عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
لم يكن ذلك المشهد الآسر يلفت انتباهي كثيراً فيما سبق، وذلك ربما بحكم اللا مبالاة أو العادة المتأصلة أو الغفلة المتدارجة – سمها ما شئت – فما أكثر العبر وأقل الاعتبار. بيد أن هذه المرة كان لحضوره فعل السحر في نفسي. فبأسباب أدريها وقد يدريها مثلي ممن أرهقتهم قرائن الأحوال، أي بين ما هو كائن في واقع نرزح في جحيمه وما هو مفترض في حياة نحلم بها. كان هذا مدعاة لتأمل وقائع حدث؛ ظلَّ يستقطب أنظار العالم بصورة عامة، وفي جوفه المشهد الذي نحن بصدد الحديث عنه بصورة خاصة. وأقول ليس على المحروم مثلي حرج إن تأمله هذه المرة بشغف زائد ومتعة شائقة لا يضاهيها شيء. فقد أدركت - يا سادتي - ما انطوت عليه تلك الظاهرة من معانٍ حضارية جميلة؛ يعجز الراصد عن التعبير عنها حتى ولو تفانى في الوصف!
جرى العُرف، في مباريات كأس العالم التي تجري منافساتها هذه الأيام في البرازيل على عزف ما يُسمى بـ (النشيد الوطني) لكلا الفريقين المتنافسين قبيل كل مباراة. أثناء ذلك ظللنا نتابع الكاميرا وهي تتهادى على وجوه اللاعبين المتحفزين للنصر وجمهورهم أيضاً، وهم يرددون معاً أناشيدهم الوطنية، بحناجر راعدة وقسمات صارمة، وغالباً ما تكون كفوف أيديهم مقبوضة إلى صدورهم في دلالة على مكانة الأوطان في قلوبهم، في حين تسري ألحانها المموسقة في آذان السامعين، كما يسري الماء الزُلال في جوف الظامئين. فهل تأملنا ذلك – يا سادتي - بنظرة غَيْرى تعيد إلينا الوطن الذي تسرب من بين أيدينا ونحن غافلون!
كأس العالم أو (المونديال) هو عرس كروي لأكثر الأنشطة الرياضية شعبيةً في العالم. لذلك يعيش الملايين بل البلايين عبر قارات العالم السبع شهر عسل حقيقي وهم يتابعون وقائع تلك المباريات بمتعة وولع وإثارة. وكنت قد دأبت على متابعته أيضاً منذ عقود مضت. بيد أنني لم أكتف بالمشاهدة المجردة هذه المرة وإنما حاولت أن أسبح بعقلي وخيالي معاً إلى مرئيات هذا العُرس وما تضمنته من معانٍ خفية؛ جعلت من العالم بكل تنوعه الثقافي والإثني والعقدي يكاد يتوحد على قلب إنسان واحد!
الجمال عنوان كل شيء، فالاستادات أو بوابة الدخول للمنافسات، عبارة عن تحفة معمارية تكاد تسلب عقول الناظرين. تتوسطها تلك الميادين الخضراء بخطوطها الهندسية الجذابة، وتحيط بها المدرجات المختلفة بتناسق بارع. في حين تظل جماهير الفرق المختلفة هي اللوحة الأكثر بهاءً ورونقاً، لا سيَّما، وأن بعضهم تبارى في لفت الانتباه بشتى السبل من أجل إدخال البهجة في النفوس، وإكساب المنافسات جمالاً وإشراقاً. كما إن البلد المضيف نفسه – البرازيل - شأنها شأن كل بلد أقيمت فيه المنافسات، فقد بذلت جهداً خرافياً في التنظيم والرفاهية لمئات الآلاف من الذين هوت قلوبهم وأفئدتهم لديارها من عشاق كرة القدم!
إن المتأمل لهذه الرياضة يرى فيها تجلي كثير من المُثل والقيم النبيلة، فهي تعبر عن معاني الحرية والمسؤولية والديمقراطية والتسامح واحترام الآخر. يبذل اللاعبون قصارى جهدهم في المحافظة على شباك مرماهم خالية من الأهداف، وفي نفس الوقت يبذلون جهوداً مضاعفة من أجل إحراز الأهداف في مرمى الخصم، وذلك لا يتأتى عشوائياً وإنما بخطط مدروسة؛ تدربوا وتمرسوا عليها لسنوات عدة، وخلالها رعوا المواهب وصقلوا الخبرات، وأعدوا لليوم الموعود ما استطاعوا من عدة وعتاد، ولهذا فإن المنافسات لا تفاجئهم بمثلما يفاجئونا العيد والسيول والفيضانات والانقلابات العسكرية!
