عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أنظر خلفك بغضب.. كانت تلك صرخة تمرد اطلقها الكاتب المسرحي والممثل البريطاني جون أوزبورن، في مسرحية بذات العنوان عُرضت في لندن منتصف خمسينيات القرن الماضي، أي عقب الدمار الشامل الذي حاق ببريطانيا وغيرها جراء الحرب العالمية الثانية. وأوزبورن إلى جانب البير كامو وصمويل بيكيت يمثلون جيلاً من الروائيين والمفكرين والفلاسفة الذين آلوا على أنفسهم رفع راية النهوض بالمجتمعات الأوربية التي دمرتها الحرب، وقد عبر أوزبورن في تلك المسرحية عن نقد الجيل الذي اشعل فتيلها بأنانية وشهوانية مطلقة، وأعزى تواطئهم في المشاركة لسياساتهم الخرقاء وفقدانهم الثقة في أنفسهم والآخرين. ثمَّ جسَّد ذلك الواقع المزريء الذي شكلته افرازات ما بعد الحرب فزادت من التعاسة المخيِّمة أصلاً. كذلك ولَّد الإحساس بالهزيمة والانكسار غضب عارم كان بمثابة بدايات الخروج من القوقعة، وعليه جاءت المسرحية مليئة بروح العزيمة والإصرار والتمرد. وطبقاً لذلك لابد للمرء أن يتساءل.. من ذا الذي أحق بالغضب اليوم أكثر من الشعب السوداني؟

أرسل لي صديق عزيز فيلم (فيديو) ربما كان مبذولاً الآن للناس في الأسافير العامة (تجدون الرابط في آخر المقال) وطيلة الدقائق التي استغرقتها في مشاهدته، شعرت بأن الأرض تميد تحت قدميّ وداهمني حزن عميق وسيطرت على نفسي أحاسيس الكآبة والضآلة والنكد، فزهدت في الدنيا بمن فيها وما فيها، ثمَّ انتابتني موجة حارقة من البكاء المُر، ولم تتوقف دموعي عن الانهمار وأنا الذي كنت أظن أنها عصية على ذلك جراء الديكتاتوريات التي ناءت بكلكلها على صدورنا. ولكن ماذا يفعل المرء عندما يشعر أن إنسانيته خضعت لامتحان عسير وأن وطنيته أصبحت في مهب الريح؟ هل أبكي حال هؤلاء أم أبكي نفسي أم أبكي وطناً نهشت لحمه خفافيش الظلام فصيرته عظاماً نخرة؟ إنني على يقين كامل بأن كل من سيشاهد هذا الفيديو ستشرق عينيه بدمع سخين، ولكن أليس حري بنا بعدئذٍ أن نستدعي الغضب النبيل الذي دعانا له أوزربون؟

الفقر ليس عيباً ولكن العيب يكمن في لا مبالاتنا وفقدان الإحساس بالآخر، سترون مثل ما رأيت في وجه تلك المرأة الصابرة وجه أمي، وفي وجوه ابنائها وبناتها وجوه إخوتنا وإخواننا. قوم يعيشون على الكفاف على بضع أميال من بيت الحاكم بأمره، ولا عزاء لهم غير تمتمات من الحمد والثناء لرب العالمين. هؤلاء الذين تشاهدونهم مواطنون في هذا البلد التعيس، لهم من حقوق المواطنة بمثلما للآخرين الذين يكنزون الذهب والفضة وينامون على أنغام فساد أدمنوه. هؤلاء كان من المفترض أن يكون لهم نصيب في الثروات التي حُبيت بها بلادهم كثرت أم قلت. لهذا بكيتهم وبكيت وطني وبكيت نفسي وأنا أشعر بأن يدي مغلولة إلى عنقي. رأيت في وجوههم ضعفنا وخزينا وعارنا. رأيت في وجوههم وجوهاً جلست القرفصاء على صدورنا وصارت تمد لنا ألسنتها ساخرة، ألسنة أحالت شجاعتنا إلى جبن ومروءتنا إلى أنانية وشهامتنا إلى خنوع. لست مكرهاً على استدار دموعكم يا سادتي ولكن مجبر على استثارة غضبكم، لأننا صرنا نحتج في صمت ونشكو في صمت ونبكي في صمت، وقد تبلدت مشاعرنا وتجمدت أحاسيسنا ونكيل السب ليل نهار وكأننا نعيب زماننا ولا ندري أن العيب فينا!

