عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
امتداداً لما ذكرنا من وقائع في الحلقة الماضية، والتي سلطنا فيها الضوء على تعامل السيد محمد عثمان الميرغني مع القضية السودانية بصورة عامة، ومواقفه المتقلبة من النظام بصورة خاصة، وقلنا بشواهدٍ إنها تحكمها بدرجة أساسية حبه للمال حباً جماً. الأمر الذي عملت العُصبة على استغلاله حتى دجنته. نزيد أيضاً بقصتين تعضيداً لما سردنا. ففي كتابه (السودان، أهوال الحرب وطموحات السلام - ص 816) كتب الدكتور منصور خالد الآتي نصه: «وجهت السيدة سوزان رايس، مدير إدارة أفريقيا بمجلس الأمن القومي (قبل أن تصبح مساعداً لوزير الخارجية لشئون أفريقيا في إدارة الرئيس بيل كلنتون) سؤالاً للسيد الميرغني يعبر عن تلك المخاوف، في لقاء شارك فيه الكاتب، سألت رايس الميرغني، ما الضمان لأنكم لن تعودوا مستقبلاً إلى مواقفكم السابقة حول هذه القضايا، فأجاب: الضمان هو ثباتي على موقفي الذي تعاهدت عليه مع قرنق منذ العام 1988» تلك القصة دارت وقائعها منتصف تسعينات القرن الماضي، أي في أول زيارة للميرغني لواشنطن بعد ترؤسه هيئة قيادة التجمع الوطني الديمقراطي. والواقع أن الراوي سرد الرواية مبتورة ولم يذكرها كاملة لاعتبارات نعلمها وهي خاصة به. أما نحن فقد تواترت إلينا طازجة حينها والمنصور خالد بها زعيم. فما ذكره في النص من (مخاوف) و(مواقف سابقة) ولم يفصح عنهما عمداً، كانتا قد تمثلتا في سؤال رايس للميرغني في بداية اللقاء بقولها: «ترى ما هو الفرق بينكم وحكومة الجبهة الإسلامية الحاكمة في الخرطوم وكلاكما تدعوان لدولة إسلامية؟ فقال لها: «نحن أسرة الميرغني أغنى أسرة في السودان، ولو أننا مثلهم لاستبقيت نفسي في السودان لاستثمر أموالنا» ثمَّ أكمل إجابته بالنص المذكور أعلاه والمقتبس من الكتاب.. فبُهت الذي سأل ونحن أيضاً!
(26)
أما الرواية الثانية، والتي ذكرناها في كتابنا المشار إليه من قبل (سقوط الأقنعة/ سنوات الأمل والخيبة - ص 475) فهي تصب في اتجاه موازٍ يوضح كيفية تعامل الميرغني مع القضية العامة بمنظور هوايته تلك بعد أن هيأت له الظروف ترؤس التجمع الوطني الديمقراطي، أو الكيان الذي حُظي بمؤازرة غالبية أهل السودان، وبدعم إقليمي لا حدود له، ومساندة دولية كبيرة. حدثت القصة التي نرويها في أول اجتماع بين السيناتور القس جون دانفورث وبعض أعضاء هيئة القيادة وعلى رأسهم الميرغني في منزله الكائن في القاهرة والمسمى بـ (فيلا الخرطوم) منتصف العام 2003 وآنذاك كان الكيان المعارض يبحث عن خرم إبرة يدخل بها مفاوضات الإيغاد (نيفاشا) بعد أن كان شريكاً للحركة الشعبية في السراء والضراء. وبجانب أعضاء هيئة القيادة (عبد الرحمن سعيد، فاروق أبو عيسى، التيجاني الطيب، محمد أحمد حسن عبد المنعم، أحمد سعد عمر) حضره أيضاً القائم بأعمال السفارة الأمريكية في القاهرة مستر ميلتون، ونسبة لضيق الوقت الذي تحدد للاجتماع بنحو 45 دقيقة، قام الأعضاء المذكورون بصياغة مذكرة بحيث يقوم الميرغني بتسليمها لدانفورث. لكنه ترك كل ذلك جانباً وطفق يحدث الحاضرين حديثاً أدخل الملل في نفوسهم عن أسرة الميرغني واستثماراتها وثرائها. وقال موجهاً حديثه لدانفورث، إنهم أسسوا مصرفاً وعيَّنوا في مجلس إدارته ثلاثة مسيحيين. وبالطبع لن يخفى على فطنة القارئ ما رمى إليه. صحيح أن دانفورث قسيس قبل أن يكون سيناتوراً، لكنه لم يقل إنه جاء مبعوثاً من قِبل العناية الأمريكية للتبشير بالمسيحية. أما ثالثة الأثافي لو تعلمون، فقد إنفضَّ الاجتماع وغادر دانفورث ولم يقم الميرغني بتسليمه المذكرة المذكورة. الأمر الذي دعا الأستاذ فاروق أبو عيسى وصحبه الميامين بتكبد المشاق والذهاب لمقر إقامة دانفورث وتسليمه المذكرة. هل ترى بعدئذٍ يا عزيزي القارئ ثمة حاجة لأن تعرف لماذا أصبح الكيان الذي ملأ الدنيا وشغل الناس يتسول الحلول!
