عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
إن كان ثمة جملة واحدة مفيدة وصادقة في الخطاب الكارثة الذي ألقاه الرئيس «الضرورة» المشير عمر حسن البشير منتصف الأسبوع الماضي، فهي قوله (ونتوجه لأنفسنا، وللذين يستخفون بمنافسيهم وخصومهم، أن بعض هذا الاستخفاف، موجه إلى الشخصية السودانية في الحقيقة، تقليلاً من شأنها، ودافعاً بها إلى شيء من التردد بدأت مظاهرهُ تغزو عقول أجيالنا) ولا أدري ما إذا كان ذلك محض صدفة أم أن قائلها نُزِعت عنه الحُجب وتنبأ بحدوثها أو أن «راسبوتين» قصر غردون الذي كتب هذا الخطاب شاء بنظرية «المؤامرة» توريط رئيسه بحديثٍ بذَّ به عتاة الديكتاتوريين ممن لهم باع طويل في الهرطقة والإسفاف وسواقط الكلام.. من لدُنْ مُعمر القذافي وعلي عبد الله صالح وحسني مبارك.. وهلمجرا. ففي واقع الأمر لا أعرف حديثا سخر منه الناس واستهزأوا بصاحبه مثل هذا. وقلت لنفسي إذاً فلماذا لا يكون قارئه هو كاتبه، لا سيّما، وقد تماهى مع لغة الانحطاط التي ظلَّ يؤذي بها مسامعنا كلما ضُربت له الدفوف؟ قل لي بحدسك: ما الذي يتوقعه المرء من نافخ الكير إذا اقترب منه؟ وسيان الأمر عندي، فذلك أشبه بمن يطلب من الفريق أول بكري حسن صالح مثلاً أن يتحدث عن محاربة المخدرات في احتفائية لهذا الغرض، أو أن يدعو عوض الجاز لمخاطبة مؤتمر خصصت فعالياته لاجتثاث ظاهرة الفساد، أو أن يسأل الفريق عبد الرحيم محمد حسين أن يحاضر ضُباطاً عن الاستراتيجيات العسكرية! فنحن - يا سادتي - نعيش في عالم غرائيبي، لو أن صمويل بيكيت رائد مسرح العبث أُحيي من قبره لوضع يده على خده وطفق يبكي على حالنا!
(2)
نعم أعترف بأنني كنت كمثل سائر عباد الله المغفلين الذين حرصوا على مشاهدة الخطاب الكارثة، لكن الذي خفف عني وطأة تغفيلي هذا، هو أنني لم أكن أرجو من وراء ذلك إصلاحاً أو فعلاً يحيل هشيم البلاد إلى جنة تجري من تحتها الأنهار. ليس ذلك تأففاً أو تعففاً أو استعلاءً، وإنما فقط لأن عقيدتي السياسية الصمدية تجاه هذا النظام وزمرته، تُذكرني دوماً بأنه نظام انقلابي فاقد الشرعية وإن تطاولت سنينه، وقد ظلَّ طيلة تلك الفترة التي قضاها في السلطة يحاول بشتى السبل والحِيل والأحابيل الالتفاف على هذا الواقع بلا جدوى، فهو نظام مراوغ أدمن سدنته الكذب والمكر والخداع. لهذا ليس في الأمر عجب إن ظهر رئيسه يومذاك بعقل خاوٍ وفؤاد أفرغ من جوف أم موسى، وبدا كأحد جنرالات ماركيز يبتغي سبيلاً للخروج من متاهته ليجمل به سوءات السنين. علماً بأنه لو كان الشجر أقلاماً والنيل مداداً لما استطعنا لهذه السوءات عداً ولا حصراً. لهذا لم يكن غريباً أن يتتأتأ صاحبها ويتعثر وهو يكاد لا يقوى على القراءة، تماماً كمثل الحمار يحمِل أسفارا وفق التشبيه الربَّاني البليغ!
