عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
اتصالاً مع ما مضى من حلقات هذه السلسلة، كنا قد شرعنا في تناول الأسباب التي أدت إلى تعثر الهبَّة الشعبية أو الانتفاضة الأخيرة، التي اندلعت منتصف العام المنصرم معظم شهريْ يونيو ويوليو ولم تصل لنهاياتها المنطقية. وقلنا إن ذلك لا يعني استحالتها، فالسيناريو ما زال محتمل الحدوث باعتبار أن الظروف التي أدت لاشتعالها ما زالت قائمة، بل الصحيح أنها ازدادت سوءاً على سوء. من هذا المنطلق رأينا تسليط الضوء على مواقف القوى السياسية وقياداتها التي تخاذلت أو تلك التي غلَّت يدها إلى عُنقها وقعدت ملومة محسورة. لعل ذلك يسهم في سد الثُغرات تعجيلاً بالوصول إلى الهدف الجمعي لغالبية أهل السودان، والمتمثل في إسقاط هذا النظام الشمولي الفاشستي بعد أن تكاثرت جرائمه وتعددت خطاياه. علماً بأن سقوطه هدف مشروع سيتحقق بالإرادة الشعبية والحتمية التاريخية حتى لو تقاعست القوى السياسية عن أداء واجبها الوطني!
كنا قد آلينا على أنفسنا الحديث بشفافية في هذا الموضوع، ونعتقد أنها مطلوبة لأن الأمر يتعلق بقضايا وطن يتقسم ويتقهقر ويتقزم أمامنا ونحن نقف مكتوفي الأيدي، بقلوب واجفة تكاد تكون أفرغت من أي مشاعر وطنية. كنا قد توقفنا في الحلقة الماضية عند المواقف المزدوجة بل والسلبية (للحسيب النسيب) السيد محمد عثمان الميرغني، ليس في هذا الأمر وحده ولكن في التعامل مع قضايا السودان بصورة عامة وقضايا الديمقراطية والحريات العامة بصورة خاصة. وأكدنا بما لا يدع مجالاً للشك - دونما تجنٍ أو بهتان - أن هذه وتلك تعدان ترفاً في أجندته. وعليه لا ينبغي التعويل عليه في اتخاذ الموقف الوطني المطلوب، سيَّما، وأن هذه المواقف قد تعرّت أكثر مما ينبغي وباتت واضحة كالشمس في كبد السماء. ولا أعتقد أن العبارات التي يطلقها سنوياً دونما تغيير أو ابتكار تقنع أحداً، مثل قوله الأخير لصحيفة الشرق الأوسط 14/1/2013م: (ضرورة التصدي للمهددات الكبيرة التي تحدق بالسودان وتوشك أن تدفع به إلى مخاطر جمة). بيد أننا لا نجتر ذلك، ولكن نُعيده حتى نكف عن خلق الأوهام وصناعة الأصنام. فالمحصلة التي يجب أن نسلم بها قطعاً لدابر أي جدل، هي أن الحسيب النسيب ظل منتفعاً من الأنظمة الديكتاتورية بالدرجة التي تجعله لا يتمنى سقوطها ناهيك عن العمل على إسقاطها!
على صعيد آخر ولأسباب تبدو معروفة للجميع أنه ما ذُكر هذا الحزب أو صاحبه، إلا وأشارت الأصابع للسيد الصادق المهدي الغريم الذي يقف على رأس حزب الأمة. فمن عجبٍ أن هذين الحزبين ظلا يتنافسان في الخير والشر! بالرغم من كل ذلك لابد من القول قبل الإبحار في الأعماق، أن ثمة فوارق كبيرة بين الرأسين. وليس عصياً على أي مراقب رصدها أو عدّها، كما أننا لسنا بصدد ذلك إلا بالقدر الذي يستوي به هذا المقال على سوقه. فبينما ظلّ الأول (الميرغني) مستعصماً بالبعد عنا وعن قضايانا (يكتفي بمقابلة سنوية، يكتبها ويجيب عليها وينشرها صحافي اسمه محمد سعيد محمد الحسن، لا يعرفه الكثيرون رغم أن عمره جاوز السبعة عقود زمنية، وقضى أكثر من نصف قرن منها معاقراً السلطة الرابعة دونما هوية، ذلك ببساطة لأنه لم يسجل موقفاً واحداً في بلاطها) بينما ظلّ الثاني (المهدي) كتاباً مفتوحاً على الدوام، بغض النظر عن محتواه. بناءً على ذلك كانت لنا حوارات متصلة معه كلما تهيأ ظرفها، وآخرها منتصف شهر رمضان2011م أي السنة قبل الماضية. وكانت قد استمرت زهاء الثلاث ساعات، وجاءت في محاولة منّا لاستنكاره مواقف البعض حول ما يجري في البلد الصابر أهله. وحتى لا نغمط الرجل حقه، فهو سواء معي أو مع غيري، فإنه لا يتوانى في منح محدثه الإحساس الكامل برحابة صدره وتقبله النقد حتى لو كان من العيار الثقيل. ولكن قل لي بربك منذ متى كان ذلك وحده كافياً؟ بل ما جدواه إن لم يتبعه تقييم وتقويم وإصلاح!
