رفض أكبر عدد من طلبات التأشيرة حتى تضمن دخلاً مُعتبراً ولا يغرنكم حال دولة تعد الأغنى والأكبر والعظمى بين دول العالم!
بيد أن هذا وذاك قادني إلى التقصي حول أسباب الرفض المكثف للسفارة والذي يُعزى كله تقريباً إلى المادة 4 B)21( من قانون الهجرة الأمريكية، وهي مادة يلوذ بها الموظف الجالس خلف النافذة لأنها تمنحه حقاً مطلقاً في الرفض تحت ذريعة تلك المادة دون أن يُسأل عن حيثياته التي استند عليها، وبالرجوع إلى تلك المادة في قوانين الهجرة الأمريكية نقرأ معاً إنها تطلب من مقدم الطلب تقديم أدلة قوية ومنطقية وواقعية تُقنع ذلك الموظف بأنه سيعود أدراجه بعد انتهاء مدة زيارته. لكن ذات المادة تقيد الموظف بأشياء معينة منها على سبيل المثال.. معرفة ثقافة المجتمع ومحاولة الإلمام ببعض عاداته وتقاليده وهلمجرا. لكن ما يجري في السفارة الأمريكية في الخرطوم – وفق أمثلة بحوزتنا تصلح كدلائل وشواهد – تؤكد أن التأشيرات تمنح وفق أمزجة الجالس خلف النافذة. مثلاً هل يستقيم عقلاً أن تترك سيدة في عقدها الخامس أو السادس الزوج ومعه بنين وبنات في طور الزواج لتعيش في أمريكيا مهما كانت مغرياتها. وطبقاً لهذا المثال قد يقول قائل من السفارة إن الإجراءات التي غلب عليها طابع الرفض تجييء بسبب الذين يذهبون ولا يعودون. لكن بإجابة بسيطة ليس كل الذين يذهبون لا يعودون. فالذين يطلبون تأشيرات الزيارة غالباً ما تكون لديهم أسباباً مقنعة، إمَّا أنهم عجزوا في توصيلها للموظف المسؤول أو أن الموظف نفسه قصُر عن فهم ما يقولون. بل حتى لو افترضنا جدلاً أن البعض ذهب ولم يعد، فالقوانين الأمريكية الداخلية كفيلة بمعالجة تلك الظواهر، علماً بأن الظاهرة نفسها كادت أن تصبح سنة ماضية بين كثير من شعوب دول العالم، ولم يقل أحداً بالطبع أن كل السودانيين من جنس الملائكة. وعليه تبقى المسألة برمتها خاضعة للتمييز العادل حتى لا يقول أحد إن تلك سفارة اقتبست من أهل النظام (فنونهم) في تعذيب مواطنيهم!
صفوة القول، يؤلمنا دوماً السهام التي تكاثرت على المواطن السوداني حتى لم يعد هناك شبراً سليماً في جسده. ففي ظل العصبة الحاكمة تحولت وداعته إلى مشروع إرهابي في المطارات ومطلوب منه أن يثبت العكس أينما حلّ. وفي ظل الطغمة الفاسدة تحولت أمانته إلى شكوك في ذمته، وفي ظل العصبة المتجبرة تعرضت شجاعته إلى امتحان عسير، وفي ظل العصبة الفاجرة كاد أن تضعضع احترامه بين الشعوب. دعونا نسترد معاً بعض ما سرق من قيمه الجميلة. أوصلوا صوتكم للسفارة الأمريكية وفق الثقافة الأمريكية نفسها القائمة على الاحتجاج الحضاري، وذلك باستخدام سلاح الكتابة لها على عنوان بريديها الالكتروني التالي، لعلنا نحفظ بعض ما بات يتسرب من بين أيدينا كما الماء!
facebook:   U.S. Embassy Khartoum

http://www.state.gov/contact/

آخر الكلام: لابد من الديمقراطية وإن طال السفر!!