(3)
بيد أنني اكتشفت أن الموضوع أكبر مما حصرنا أنفسنا فيه، أي الخطاب الكارثة. فقد بصرت وقدرت ونبشت في وقائع وأسرار وضّحت لي بما لا يدع مجالاً للشك، أن الأزمة التي استحكمت والمحنة التي تعيشها الطغمة الآن كانت مدعاة لهذه التحولات التي طرأت على بنية النظام، وتقف من وراء التغييرات التي تمت وأحالت بموجبها بعض سدنتها إلى «الصالح العام» وبخاصة جماعة «المحفل الماسوني» التي كانت تدير أمور البلاد وتتحكم في مصائر العباد. وعليه سوف أطرح عليكم - سادتي القراء - حصيلة ما جمعت من أسرار بعضها اختزنته في صدري زمناً، ليس لعدم أهميته ولكن لأنني لم أعتد على الانشغال ببعض أفعال الحواة التي تصدر من العصبة، فهم غاية ما يتمنونه أحياناً أن ننشغل عنهم بالهوامش ونترك المتون. وبعضها أسرار مستجدة هطلت علينا من ذات مصادرهم، وهي نفسها التي تُصلي معهم بالنهار وتُسبح معنا بالليل عبر وسائط التواصل الاجتماعي. وعموماً ما بين أيديكم نأمل أن يفسر لكم متى وكيف ولماذا يود الثعبان أن يُغيِّر جلده؟ فتابعوا معنا فضح كواليس النظام الذي أكل «أباه» وأقبل الآن على أكل «بنيه» أو إن شئت فقل وقائع الكارثة المقبلة.. إن لم نتداركها!
(4)
خلَّف موت مجذوب الخليفة صباح يوم 27/6/2007 في حادث سيارة، ظهور كتلتين ظلتا تنافسان في الخفاء للتحكم في مفاصل السلطة. الأولى كان يترأسها علي عثمان محمد طه، والثانية تزعمها نافع علي نافع. لكن في واقع الأمر ظلَّ الأول مثابراً نحو إبقاء عرش الخلافة برمته طوع بنانه، لا سيّما، وقد تضخم هذا الشعور ابتداءً في نجاح الانقلاب عام 1989 والذي لعب فيه دوراً بارزاً. مروراً بنجاحه أيضاً في إزاحة عرابه الدكتور حسن الترابي عام 1999 من واجهة السلطة، وقد كان - بحسب ظنه – أنه يقف حجر عثرة أمام تمدد طموحاته. ثمَّ انتهاءً بالتوقيع على اتفاقية السلام الشامل عام 2005 مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الدكتور الراحل جون قرنق. تلك كانت هي الأسباب الثلاثة التي جعلت من طموح علي عثمان طه يستعر خلف الجدران، لكن سفنه لم تسر حسب ما اشتهى وتمنى. فظهور مجذوب الخليفة كان قد كشف له شرهٍ بيِّنٍ نحو السلطة ودهاليزها، وقد عمل ما وسعه لاحقاً لأيلولتها لقبضته، الأمر الذي لم تستطع عينا طه أن تغفله، خاصة وأن الخليفة نفسه لم يكن يداري ذلك الطموح، بل في كثير من الأحايين كان يتعمد إظهاره لمن حوله تباهياً، فلم يكن عصياً على من كان أحد أعمدة «فقه التمكين» أن يبدأ التمكين بنفسه!