(27)
من أجل كل ذلك، إن كنا نتحدث عن المسكوت عنه في الواقع السوداني، ينبغي على شعبه الصابر ألا يكلف الميرغني إلا وسعه. فالحقيقة التي يتعامى عنها مُعظمنا رغم أنها تشكل واقعاً مؤلماً، هي أن الميرغني يرأس حزباً هو صاحبه، على عكس أبجديات العلوم السياسية التي تعرِّف الحزب بأنه كيان لجماعة. وبالتالي فإن الميرغني لا يرى غضاضة، بل ليس في الأمر غرابة إن ترأس هذا الحزب لما يقارب النصف قرن، فضلاً عن أنه لا يرى أيضاً في الأمر مُنكراً إن جمع مع رئاسته تزعم طائفة بغض النظر عن تضاد رسالتيهما وتوجهاتهما ومراميهما. بيد أن التناقض الأكبر يكمن في أن هناك من صدَّق أن فاقد الشيء يمكن أن يعطيه، وظنَّ أن الميرغني يعمل على استرداد الديمقراطية. علماً بأن الحقيقة التي ينبغي علينا مواجهتها حتى نستبصر أمورنا بصورة تتواءم ومتطلبات العصر، هي أن رجلاً بتلك الصفات لا تهمه هوية النظام الحاكم، سواء كان ديمقراطياً لبيرالياً أو ديكتاتورياً متسلطاً، ولا أعتقد أننا جئنا بأمر جديد في هذا الشأن، فنحن على الأقل نردد ما يقوله البعض همساً ولا يجرأون على قوله جهراً. المفارقة أن دهاقنة الطغمة الحاكمة وقفوا على مكونات ذلك الواقع البئيس وعملوا بوسائلهم الخبيثة على استغلاله وتجييره لصالح نظامهم. إذ أبرم الميرغني عقداً شفهياً مع النظام – مثلما ذكرنا في الحلقة الماضية – قضى بألا يعمل على إسقاطه أو حتى مساندة الذين يريدون إسقاطه قولاً أو فعلاً، لاسيِّما، وقد جبر النظام ضرره الذين كان يدعيه بعطايا لم تتوقف مطلقاً. إذاً فما الذي يمكن أن يُرجي ممن كرَّس نفسه سيِّداً لطائفة، ويرى الطائفة تعلو على الحزب، ويؤمن بأن الحزب فوق الوطن؟!