في ذلك الحوار سألت المهدي مباشرة عن رؤيته لسيناريوهات التغيير المتوقعة في أجندته؟ فأجابني بما يعرفه الكثيرون، وطرح عدة سيناريوهات رجحها بالانتفاضة الشعبية. وبالنظر لتاريخ الحوار المذكور كانت الانتفاضة يومذاك في رحم الغيب. ومن جهة ثانية كان قد أفصح لي عما يخشاه في ذهنه وسماه بسيناريو (الحزام الزنجي) - على حد تعبيره. وكان يقصد زحف الحركات المُسلحة وتحديداً قطاع الشمال (عبد العزيز الحلو من جنوب كردفان، ومالك عقار من جنوب النيل الأزرق) نحو العاصمة، بل لم يجد في نفسه حرجاً من التأكيد بأنه تحدث مع العصبة الحاكمة عن خطورة هذا السيناريو لأنه يؤدي - بحسب زعمه - إلى تفتيت السودان. وقال إنه قصد بمناقشتهم لأن يتخلوا عن غلوائهم واستعلائهم والجلوس مع المعارضين لتجنيب السودان وأهله صوملة جديدة تقف ماثلة للعيان. والحقيقة لا أدري إن كان لمثل هذا قال الإمام علي بن أبي طالب عندما شغب عليه الخوارج (كلمة حق أريد بها باطل) مع ذلك لا أود أن أعيد تفصيلاً ما قلته له عن هذا السيناريو الذي لم يجد قبولاً، بل لم يجد ارتياحاً في نفسي من أن يصدر من رجل في قامته، خشية أن أظهر ببطولة لا أدعيها ويظهر هو بخيانة لست متيقناً من إثباتها!
لكن دعونا نتوقف في الانتفاضة الشعبية التي رجّحها المهدي عما سواها من سيناريوهات لإسقاط النظام، فالذي حدث وعلم به القاصي والداني، أن الانتفاضة المأمولة عندما جاءته بالباب فرَّ منها وقفز بالشباك. كيف حدث هذا يا هداك الله؟ جاءته الانتفاضة تجرجر أذيالها في عقر داره وجعلت من مسجد السيد عبد الرحمن مركز انطلاقتها، هل ثمة شرف أكبر من ذلك؟ لا أريد أن أعيد المواقف المتخاذلة والتي كانت لا تشبه رجلاً جاء من صُلب سلف استرخص الغالي والنفيس. كما أنني لا أريد أن أعيد المواقف الأكثر خذلاناً لمن سار في ركبه وعلى رأسهم السيد عبد المحمود أبو، والذي كان موقفه متماهياً مع مواقف جعلته يضع رجلاً في هيئة شئون الأنصار وأخرى في هيئة علماء المؤتمر الوطني. فالمهم أن حصيلة هذا وذاك كان خذلاناً مبيناً!
