عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أكاد لا أعرف شعباً في التاريخ الإنساني استُغفِل في حقوقه مثلما فعلت العُصبة ذوو البأس بالسودان وأهله. نعم هناك شعوب كثيرة في هذا العالم الكبير حَكَمهم ديكتاتوريون بالحديد والنار، لكن دِلُوني على رئيس واحد من نفس الفصيلة يقول على الملأ «نحن السلطة دي جبناها بالبندقية والعايزها يجي يشيلها بالبندقية» ثم بنفس الفم الذي نطق كفراً يقول بعد أن هلك الزرع والضرع «هلموا لنتحاور من أجل السودان الواعد»؟ دِلوني على رئيس من نفس الشاكلة اعترف (بعضمة) لسانه وعلى رؤوس الأشهاد بقتل عشرة آلاف شخص من مواطنيه، ثم تُضرب له الدفوف ويعتلي منبراً ليرقص طرباً على أشلائهم؟ حدثوني عن رئيس من ذات القبيلة جلس القرفصاء على سدة السلطة لنحو ربع قرن ثم دعا ضحاياه لمذبحة جديدة وهشَّ بعصاه على وجوههم وقال لهم: «تعالوا يا جماعة نحن أولاد اليوم».. فصدَّقه البعض وهم يعلمُون أنه.. إذا حدَّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان؟
مأ أكثر الأنظمة السيئة في العالم حين تعدّها، ولكن حدثوني عن نظام أعلن الجهاد على شعبه وأجبر شباباً غضاً على الانخراط في محرقته، ثم فتح سدنته المصحف ولم يروا من آياته سوى «وأعِدّوا لهم ما استطعتُم من قوةٍ ومن رِباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم..» وبعد أن تطايرت النعوش، جاءوا يحدثونهم عن الوحدة الجاذبة، ثم فتحوا نفس المصحف ولم يروا من آياته سوى «واعْتصِمُوا بِحبل الله جميعاً ولا تفرَّقُوا..»؟ ذكروني برئيس فَصَل عشرات الآلاف من الخدمة المدنية والنظامية، بدعوى (الصالح العام) وبعد أن قضى ثلثهم نحبه وتشرد ثلثهم الثاني ومضى الثلث الأخير يلعق الفقر والفاقة ومرارات الذل والهوان في وطنه وديار الاغتراب، قال لهم: «ثاني ما في صالح عام، وما في تمكين، وما في بيوت أشباح وأولاد مصارين بيض»؟ خبروني عن نظام كادت التخمة أن تقتل جهابذته وهم يتحدثون عن التقشف؟ دلوني على نظام كرسّ القبلية والجهوية والإثنية وطفق يدعو لنبذها؟
ما أكثر المفسدين في الأرض حين تحصيهم، ولكن حدثوني عن طُغمة أنكرت الفساد من رمدٍ وهو دينهم الذي يتبتلون في محرابه صباح مساء، وبعد أن كلَّت يد ديوان المراجع العام عن حصره، دعا فرعونها «لمراجعة قانون الثراء الحرام والمشبوه، بحيث تتيح نصوصه التصدي لكل أشكال الفساد» دلوني على عُصبة انتهكت الشرعية واحتكرت السلطة وقتلت وعذبت وشردت وأفسدت وبعد أن استنفدوا أغراضهم، سرقوا لسان الله – تنزَّه وعلا – وقولوه ما لم يقله: «عفا الله عما سلف!» حدثوني عن شعب ظل يحكمه حزب واحد بكل وسائل الحُواة، ثم نادى نحو مائة حاوٍ خرجوا من جحورهم وألقوا ما هم ملقون فتلقف ما يأفكون مثله؟ حدثوني عن بلد ظلَّ بعض صحافييه يكتبون ببطونهم وسملت عيونهم عن رؤية الواقع بكل مراراته وآلامه التي لا تخفى على الناظرين، وفجأة خرجوا للناس شاهرين أقلاماً تتحدث عن الحرية وسُبلها، والشفافية ولزُومها والديمقراطية وضرورتها؟
