عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
هل نحن حقاً نستشعر المِحنة التي ألمت بهذا الوطن الرؤوم؟ منذ سنين وهو يئن تحت قبضة عُصبة مُستبدة. منذ سنين ونحن نشهد عرضاً مستمراً لمآسٍ تترى علينا كلما أشرقت شمس يوم جديد، بما يعجز الخيال عن وصفه والعقل عن تصوره. حربٌ يدور رحاها في الجَنُوبيْن الجَدِيدين (ج. كردفان/ج. النيل الأزرق) فيدفع الأبرياء ضريبتها قصفاً بالأنتينوف والكاتيوشا ومدافع الهاون، ونحن عنهم لاهون. ملايين من بني وطننا يهيمون منذ سنوات في معسكرات الذُل والهوان بأصقاع دارفور، ويلوذون بتخوم دول كنا نطعمها من جوع ونأمنها من خوف، ونحن عنهم غائبون. أكثر من أربعين ألف جندي أجنبي يدوسون بأحذيتهم العسكرية على كرامة وسيادة الوطن المستباح بعد أن توعدهم سليل مُسيلمة الكذّاب وبشّرهم بعذاب واقع، ونحن لهم ناسون. مؤسسات أُفقرت جواً (الخطوط الجوية) وأُفلست براً (سكك الحديد) وحُطمت بحراً (الخطوط البحرية)، ونحن عنها سائلون. بترول جاء وذهب ولم ير الناس منه سوى (الزفت) الذي ماثل سواد حظوظهم وهم لمحزنون. وحتى يكتمل عرض التراجيديا قدر لنا أن نشهد وأد أهم مشروع زراعي في العالم (الجزيرة) ونحن عنه غافلون!
خدمات تعليمية تتردى لدرجة أصبح الطلاب يعاقرون فيها الخمر والمخدرات عوضاً عن العلم والأخلاق، ونحن مثلهم مُغيبون. خدمات صحية تنهار فينام مرضى الكُلي على قارعة الطريق، ويموت الآخرون داخلها كما يموت الجراد في الصحارى، ونحن على مأساتهم مُتفرجون. الرئيس "الضرورة" يسافر بلا حياء ليتطبب في بلدان الآخرين، ويترك خلفه أشباح مواطنين تعثروا بأرض النيلين بلا غذاء ولا كساء ولا دواء، ونحن في أمره حائرون. يتكاثر العطالى كما يتكاثر الذباب في البلاد، فيعمل دُهاة العُصبة على دفعهم نحو الفيافي بحثاً عن الذهب حتى يذهب عقلهم. بلد يُستباح أمنها القومي وسفهاء بني أميه يصرفون المليارات على مؤتمر النفاق والخداع دونما وازع أخلاقي. وكأنما كل هذا لا يكفي.. إذ ينهض بين الفينة والأخرى مقطوعو النسب من سدنة جهاز الأمن، ويعملون على استباحة حُرمات الناس وانتهاك ما تبقى لهم من كرامة، ونحن في شغل عنهم فاكهون!
يا أيها السيدات والسادة من (شعب السودان الفضل) مُقيمون تحت نير الظُلم والاستبداد، ومبعثرون في فجاج الأرض تجترون أفاعيل الظالم المُستبد نفسه. نقول مهلاً، فستتمدد هذه السلسلة بقدر تمدد محنتنا وخيبتنا ولا مبالاتنا. فنحن بلا ريب أمام وطن تقهقر حتى بانت عوراته. وطن ما زال بعض نخبته يتجادلون في هويته، بينما عصبة فاجرة حسمتها قتلاً وتعذيباً وتنكيلاً، وسطرتها خداعاً وإذلالاً وتشريداً، وكرستها استغلالاً للدين وفساداً في الدنيا. وطن تمزّق
وأهله شاهدون على محنته. وطن حاق به الفشل من كل جوانبه، بينما حكامه في غيِّهم يعمهون. إذا سألتهم كابروا وإذا تجاهلتهم كذبوا، ينافقون في الخفاء ويداهنون في العلن، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، يجتمعون على الباطل وينفضُّون عن الحق، يقتلون أبناءه بالليل ويتساءلون عن حرمة دم البعوض بالنهار!