ورد في حديث صحيح أن الله جميل يُحب الجمال، وأقول نحن كذلك. ومن منا يكره الجمال غير العصبة ذوي البأس؛ التي تفانت في تكدير حياتنا. وفي واقع الأمر لم أعرف في سِير الأولين والآخرين - وفق قرءاتي المتواضعة - إنساناً صارع الجمال وهام به حتى صرعه؛ مثل شاعرنا العبقري الراحل إدريس جماع. أتذكره وأترحم عليه كلما رأيت الكاميرا تنتخب وجوهاً مليحة لحسناوات تفانين في صبغ وتزيين وجوههن بأعلام بلدانهن الزاهية الألوان، أو أي شيء من هذا القبيل، وذلك بهدف لفت الانتباه بنظرة تُنسي الوقار وتسعد روح المُعنّى. فإن أصبنه بسهام لحظهن وأحللن عقدة من لسانه، فلسوف يهتف من أعماق قلبه ممجداً رب الجمال، الذي خلقهن وسواهن وعدلهن، وسيقول سراً أو جهراً.. ينصر دينك يا رب!
يعجبني كثيراً قولٌ جميل تردده إذاعة البي بي سي العربية بين فواصلها وهو منسوب للإمام الغزالي وفيه يقول «من لم يهزه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره، فاسد المزاج ليس له علاج» كلما سمعت هذا القول ظننت أن الإمام الغزالي يعني به (البروفيسور) محمد عثمان صالح؛ الذي يرأس هيئة علماء السلطان، فهو من تلك الفصيلة التي ليس لها علاج، آخر فتواه كانت عن تحريم الغناء في رمضان، وبمثلما يحدث في (أوكازيونات) الأسواق طلب التقليل منه بقية شهور العام. والإمام الغزالي قال قوله ذاك وهو لا يعلم أن بيننا ثلة من أئمة الحيض والنفاس، أفتوا أيضاً بتحريم مشاهدة هذا العرس العالمي الذي يأتي مرة كل أربعة أعوام. ولا شك أن البعض قرأ بعين الدهشة قول أحدهم عشية المنافسات «الفيفا مؤسسة طاغوتية تديرها الشياطين» فتأمل!
علماء الحيض والنفاس هؤلاء ظلوا يعكرون صفو حياتنا بفتاويهم الممعنة في التخلف والانحطاط. ومن المفارقات التي تجعل الدواب تفغر أفواهها دهشة، أنهم لا يرون ما يرى الناس ولا يعايشون ما يعيشونه. لم يسمعوا بأنين عشرات الآلاف من الضحايا في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، بل في الخرطوم العاصمة وولاياتها؛ حيث أزهقت أرواح أبرياء. ولم يروا التعذيب على أجساد شباب زجوا بهم في السجون والمعتقلات، ولجموا ألسنتهم عن قصص الفساد الذي تمدد واستشرى حتى أصبح ديناً يُعبد لدى عصبتهم. لربع قرن ظلّ عبد الجليل الكاروري ومحمد عبد الكريم وعبد الحي يوسف وعصام أحمد البشير والصافي جعفر ومن لف لفهم، يحتكرون المنابر ليحللوا الحرام ويحرِّموا الحلال؛ وفق ما تشتهي عصبتهم الحاكمة! 
بالطبع لن أقول جديداً إن قلت إنني تيقنت بما لا يدع مجالاً للشك أن أيديولوجية العصبة تستند على الاستغلال البشع لكل شيء في الدين أو الدنيا بهدف التشبث بالسلطة. فهم حينما يتحرون رؤية هلال رمضان ويكثرون من التظاهر بمقدمه، فلا يظنن أحد أن ذلك حرصاً منهم على إحياء ركن من أركان الإسلام الخمسة، بقدر ما يرون في الصوم فرصة لشغل الناس عن التمرد على سلطتهم الغاشمة. وبنفس القدر هم يستثمرون مناسبات مثل منافسات كأس العالم الحالية للغرض نفسه وليس كرياضة يستمتع بها الناس في حيواتهم، ناهيك عن أن الرياضة نفسها دجنوها وجعلوا منها وسيلة سلطوية للوصول لغايات يرومونها، فلا غروّ أنْ حاق بها ما حاق بالبلاد من دمار شامل. كما إن الاستغلال البشع قد طال حتى المناخ، وكأني بهم يتمنون أن تمد الطبيعة صيف السودان ليصبح كل العام، وتزيد فيه درجات الحرارة، وترسل الشمس شواظها اللاهبة، ويثور الغبار والأتربة ليكونا سداً لا يبصر الناس من خلاله مساوئهم!
صفوة القول يا كرام؛ ليس بالتمني تبقى أنظمة السوء على سدة السلطة وإن طالت سلامتها، وليس بالفهلوة يستمر الأبالسة في تقبيح الجميل وتجميل القبيح. فلا تبتئسوا يا من تمطى وتثاءب نهاركم وطال ليلكم؛ غداً ستشرق شمس الحقيقة، وسيرى التواقون للحرية والديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية، كيف سيكون العالم ليس في مضمار الرياضة وحدها وإنما في كل أوجه الحياة. وحينئذٍ سينزوي شُذاذ الآفاق والمتطرفون والمهوسون والمتاجرون بالدين وكهنة الإسلام السياسي.. وتجد تلك القيم الجميلة مناخها الملائم لتعم وتسود وتزدهر!
آخر الكلام: لابد من الديمقراطية وإن طال السفر!!