(5)
سارت سفينة العصبة بكل أثقالها ترهقها في الخفاء صراعات المكاتب والصوالين المغلقة. ولمزيد من إسقاط الأقنعة حري بنا أن نستوقف أنفسنا قليلاً في مجذوب الخليفة وسيرته المثيرة للجدل. فهو أول من «خصخص» السلطة ربما في العالم وليس في السودان وحده. فقد كان للرجل جهاز أمن خاص به، تتبعه ملحقاته من جلاوزة وسجن ومعتقلات خاصة وآلياتها، علماً بأننا لا نعرف حتى الآن أحداً ظهر للوجود بعدئذ ليحدثنا عن ما كان يجري في «دور العفاريت» تلك، لكن الذي نعرفه أن ثمة وجوهاً كثيرة اختفت من مسرح الحياة، وللمفارقة بعضها من سدنة النظام نفسه. وقد حكى لي زميل انتقده بشدة في مقال نشره بداية الألفية الثالثة، فاستدعاه علي عثمان طه وقال له إنه قرأ مقاله ولكن عليه أن يحترس «فلمجذوب أجهزة خاصة» بحسب تعبيره، وإن كانت تلك رسالة تستبطن ما أضمره طه ابتهاجاً بمقال محدثه. ومجذوب هو من جزَّ رؤوس أكثر من مائة ألف من جهاز الخدمة المدنية، وقطع أرزاقهم فيما سُمي استخفافاً بـ «الفصل للصالح العام» وهذا رقم بالرغم من أنه يزيغ الأبصار، إلا أننا ظللنا نكتبه على مدى ربع قرن بنفس السهولة التي ندلق بها كوب ماء بارد في جوفنا العَطِش. لكن لا أحد يستطيع أن يدرك مكابدته سوى الذي اكتووا بناره وكانوا ضمن ضحايا المقصلة. فهو رقم يحكي قصصاً قوامها دموع وآلام، وتمرغ الكرامة في أوحال الفقر، وهجرة واسعة ضرب لها السودانيون أكباد الأبل والطائرات والسفن وحُفيت أقدامهم. هو رقم يقف شاهداً على خلخلة قيم ومثل وأخلاق مجتمع كان بينه وبين الفضيلة بضعة أمتار فصارت بينه وبينها فراسخ وأميال. ليس هذا فحسب فللمجذوب أيضاً سُنة أخرى، فهو أول من ابتدع ما يُسمى بـ «مال التجنيب» لإيمانه بأنه يمكن أن يلين له صُلب الحديد. ولهذا حرص على أن يتبعه بنك متحرك أينما حلَّ. من أجل هذا وذاك لا أحد يستطيع أن يقطع برأي في حادث السيارة التي أودت بحياته وقبرت معه طموحه. ربما كان ذلك قضاءً وقدراً، أو ربما كانت بفعل فاعل، وسواء هذا أو ذاك، فما أكثر الحوادث الغامضة التي لن تُحل طلاسمها إلا بعد انفضاض سامر نظام العصبة. وإلى حين ذلك نقول نحن الذين نوثق للتاريخ بخيره وشرِّه، ليتنا كنا نعرف بعض حسنات مجذوب الخليفة حتى نذكرها تأسياً بالحديث الشريف!
(6)
أصبح مجذوب بين يدي مليك مقتدر لا يُظلم عنده أحد، لكن قطعاً كان علي عثمان طه أحد الذين تنفسوا الصعداء وحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه. فقد أصبح بمقدوره أن يقود سفينة السلطة دون هاجس يؤرقه أو هكذا ظنَّ. لكن لحظه العاثر لم يستطع مواصلة مشروع طموحاته بذات السيناريو الذي ذكرنا، فقد ظهر له في الواجهة لاعب آخر جديد. إذ لم يكن نافع علي نافع منافساً فحسب وإنما جاء بآليات نصبته ملكاً في بلاط «صعاليك» النظام، و«الصعلوك لغةً هو الفقير، وصعاليك العرب فُتاكِها، وكانت تطلق على أيٍ من يقوم من القبيلة بأفعال منكرة لا يقرها السلوك العام» ولهذا سعى نحو غاياته بوسائل قد يتضاءل معها ميكافيللي خجلاً في قبره. وقد بدأها بجهاز الأمن في أوج سطوته وبطشه وجبروته، ولم يضره بعدئذ أن يحمل لقب حامل أوزار الإنقاذ من المهد إلى اللحد. وبالعودة قليلاً للوراء لم يكن نافع من المعروفين في أروقة التنظيم من قَبَل الانقلاب، ولكنه سعى سعياً حثيثاً إلى ردم هذه الهوة، بممارسات فيها كثير من العنجهية والاستعلاء والغرور، تبدو لمتأملها كأنها نتيجة عُقد طفولية لازمت صاحبها ولم يستطع منها فكاكاً. إزاء هذا التراث الوافر لم يكن أمام علي عثمان سوى الانحناء لعاصفة هوجاء، ظل خلالها متخندقاً بما اعتبره إنجازاته الثلاثة والتي ذكرناها في صدر هذا المقال، ومتظاهراً بعفة لسان تحاول أن تترك انطباعاً إيجابياً في نفس محدثه، لكن تلك ما لم يكن يأبه لها نافع الذي استخدم وسائله الخاصة لتفتيت عضد خصمه اللَّدُود!