من نكد الدنيا على هذا الوطن الجريح، أنه عندما تضافرت ظروف ولاحت في الأفق تباشير انتفاضة أوحت بخلاصه وأنذرت برحيل عصبته، انبرى الذين أحسن الناس الظن فيهم وعملوا في الخفاء والعلن دون أن تستمر الانتفاضة في خطها المرسوم، وحتى لا تبلغ نهاياتها المنطقية. وبالطبع لم يحتاج الأمر لكثير جهد، فثمة ذرائع ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، يقولون تارة إن الأخطار التي تحدق بالوطن تزيد من شهية المتربصين به، وتارة أخرى يقولون لك إن البديل لم يبلغ سن الرشد بعد، وثالثة يتحججون بالاتفاق على برنامج كأن هذا النظام داهمهم على حين غرة. وعندما لا يجدون لا هذا ولا ذاك، يلوذون بصمت القبور أو يفرون بجلودهم لعواصم باتوا يزورونها أكثر مما يتواجد فيها أهلها!
فمن هم هؤلاء؟ نقول بكل شفافية إنهم المتقاعسون الواقفون على السياج من أبناء الشعب السوداني في المقام الأول، ومن ثمَّ القوى السياسية والحزبية في المقام الثاني. فلا غرو إن كانت الانتفاضة اختباراً عسيراً لهؤلاء، قبل أن تكون امتحاناً وبيلاً للنظام الفاسد نفسه. بل لو أننا ذهبنا في اتجاه المزيد من إسقاط الأقنعة، فمن المؤكد أننا سنشير دون أدنى مواربة إلى قادة الحزبين الكبيرين - كما ينعتهم البعض – الذين قالوا لشعب الوطن الصابر أهله، اذهبوا أنتم وربكم فقاتلوا إنا ها هنا قاعدون!
بيد أن الحسيب النسيب السيد محمد عثمان الميرغني، قد جبَّ غريمه وجاء في طليعة المخذلين.
ابتدع الميرغني الذي كان يرأس أكبر حلف سياسي معارض في تاريخ السودان (التجمع الوطني الديمقراطي) استراتيجية دخول النظام (بالتقسيط) وله في ذلك أمر عجب. حدث ذلك علناً لأول مرة عندما التقى المشير البشير في أسمرا في 26/9/2000 وأطلق عليه (اللقاء الاستكشافي) لكأنما هبطا من الفضاء بغتةً. وبالمعيار نفسه قال إنه (الشريك الخفي) كان ذلك عندما شعر في العام 2002 أن الحليف المُعلن (الحركة الشعبية) مضت في طريق (مشاكوس) وفي نفسها شيء من حتى. ثمّ باغت الميرغني حلفاءه في التجمع الوطني العام 2003 وعقد مع النظام الذي توعده بالاقتلاع من الجذور (اتفاقية جدة) وقد وقّع عليها من قِبل العصبة نافع علي نافع أو المتغطرس الذي تبرأ منه لسانه!
كانت الاتفاقية في مجملها تفريغ لمقررات أسمرا من محتواها وقيمها، لا سيّما، البند الخاص بمساءلة ومحاسبة النظام على جرائم الفساد والجرائم الجنائية التي اقترفها في حق الشعب السوداني، فاستبدلها الميرغني بمصطلح آخر في الاتفاقية الجديدة، سمّاه (رد المظالم) اكتشف المراقبون فيما بعد أن المظالم التي كان يعنيها هي ممتلكاته التي صُودرت. ولحكمة يعلمها البعض، فالمعروف أن وقعها في نفسه كان أشد مضاضة من ضرب الحسام المهند. لهذا زالت دهشة الذين لم يكونوا يعلمون ويستعجبون إصراره على تضمين أي بيان ختامي لهيئة قيادة التجمع الوطني هذه الديباجة، حتى حفظها الحلفاء عن ظهر قلب!
على كلٍ حمل الراحل قرنق عصاه وغادر التجمع الوطني الديمقراطي بعد أن وضعه الاتفاق الإطاري (مشاكوس) في سرج واحد مع أهل النظام. أما الميرغني فمن باب درء الحرج أبرم اتفاقاً جديداً مع النظام الذي كان عدواً. وتمت المصاهرة بموجب ما سُمي باتفاقية القاهرة (2005) ليقبل بموجبها الكيان الذي ملأت سيرته الآفاق (التجمع الوطني الديمقراطي) بقسمة ضيزى في المشاركة. وهنا داهم الحياء أيضاً الذين تدثروا بالنضال ضد الديكتاتوريات، فتفتق ذهنهم عن بدعة المشاركة في السلطة التشريعية وحدها، في حين مضى الميرغني في اتجاه المشاركة في السلطتين التشريعية والتنفيذية، وبموجبها حاز على معظم مقاعد الأولى (14 من 20)، وزاد عليها بثلاث وزارات في الثانية، منح منها الجنرال عبد الرحمن سعيد واحدة، فزاده تيهاً في متاهته، أما هو فقد قصد أن يتفرق خزيها بين الشركاء لأنها جاءت بأمر أداً!