أي مهانة لحقت بهذا الشعب الطيب، فنحن قوم نعيش في بلد حباه الله بثروات يندر أن تجد لها مثيلاً في هذا العالم الكبير، ولا أقول ذلك من أحاديث المبالغة بل هو الواقع الذي نعيشه ونحن عنه غافلون. إذ يندر أن تجد بلداً جمعت بين عدة مصادر للثروة، الزراعية والحيوانية والمائية والنفطية والمعدنية، وأصدقكم القول لو أنها وُزعت بالقسطاس على كل أفراد شعبه لما وجد الأثرياء فقيراً يمنحونه زكواتهم، ولما وجد ضعاف النفوس ثغرة في الفساد والإفساد، بل لما اهتبل الديكتاتوريون الفرص للانقضاض على السلطة. فالسودان الذي نعيش في كنفه ليس بلداً فقيراً ولكن هناك حملة إفقار ضخمة قامت بها عصبة كادت أن تموت من التخمة والناس جائعون. أنظروا إلى حرب المليارات التي تكاد أن تذهب بالعقول. أنظروا كيف يحتفل (الفريق) عبد الرحيم محمد حسين بزواج كريمته في بلد تتضور فيه تلك الوجوه جوعاً؟ أنظروا لوالي الجزيرة وهو يلهو بالملايين كما يلهو طفل بدميته. دولة يحكمها أبالسة فاقوا الحواة في خدعهم، فجعلوا غش البشر وغش رب البشر صنوان!

دعكم من مداخيل النفط اليوم وتساءلوا عن عائداته التي بلغت حتى وقت الانفصال أكثر من 70 مليار دولار، وأين ذهبت صادرات الذهب والثروة الحيوانية والصمغ العربي، ولا تسألوا عن مساعدات وقروض دول صديقة وشقيقة إن تبدي لكم تسُوءكم. فهذا البلد الذي نتغنى بأمجاده ونفتخر بكرم مواطنيه يعيش على ريع أهل الخير والمنظمات الطوعية، وفي ذلك نستدل بإحصائية مفوضية العون الإنساني. ففي سنة 2008 كانت هناك 280 منظمة طوعية عاملة في البلاد، انخفض عددها في العام الحالي 2014 إلى 91 ليس لأنها أطعمت الجياع وروت العطشى، ولكن لأن الأبالسة (اكتشفوا) تآمرهم وطردوهم. مع ذلك فالمنظمات الحالية يستفيد من مشاريعها 2 مليون مواطن، واجمالي ميزانياتها يصل إلى نحو 416,439 مليون دولار سنوياً، ويعمل بها 3920 سودانياً. وفي دارفور هناك 3 ملايين نازح في حاجة للدعم العاجل وهناك مليون و800 ألف مواطن يتم دعمهم من قبل المجتمع الدولي(أي خمسة ملايين فيديو مثل ما تشاهدون) والمفارقة إنك إذا تأملت - يا هداك الله - تلك الأرقام فستجد أن فساد (سيدنا الخضر) والثمانية العظام إلى جانب بطلا فساد شركة الأقطان، يفوق ما تكرَّمت به تلك المنظمات على الشعب اليتيم. ومع ذلك فالتتار لا يستحون في سبها آناء الليل وأكل خيراتها أطراف النهار.. ونحن صاغرون!

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت يا سادتي، فالأزمة ليست أزمة سياسية وإنما أزمة ضمائر ماتت وأخلاق تكلست. ما جدوى الحياة إن كنا مسلوبي الإرادة، وقد أصبحنا شعباً متسولاً. شعب مشرد داخل وطنه ومشتت خارجه، شعب ينام على صوت الرصاص ويصحو على هدير المدافع، ومع ذلك نصم آذاننا حتى لا نسمع أنين الضحايا ولا آهات المغلوبين. نحن يا سادتي نقف الآن في مفترق طرق، وحتى نحافظ على ما تبقى من وطننا فخياراتنا أصبحت ضيقة.. بين أن ننتصر لكرامتنا أو نموت موت الشرفاء، بين أن ننحاز لإنسانيتنا أو ندفن أنفسنا أحياء، بين أن ننتصر لقيمنا أو ننكسر لتجار الدين. فالحرية لا تمنح ولكنها تنتزع، والمحاسبة لا تأتي طواعية بل تجيب من يناديها، والفساد لا يُحارب بأضعف الإيمان وإنما بقول الصدق في وجه سلطان جائر!

العدالة مقدمة على الديمقراطية، والمحاسبة تعلو العفو، والحرية صنو المساواة!

أنظروا خلفكم وحولكم بغضب ومن لم يستطع فليفسح المجال لدمع يطفر من عينيه لعله يغسل خطايانا في حق وطن يتسرب كما الماء من بين الأصابع!

آخر الكلام: لابد من الديمقراطية والمحاسبة وإن طال السفر!!

الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=572E09J4hpA

ملحوظة: إذا لم يفتح هذا الرابط، يمكن نسخه ولصقه على المسطرة