(28)
ليس من باب فقه المقارنات ولا شخصنة القضايا فالبون شاسع كما تعلمون، إذ إن لكل من السيدين شأن يغنيه في الوطن وقضاياه. طبقاً لهذا فثمة مسألتين قد تفسران المواقف الرمادية للسيد الصادق المهدي حيال النظام. الأولى، عُرف بأنه أكثر انشغالاً بالقضايا السياسية والفكرية سواء اختلف الناس معه أو اتفقوا، ولهذا بدا يظهر للمراقبين بمظهر الزاهد عن المال وجمعه بعكس الميرغني الذي ذكرنا. لكن ذلك زُهد قد يصمد أمام الدهر وتقلباته، ولكنه قطعاً لن يقوى على الصمود في تسيير شئون طائفة وحزب معاً (المعروف أن حزب الأمة شأنه كشأن سائر الأحزاب السودانية – عدا الحزب الشيوعي نسبياً – ليس في أجندته المالية أي بند لاشتراكات الأعضاء الذين رسخ في عُرفهم أن الحزب يَعطي ولا يُعطى) لهذا كانت الحاجة هي نقطة الضعف التي عملت العصبة الحاكمة على استغلالها، الأمر الذي انعكس على مواقف المهدي فأصبح يبدو وكأنه غير جادٍ في مسألة إسقاط النظام، وقد انعكس ذلك ضعفاً على حزبه، إذ صار يتآكل من أطرافه كما السودان نفسه. نتج عن ذلك أن دفعته الحاجة المستمرة لتسيير شئون الحزب والطائفة لأن يطرق الباب الحرام، فلجأ للسلطة الغاصبة تحت دعاوي استرداد ثمن سيارات صودرت بعد الانقلاب (علماً بأن للمهدي تجربة مريرة في مسألة تعويضات آل بيته إبان رئاسته الوزارة في الحقبة الديمقراطية الثالثة) من جهة ثانية، فثمة قلَّة من الناشطين - ونحن ضمنهم - كانوا على علمٍ بالسبب الرئيس الذي حدا بالمهدي لإسقاط لاءاته الشهيرة وطي ملف العمل المعارض في الخارج، ومن ثمَّ العودة للسودان في نوفمبر من العام 2000 بل قبل ذلك تسريع خطى تلك العودة باتفاق منفرد مع النظام في العام 1999 بجيبوتي. فهذا وذاك كانا سبباً في عدم قدرته الصرف الذي يتطلبه نشاط الحزب في المهاجر، لا سيَّما، وأن السيد مبارك الفاضل – لشيء في نفسه - كان وقتئذٍ قد جفف كل المصادر التي كانت تُمول الحزب، وهو أمر كشفت مراميه الأيام بعد انتبذ مبارك مكاناً قصياً من الحزب!
(29)
مع ذلك سنستشهد مرغمين في هذه النقطة بالسيد مبارك الفاضل نفسه. أقول ذلك ليس لأن شهادته مجروحة في المهدي بعد أن فجرا في خصومة شقت عنان السماء. وليس لأن له يداً سلفت في الاغتراف من ذات المصادر القمعية التي وصم بها المهدي. وليس لأنه ذو قدح معلى في فشل النخب التي اصطلينا بنيرانها، ولكن لأنه ببساطة أكَّد ما قلنا إننا كنا نعرفه ورهط من الناشطين في تفسير عودة المهدي للسودان وبمعيته مبارك الفاضل نفسه. بمعنى أن العلاقة بينهما كانت عهدئذٍ (سمناً على عسل) كما يقولون. ولكن بعد أن ذهب الأحباب كل في طريق، نشر مبارك مقالاً بصحيفة الصحافة 4/5/2004 قال فيه مخاطباً المهدي: «قبل عودتك من منفاك الاختياري الأخير بالقاهرة في 2003م أرسلت إبنك عبد الرحمن إلى رئيس المؤتمر الوطنى، ليقول له إن أبى يقول لك بأن بقائه في القاهرة ليس عودة إلى المنفى ولا هو مرتبط بموقف سياسى، ولكنه بسبب العجز عن مواجهة الالتزامات المالية في السودان وأنه يسألك العون حتى يعود الى السودان. وقد استجاب رئيس المؤتمر الوطنى وسدد فاتورة العودة» ثم أكد في نفس المقال أن المهدي استلم من النظام مبلغ مليون دولار كتعويض عن السيارات التي صادروها. وعلاوة على ذلك عندما كثر اللغط حول الأمر من بعض جلاوزة النظام بتصريحات مُتعمدة قبيل الانتخابات التي دبجوها في أبريل 2010 قام حزب الأمة بإصدار بيان مُطول في 16/4/2010 يصعب اختصاره، لكن ما يهم أنه تحدث عن الأموال التي ذكر أنهم تلقوها تفصيلاً مقابل ما أسموه بالممتلكات المصادرة (عبارة عن 169 سيارة وأجهزة اتصالات ومطبعة وأثاث) وهي بحسب البيان قُدرت قيمتها بستة عشر ملياراً وتسعمائه وثلاث وعشرون مليون جنيه، دُفع منها ملياران وسبعمائة مليون جنيه حتى ذاك التاريخ. ومع ذلك نذكرها لأنها قضية جدلية حيال نظام صادر الديمقراطية قبل أن يصادر ما هو أدنى منها!