(7)
بأسلوبه الحربائي المعروف واصل علي عثمان محمد طه مثابرته نحو التحكم المطلق في السلطة، فخطا خطوتين دراماتيكيتين للوصول لهدفه في المرحلة الثالثة لما عدَّه إنجازاً كما ذكرنا. وتلك كانت قضية الحرب في جنوب البلاد. وهي القضية التي ظلت تتحكم في مصائر السودان وأهله قبل الاستقلال وبعده.، ومن المفارقات أن خُطاه التي سنذكرها رغم تضادها مع ما يسمى بـ «المشروع الحضاري» إلا أنها مرت مرور الكرام وسط عصبته. ليس ذلك فحسب بل سيذكر المراقبون أن إحداهما كانت سبباً في اعتقال شيخه السابق الدكتور حسن الترابي بعد أن وقَّع تنظيمه «المؤتمر الشعبي» مذكرة تفاهم مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان» في جنيف بتاريخ 19/2/2001 وعلى الرغم من أن طه اعتبرها خطيئة تستوجب «حد الردة» لنحر رقبة الترابي، تناسى في خضم غمار مزايداته، إنه سبق المذكور ولم يتورع في أن يأتي بمثل قوله، بل ربما أنكى. كان طه قد تحدث في ندوة في جامعة الخرطوم بتاريخ 17/2/2000 حديثاً عصف بـ «المشروع الحضاري» إلى أسفل سافلين، قال فيه «أدركنا أن مسألة فصل الدين عن الدولة لن تكون سبباً في التفريق بيننا، هذه القضية يمكننا أن نتحاور فيها مع المتمردين الجنوبيين لنصل لبر الأمان» ليأتيه رد الرئيس «الضرورة» من الدوحة التي تزامنت زيارته مع الحديث دون أن يعقبه بالرقص المعتاد، فقال «لا تراجع عن النهج الإسلامي» ومع ذلك مضى طه نحو طموحه لا يلوي على شيء، فعمد النقلة الثانية التي أزاح فيها غازي العتباني وتولى ملف المفاوضات بنفسه. ويبدو أن الخطوة استوجبت أن ينتقل بأسرته ليتخذ من فنادق نيروبي سكناً له، غير عابئ بالدولة التي تجمدت أوصالها في الخرطوم منذ التوقيع على بروتوكول مشاكوس في يوليو 2002 وحتى التوقيع على اتفاقية السلام الشامل في يناير 2005 لكن الذين يدركون بواطن الأمور، يعلمون أنه في سبيل تعزيز قبضته على مفاصل السلطة، كان قد أقدم على تلك الخطوة حاملاً بين إبطيه مشروع وحدة السودان بحسب ما ذرَّه على سمعه دكتور جون قرنق في حال حدوث استفتاء (إذ إن الأخير هذا كان واثقاً ويردد ذلك باستمرار) أما الهدف الثاني فقد كان وعد الوسطاء الأمريكيين بإسقاط العقوبات الاقتصادية المفروضة على النظام منذ العام 1997 بمجرد التوقيع على اتفاق سلام.. لكنه لم يكن يعلم أنه تأبط شراً وقدراً معاً!