ما أكثر الفاشلين حين تذكرهم، ولكني أسالكم إن كان لنافع علي نافع قرين في هذا الكون تبرأ منه لسانه، وكال من الإساءات لشعبه بقدر عدد مسامات جلده؟ هل ثمة توأم له نكص على سوءاته وجاء يبشر الناس بالعنف الذي لا يمكن أن يكون بديلاً للحوار، وأن الانفراد بالسلطة لا يُغني عن الانتخابات وشجونها؟ دلوني على وزير دفاع استحوذ على أكثر من 70% من الميزانية، ومع ذلك يتحدث عن (نظرية الدفاع بالنظر) دون أن تطرف له عين؟ أعلِمُوني عن رجل تقمَّص روح راسبوتين ومارس الانتهازية بعدد شعيرات ذقنه أكثر مما فعل الدكتور حسن الترابي.. اغتصب سلطةً وأصبح عرّابها، ثم فاصلها وبات عدوها، ثم عاد إليها وصار حليفها؟ من يُكلمني عن شخص واحد في هذا العالم يمتلك حزباً خاصاً كالسيد محمد عثمان الميرغني، ويديره مزاوجة بين السياسة والقداسة بما لم يستطع خلفاء الدولة الأموية ولا العباسية فعله؟ دلوني على سياسي قضى أكثر من نصف عمره في السياسة وشئونها، ومع ذلك يدفع بفلذات كبده نحو مقصلة نظام يقول إنه يعارضه ويريد إسقاطه ونحن له مصدقون؟
لقد نجحت العصبة الحاكمة في خداعنا للمرة الألف، نجحت في جعلنا نردد دون وعي كلمة الحوار كأنه مُكتشف سوداني جديد، نجحت في إدخالنا في غيبوبة حتى لا يتذكر أحد منا خطاياها، نجحت في جعلنا ننطق بكل شيء إلا الفريضة الغائبة التي اسمها المحاسبة. يريدون أن يعيدوا إنتاج أنفسهم بإعادة إنتاج الأزمة، كأنهم لم يَقتلوا ولم يُعذبوا ولم يُفسدوا ولم يَفصلوا بلد كان موحداً. وأشهد لو أنَّ صمويل بيكيت رائد مسرح العبث كان بين ظهرانينا لما توانى لحظة في الاعتراف بتقاصر عبقريته وتقازم مواهبه. يخيّل إليَّ دوماً في خضم اللا معقول الذي نعيشه أن الشعب السوداني (الفَضَل) أشبه بشخص حُكم عليه بالإعدام في جريمة لم يرتكبها، وعندما استؤنف الحكم قَبِل القضاة مبرراته، وقاموا بتخفيض عقوية الإعدام إلى حكم مؤبد، وفجأة هتف قادته (المعارضون) نشوةً بقولهم يحيا العدل!
يا سادتي ما أوسع المِحنة وما أضيق العبارة، فنحن شعب ظلت السلطة الباغية تروضه كما يروض مدرب سيرك أسوداً ليسوسها ويستأنسها. جعلتنا ندمن الدهشة حتى أصبحنا ننام ونصحو على دبيبها في وجوهنا، إذا جُعنا صبرنا، وإذا عطِشنا تذمَّرنا. عصبة دَبَغت جلودنا بكل أنواع الموبقات وسمتها ابتلاءات لكي نهرع لسجادة الصلاة ونبث الله شكوانا لا أن نواجهها. سلطة انتهكت حرياتنا فأصخْنا السمع لأناشيدنا (الوطنية) ننفس بها كربتنا. عصبة قتلتنا فقام نفر بمواراة جثثنا وعادوا يثرثرون فيما هم فيه منهمكون. سلطة نحرت رقابنا من الوريد إلى الوريد، فضحكنا كالطير مذبوحاً من الألم. إن الذي يجري يا سادتي لا يخضع لمنطق، ومن أراد أن يُمنطِقه بحماقة عليه أن يحجز أولاً في مستشفى المجاذيب. إذ يمكن للحيّة أن تغيِّر جلدها، ولكن هل رأى أحدكم حيّة غيرت جلدها فأصبحت حمامة سلام!
هذا نظام كالسامري الذي صنع عِجلاً له خُوار وسماه زوراً وبهتاناً حِوار!
آخر الكلام: لابد من الديمقراطية والمحاسبة وإن طال السفر!!
ش