(30)
أما المسألة الثانية التي عملت العصبة الماسونية على استغلالها وإنعكست رخاوةً في مواقف المهدي إزاء النظام، فقد تمثلت فيما يخص طائفة الأنصار أو الكيان الذي يستمد منه الحزب والمهدي معاً إكسير الحياة السياسية والاجتماعية. ونحن إن كنا قد وصفنا الحزب الاتحادي بأنه حزب خاص، فإن حزب الأمة يختلف عنه نسبياً في إنه حزب لجماعة، ولكن ليد آل المهدي نفوذ في الجماعة لا تخطئه العين، وضمن أولئك يبقى للسيد الصادق المهدي شخصياً اليد الطولى. وسنضطر مرة أخرى أن نستشهد بما ذكره مبارك الفاضل في المقال الذي ورد ذكره من قبل، برغم إنه ورد في لحظة احتدام الوغى بين أبناء العمومة، ولكنه كان بحضور آخرين ذكرهم بأسمائهم مما يمكن أن يخفف من وطأة الافتراء، قال مخاطباً المهدي: «بدأت الاجتماع بفاتحة حديثك أن هذا حزبي أنا فمن يريد العمل فيه عليه أن يفهم ذلك ومن لا يريد فأمامه الشارع والمؤتمر الوطني» وفي الواقع يقول النفسانيون إن حب التملك يعد أقسى أنواع الحب الذي انحرف عن مساره الطبيعي، أما أنا فأعتقد أنه شعور ينتاب الأشخاص الموفرين نشاطاً مختلف المشارب، وأزعم أن المهدي واحد منهم بلا شك. لكن من الحب ما قتل كما تعلمون. بيد أنني لا أدري ما إذا كان للأمر علاقة بذاك الشعار القميء الذي روج له بعض الرجرجة والدهماء في فترة تاريخية مضت من بواكير تأسيس الحزب. على كلٍ يمكن القول إن هواجس المهدي بالطائفة والمآلات التي تنتظرها، يعد أمراً متوقعاً، أي يَعلى ولا يُعلى عليه، ولكن كيف؟
(31)
في النزاع المزدوج المذكور، كان الجميع يعلمون أن إمامة طائفة الأنصار ظلت مصدر نزاع بين السيد الصادق وعمه السيد أحمد المهدي. وفي الوقت نفسه كان الحزب هدفاً لتربص آخرين من آل البيت المهدوي. وعلى رأس هؤلاء يقف مبارك الفاضل متوثباً وبعض أبناء الإمام الهادي المهدي ينتظرون. كذلك فثمة آخرون كانت صراعاتهم أدنى من الإمامة، مثلما هو الحال عند بعض أحفاد الخليفة عبد الله التعايشي ومن جاورهم. ومن جهة أخرى كان المهدي الذي يعلم تماماً بسنن الحياة في الفناء والبقاء، يدرك إن الوضع الماثل لن يدوم طويلاً. إذ إن بقاء الكيانين مستقرين يعتمد بالدرجة الأساسية على من يخلف السلف، أي القادر مثله بالأمر نفسه في خضم صراعات مرئية ومخفية. لهذا ففي تقديري أنك لو نظرت لرجال حول الإمام الحالي، بل وكررت البصر مرتين سيعود لك بصرك خاسئاً وهو أسير!