أكثر ما يُحيرني في شخصية المهدي امتحانه لنفسه من دون أن يطلب منه أحد ذلك. مثلما حدث أثناء وجوده في القاهرة قبل نحو شهرين أو يزيد، حيث دعا السودانيين للاعتصام  واحتلال الساحات والسفارات في الخارج. وبعدها مباشرة تزامنت عودته للسودان مع الجريمة النكراء التي اغتال فيها النظام أربعة من طلاب جامعة الجزيرة، الأمر الذي استنفر قطاعات كبيرة في معظم مدن السودان ودفعها للتظاهر. عندئذٍ نسيّ المهدي دعوته بل حتى عندما اجتمعت قوى الإجماع الوطني لمناقشة الأمر، خرج المهدي بالباب الخلفي - طبقاً لما تواتر من أخبار - ومن قبل أن ينفض سامر الاجتماع. كما نذكر في ذات السياق أيضاً، أنه سبق وتبرع بوعود لم ينجزها. حيث رهن عدم حدوث أشياء بتقديم استقالته. قالها يوم احتدم الجمعان أثناء ملابسات مذكرة ضباط القوات المسلحة، وكان يترأس حينذاك الوزارة في الديمقراطية الثالثة، وقالها مرة ثانية وحدد يوم 26/1/2011م للإطاحة بالنظام أو اعتزال السياسة. وهو تاريخ عظيم لو تعلمون. عندما حان أوانه لم يفعل المهدي لا هذا ولا تلك، وإنما ذهب لمقابلة رأس الدولة المطلوب للمحكمة الجنائية في القصر الذي بناه غردون! أما الثالثة والأخيرة فقد كانت قبل أيام نطق فيها بالاعتزال مرة ثانية، وعندما حُوصر بالتاريخ قال إنه لم يحدد موعداً بعينه. بل زاد بما هو أنكى، حيث قال إنه لن يقدِم على ذلك إلا بعد أن ينجز مهمة تدريب من سيخلفه في عرش الحزب. وتلك لعمري مثلت أكبر إهانة لكادر الحزب، فضلاً عن أن السؤال الذي توارد للذهن مباشرة، إذاً ما الذي كان يفعله المهدي وهو في سدة الرئاسة لما يربو على نصف قرن؟
واقع الأمر أن ثمة سؤال آخر، ظل يراودني كلما رأيت السيد المهدي يتلجلج في أفعاله ويتناقض في أقواله، وسأطرحه على القراء الكرام: هل المهدي يريد إسقاط النظام حقاً؟ بصورة أخرى ما الذي يفتقر له المهدي في ظل النظام الديكتاتوري الحالي، حتى يطمح له في كنف نظام ديمقراطي مأمول؟ بصورة أكثر وضوحاً إن كان السيد المهدي يتأمل إسقاط النظام، فلماذا يريد إسقاطه؟ وبصورة أكثر وجعاً، إذا أسلمنا جدلاً بأن المهدي يريد إسقاط النظام عبر الانتفاضة الشعبية فماذا أعدّ لها؟ وبصورة أكثر واقعية، هل ندوة أسبوعية دأب المهدي على مخاطبتها (بين السياسة والصحافة) ومخاطبة المصلين دورياً وخطبة العيدين، هل هذه آليات تكفي لإزاحة نظام ديكتاتوري وتعبئة الرأي العام ضده؟ وهب أنها فعلت - ولو بأضعف الإيمان – فكيف سيعبِّرون عن مكنون صدورهم؟
إن من يريد إسقاط النظام تكون لديه أهداف مشروعة يتأملها من وراء إسقاطه. هذه الأهداف تتراوح بين غايات وطنية وأخرى ذاتية، وبقدر ما إن الأولى معروفة، فإن الثانية تتمثل فيما يمكن أن تحققه الديمقراطية للفرد في سياق تطوره الإنساني والطبيعي، وقدرته على الخلق والإبداع والإنجاز. بهذا المنظور، أرجو ألا أظلم السيد المهدي إن قلت إنه مثل صنوه، ليس له حاجة في نظام ديمقراطي لأنه ببساطة لا يوجد ما يفتقر له شخصياً في ظل النظام الديكتاتوري. فهو يمارس حياته بكل عنفوانها، بما في ذلك (الكلام) وهو أبغض الحلال الذي وصمته به العصبة نفسها عندما أطاحت بحكمه. بل يمكن القول - بالنظر لهذا الواقع - بأن الديمقراطية تأتي في مؤخرة أجندته، والتي في تقديري تتصدرها الآن الطائفة الأنصارية وهمومها، أي كيفية المحافظة على الإمامة في عقر داره بعدما كثر المتربصون حولها. ثم يأتي الحزب وشجونه في البند الثاني لأجندته، أي كيف تظل الرئاسة قابعة في دائرة أسرته. ثم بعدئذ يمكن للقضايا الأخرى بما فيها قضية الديمقراطية أن تجد لها موقعاً في الأجندة!