(8)
فقد تعثَّر طموحه مرة أخرى، إذ غيَّب الموت دكتور جون قرنق في حادث طائرة إثر ارتطامها بسلسلة جبال الأماتونج يوم 30 يوليو 2005 وفي واقع الأمر، قبل طه كان غياب قرنق على الحركة الشعبية أعظم وبالاً وأعمق أثراً. إذ فقدت ربانها فتخبطت سفينتها في بحر لجي بات يغشاه موج من فوقه موج، أما فيما يخص رفع العقوبات الاقتصادية فلم يكن ذلك سوى «وعد عرقوب» الذي لعقته العصبة دون أن تنبس ببنت شفة. لكن طه الذي كان يرى عصبته تتداعى عليه كتداعي الأكلة على قصعتها ، قام بخطوة حسبها ستعيد الأمور إلى حياضه من خارج الحدود الجغرافية، ولم يكن يدري أن عصبته ستجرعه علقمها من قبل أن يتبخر حديثه في الهواء. كان قد اجتمع في بروكسل يوم 10/3/2006 مع خافير سولانا منسق الشئون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، وروبرت زوليك مساعد وزيرة الخارجية للشئون الأفريقية وقال لهما «سندرس نشر قوات دولية بعد التوقيع على اتفاق السلام في دارفور» وبعد عودته أرغم على عقد مؤتمر صحافي (الصحافة 15/3/2006) نسخ فيه كلامه دون أن يطرف له جفن، فأعلن على الملأ «رفضه نشر قوات دولية في دارفور سواء قبل أو بعد الوصول لاتفاق سلام في الإقليم» عموماً تلك فترة من عمر المرحلة الانتقالية كانت بالنسبة «للأخوة الأعدقاء» أشبه بهدنة لالتقاط الأنفاس استعداداً لمعركة فاصلة. مجذوب يمم وجهه شطر أبوجا وهو يُمني النفس بنصرٍ تتساوى فيه الكتوف مع «نيفاشا» طه، وطه نفسه صار في خضم تلك المقاصة أشبه بطفلٍ ضاع من أبويه في غمرة زحام، في حين ظل نافع متوثباً، إن حملت عليه يلهث وإن تركته يلهث. فعمل على انتهاز الفراغ بممارسات جمعت كل أنواع التنفير والتدمير والتضليل حيال الحركة الشعبية لتحرير السودان. لا ليس هذا وحده - يا هداك الله - فقد أقدم نافع علي نافع بخبرته الأمنية وذخيرته في المن والأذى، على تأسيس وحدة في جهاز الأمن تُعني بشئون الجنوب اليتيم، لكن قلَّة تعرف أن اسمها الرمزي «الكودي» الذي أطلق عليها سراً هو «إدارة ملذات الحركة الشعبية» وهي الوحدة التي حرَّم بطانتها الحلال وحلَّلوا الحرام وجعلت من المشروع الحضاري برمته مجرد فأر في مختبر تجارب. وفي هذا يا صاحٍ قصص، يعف اللسان عن ذكرها، بل قلْ يحرن القلم عمداً عن خطِّها!
(9)
تعلمون رغم التنطع سالف الذكر أن القوات الأممية هبطت أرضنا بأعداد تسد عين الشمس، لا عليكم، هل يضير الشاة سلخها بعد ذبحها؟ المهم أن نافع دأب على فعل ما فعله الثور في مستودع الخزف، كان - بحسب ظنه وزمرته - أن تحجيم وتهميش الحركة الشعبية في الفترة الانتقالية سيفسد مجداً انتظره علي عثمان، وكأنه لا يعلم أنه بفعلته الحمقاء كان يقرِّب الحركة الشعبية من دوائر الانفصال، وهل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟ على كلٍ ظهر الصراع سافراً للمرة الأولى بين الغريمين المذكورين في أواخر عام 2006 وأوائل العام 2007 ولكن ربّ سائل وأين الرئيس الراقص من كل هذا؟ الصدق أقول إنه أصبح على علمٍ بتحركات الطرفين ومكائدهما الخبيثة لبعضهما، ولكنه نام قرير العين بعد أن أكدا له - كل على حده – بالطبع، أن رئاسته في لوح محفوظ، بدعوى أنها ليست أكبر همهما ولا مبلغ علمهما، وبناءً عليه منح كل فريق منهم أُذناً للتنصت الذي يحلو له، بينما واصل الرقص المنفرد على أهزوجة «النار ولِعها وأتوطأ فوق جمرها»!
(10)
عند اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية كما زعموا. حدث الذي كان يمكن أن يغير تاريخ السودان من شبح الانفصال الذي أصبح قاب قوسين أو أدني، إلى رحاب الوحدة التي تبقى الوضع كما هو عليه إلى أن يأذن الله والناس بأمرٍ كان مفعولاً.  إذ حدث جدل في أوساط الحركة الشعبية اثناء عقدها مؤتمر «مجلس التحرير» وهو أعلى سلطة في أجهزتها. وفيه تطايرت حمم النقاشات الحادة بين تياري الوحدة والانفصال، انتصر فيها التيار الأول بطرح ذكي، دخلت فيه أطراف إقليمية «المملكة العربية السعودية» وأخرى دولية تتحكم في شهيق وزفير أنفاس العالم «الولايات المتحدة الأمريكية» ومن وراء الكواليس سنواصل القصة التي ستسفر عن غُصة.. إن كان في الكأس باقٍ!
آخر الكلام: لابد من الديمقراطية وإن طال السفر!!