(32)
من هنا توجهت الأنظار نحو إبنه عبد الرحمن الصادق، بل هو خياره المتاح للاستخلاف بالرغم من أنه يتمتع بقدرات سياسية وفكرية متواضعة لا تؤهله في صد سهام المتربصين برئاسة الحزب والمتطلعين لإمامة كيان الأنصار. من هنا انطلق دهاقنة العصبة الماسونية في كيفية التعامل مع المهدي باستغلال نقاط ضعفه تلك. فقدمت له عرضاً كان فحواه أن حزبهم (المؤتمر الوطني) الحاكم يمكن أن يرشح إبنه عبد الرحمن لانتخابات رئاسة الجمهورية العام القادم أو يدعم ترشيحه إن كان ذلك خيار حزب الأمة. وقالوا له إن كلا الخيارين يتطلبان انضمام الإبن لعصبة المؤتمر الوطني مساعداً لرئيس الجمهورية لكي يتعلم أصول الإدارة والحكم. كان ذلك عرضاً وفق ما استقيناه من مصادر عليمة لم يستطع المهدي معه رفضاً أو تمنعاً، وبالطبع لا يمكن أن يسر به حتى لأقرب الأقربين، ليس لأنه يحل إشكالية كبرى يعيشها، ولكن لأن ردود فعله السلبية المتوقعة لا تشكل قلقاً له، فقد سبق أن فعل مثلها في ديكتاتورية نميري، ويومئذِ وبعدئذٍ كانت السدانة محض تنظير يكتبه الكُّتاب مثلنا وليس لها ثمة تأثير على المعنى بها ولا الطائفة ولا الحزب. إذاً فما الذي سيقع على الإبن مستقبلاً لو أعاد التاريخ نفسه؟ لذا قام المهدي بإخراج سيناريو فطير، كان مصدر تندر الناس بقولهم (إذهب يا بني للقصر حاكماً وسأبقى في ود نوباوي معارضاً) فلم يقنع حتى راعي الضأن في الخلاء. والمفارقة أن الإبهام ازداد غموضاً بتعيين الإبن الثاني (بشرى) في جهاز الأمن، وإمعاناً في تغوير الجروح لم يستح المذكور في الظهور خلف والده في يوم احتدم فيه الوغى، وقد امتشق ذات السلاح الذي تقتل به العصبة شباب أهل السودان!
(33)
ثمة مفارقة تاريخية جديرة بالتأمل، لأنها وضعت المهدي في امتحان عسير وهو صانعها. كان كما تعلمون قد بدأ حياته السياسية بالدعوة لفصل إمامة الطائفة عن رئاسة الحزب. وفي ذلك خاض حرباً ضروساً بينه وبين عمه الإمام الهادي المهدي، وهي الحرب التي أعادت للأذهان صوراً ضجت بها قصور الأمويين والعباسيين ولم تنته برحيل الإمام الهادي، فقد ظهر السيد أحمد المهدي مطالباً بإمامة يظن أنه وارثها. وبدأت سلسلة معارك لم ينجل غبارها إلا عندما أعادها السيد الصادق إلى حياضه. وفي تقديري أن الزمن لو رجع به القهقرى للوراء لنكص عن دعوته تلك في إطار محاولاته الراهنة في استبقاء الحزب والإمامة في عقر داره ولا يغادرانها. فلا شك أنه قد ظهرت له الآن سوءات الجمع بين الضرتين. فإبنته الدكتورة مريم تعد أكثر أنجاله التصاقاً بالعمل الحركي السياسي ولها مواقف مشهودة في مناهضة النظام الحاكم، بما يمكن أن يؤهلها تنافساً أو تزكية برئاسة الحزب. لكن تبدو  المعضلة أمامها في أن إمامة الطائفة أمر دونه خرط القتاد، وذلك لاعتبارات لا تخفى على الناظرين!
(33)
من أجل هذا وذاك قلنا في الحلقة الماضية إن عصبة المؤتمر الوطني التي تدرك هذه التقاطعات في أجندة المهدي، قامت بعقد ثلاث موبقات شفاهة مع المهدي، وسيان إن عقدها مع نفسه لضمان تنفيذ بنود ما ذكرنا. الأولى عدم معارضته للنظام بصورة جادة توحي باقتلاعه من جذوره، وثانيها الابتعاد عن مشاركة القوى المعارضة حراكها المناهض للسلطة، سياسياً كان أو عسكرياً. وثالثها، العمل على تقزيم ذات المعارضة والسخرية منها بأكثر مما يفعل النظام. ولنا في كل افتراض شواهد لا يستطيع المهدي لها دحضاً. وعموماً تلك مسلمات نسوقها لمن أعجزه تفسير مواقفه الملتبسة وأصبح مثلنا من الحائرين!
وخلاصة الأمر فالمهدي يشارك صنّوه المحصلة نفسها، بحيث يضع نفسه رباً على الطائفة، والطائفة عنده تعلو على الحزب، والحزب فوق الوطن، وللوطن شعب يحميه، وهو من الحاكمين!
بيد أننا سنتطرق لسؤال جوهري في الحلقة المقبلة حول انعكاس سيرة السيدين هذه علي أجندة سيدي الطائفة الثالثة (علي عثمان طه ونافع علي نافع) وصراع كواليسهما موضع هذه السلسلة!
آخر الكلام: لابد من الديمقراطية وإن طال السفر!!