حتى لا يقال عنا أننا نرمي الحديث على عواهنه، سندعم قولنا هذا بما هو مكتوب ومنشور على المستوى النظري، وآخر من وراء حجاب على المستوى العملي. بالنسبة للأول فليتأمل معي القارىء هذا المقتطف من حوار أجرته معه صحفية نابهة (السوداني8/1/2013).
* السيد الإمام.. هل أنت مع إسقاط النظام؟
- إسقاط النظام وسيلة من وسائل إقامة نظام جديد. نحن نقول إننا نريد نظاماً جديداً، أحد الطرق إسقاط النظام والآخر هو برنامج الكوديسا، الإسقاط ليس الوسيلة الوحيدة لنظام جديد.. نحن نادينا بالبرنامج القومي والسبيل له برنامج الكوديسا وانتفاضة الجهاد المدني، وهذا الكلام مكتوب من سنة ونصف.
* وانت تنادي به منذ ذلك الوقت ولم يحدث شيء؟
- سيحدث، أي شيء له فترة حضانة، الأفكار الآن أصبحت موجودة لكثير من الناس، نحن نوجد رأياً عاماً وسيجسد نفسه في أحداث.. الحديث عن مشروع سياسي لا يعني أنه سينفذ غداً لكن يعني أن البذرة وضعت وهي تنمو إلى أن تورق وتزدهر وتثمر.
* نصحح السؤال، هل أنت مع وسيلة إسقاط النظام؟
- أنا مع الوسيلة الأسهل.. نفضل نظام الكوديسا وإن عجزنا نختار الثاني.
* لم تعجز بعد؟
- نحن ماشين.
* هل تسقط الحكومات العسكرية بوسائل سلمية مثل التي تنادي بها؟
- مايو سقطت. الترتيب الأفضل "الاعتصامات" وهو ما يسمى بالجهاد المدني، ونحن نقول إن كل الوسائل مشروعة إلا العنف.
* أعلنت فبل أن تسافر لإحدى الدول الخارجية إنك ستسعى لحشد السودانيين في الخارج لاعتصامات أمام السفارات، هل نجحت في ذلك؟
- يا أستاذة هذه الأشياء بتوقيتها، لم نقل الليلة، سنذهب في خطنا وإن تحقق الهدف المتمثل في التحول الديمقراطي والسلام الشامل كان وبها، وإن استحال نكون قد فعلنا تعبئة كافية لاتخاذ الجهاد المدني.. نحن مع كل الوسائل إلا العنف.
انتهى المقتطف النظري ولن تنتهي المحنة، وهو يشرح نفسه بنفسه ويؤكد ما أشرنا إليه سابقاً من ملاحظات في نهج المهدي. أما على المستوى العملي، سأفصح مباشرة عن ما تناهى لسمعي منذ فترة عن صفقة بين المهدي والعصبة وقاسمها المشترك ابنه عبد الرحمن. تقول الرواية إن العصبة استخدمت مكرها ودهائها في إقناع المهدي في أنهم بصدد ترشيح ابنه لرئاسة الجمهورية في العام 2015 ولكي يتسنى له ذلك فإنهم يطلبون موافقته لأن يشغل منصب مساعد رئيس الجمهورية حتى يتعلم أصول الإدارة والحكم. وهو المقترح الذي لاقى هوى في نفس المهدي لأنه يصب في اتجاه البندين الأول والثاني، المذكورين في صدارة أجندته، وهما الطائفة والحزب. كما أنني بت على يقين أن المهدي لا يريد أن يحكم بعد هذا العمر، ولكنه يريد أن يرى ابنه في ذات الكرسي. وطبقاً لذلك كلنا يعلم أن المهدي حاول استخدام كل براعته في الإخراج لتبرير أمر يصعُب تبريره. بدليل أنه لم ينجح في إقناع الأقربين ناهيك عن الأبعدين. حيث قال السيد نصر الدين الهادي المهدي (الشرق الأوسط 7/1/2012) وكان آنذاك في موقعه كنائب لرئيس الحزب (بهذا التعيين حكم على مستقبله السياسي في حزب الأمة بالنهاية) حقاً كيف لرجل في قامة المهدي السياسية أن يدفع بابنه إلى أحضان الشيطان إن لم يكن لديه مآرب أُخر؟
ذلك ما سنمضي في تحليله الحلقة القادمة..  وما خفي أعظم؟
آخر الكلام: لابد من الديمقراطية وإن طال السفر!!