عاد الميرغني للسودان شريكاً خفياً بالفعل كما نعت نفسه. بدليل إنه لم يشغل نفسه بالقضايا التي تهم أهل السودان، وكدأبه أصبحت عيونه مصوبة على هموم ذاتية، هي نفسها ما ظل يشغل بها نفسه في كل الحقب السياسية، ديمقراطية كانت أم ديكتاتورية. فقد كانت دارفور وما زالت تفور وتمور وتثور، والناس يموتون فيها كما تموت السوام من العطش، ومع ذلك لم تنل شرف نظرة من سيادته تزيح عنها رهق الحرب. أما الجنوب الذي كان يعتبره (خطاً أحمراً) فقد سار في درب الانقسام دون أن يحفّزه ذلك على زيارته للذكرى والتاريخ. بل حتى عندما رحل قرنق وهرع الناس لتشييعه من كل حدب وصوب، تخلّف الشريك الذي استعصم بطاقية الإخفاء، مع أنه كان يصف الراحل بالحليف الاستراتيجي، وظل يحتفل سنوياً بالاتفاقية التي مهرها معه في 16/11/1988 دون أن يبالي بدوران التاريخ  ولا تعاقب الجغرافيا!
لكن الذين كانوا يعرفون طرائق الميرغني في الكر والفر، أدركوا حينها أنه في طريقه لدورة كاملة سيستبدل فيها حليفاً بحليف. تزامن ذلك مع كذبة كبرى في العام 2010 زعم النظام فيها أنه سيغير جلده بانتخابات ديمقراطية التزاماً باتفاقية السلام. كان تلك واحدة من الحيل الماكرة التي استوجبت مد أيديهم بكل سوء للأحزاب (الكبيرة) فطلبوا منهما المشاركة حتى يكتمل الديكور، فلم يمانعا. لكنها كانت مشاركة مدفوعة الأجر. اكتشف أهل الإنقاذ في السيد الميرغني حبه للمال حباً جماً، عندما أعادوا له أملاكه المصادرة، طلب منهم أن يعتبروا سنوات المصادرة إيجاراً مؤجلاً. ثمّ صار كلما اشتهى المال أو تنسم رائحته ساوموه على مواقفه. فكان ثمن الانتخابات 13 مليار جنيه!
لن نأتي بجديد إذا ما قلنا إن النظام تحسب لاندلاع ما سُمي بـ (الربيع العربي) في تونس (ديسمبر 2010) ومصر (يناير 2011) وليبيا (فبراير 2011) واليمن (فبراير 2011) وحاليا سوريا التي تقف في الطابور. كانوا يعلمون أن الحبل على الجرار كما يقولون، ماذا فعل الأبالسة الذين يدعون الطهر، وفي نفس الوقت تمرسوا على (القمار السياسي)؟ قاموا تحسباً بعدة خطوات منها أولاً مد جسور الطواريء مع السيدين الميرغني والمهدي، لتحييدهما إذا ما طاف عليهم طائف الانتفاضة. وقدموا لهما إغراءً ابتزازياً وهو أن يقبلا دخول ابنيهما للمشاركة في النظام بمناصب (رفيعة) فاستجابا ولكن كل منهما دوافعه التي تتباين وإن اشتركت في محنة التوريث. ولنترك المهدي وابنه جانباً، أما الميرغني ونجله فقد تبعتهما خمسة مليارات جنيه حملها أحمد سعد عمر (عربون محبة) حتى لا يكون هناك مجال للرفض. واستبقى الرسول (عمر) نفسه في القصر حتى يكون أقرب للمتلقي والمعطي.. من حبل الوريد!
بالاتفاق الباطني حقق الميرغني ما ظل يطمح له دائماً ويتمثل في موطىء قدم في السلطة، وهو الأمر الذي تمَّ من خلال تعيين ابنه (جعفر الصادق) مساعداً لرئيس الجمهورية، بغض النظر عن فعاليته أو ما يمكن إنجازه، وبغض النظر عن طبيعة السلطة نفسها. أما الأمر الثاني فهو الاستحواذ على وزارة التجارة، وهذه قد تسنمها أحد جلاوزته (عثمان عمر الشريف) بشرط أن ينأى الحزب التليد عن أي إرهاصات تدعو لتغيير النظام، سلماً كان أم حرباً!
صفوة القول، لعل السؤال الذي يجب أن يسأله السودانيون لأنفسهم: هل السيد الميرغني مهموم حقاً باستعادة الديمقراطية؟ ما الذي حرمته منه الديكتاتورية حتى تمنحه له الديمقراطية؟ كيف يمكن أن يناضل أحد من أجل استعادة الديمقراطية وهو لم يكابد غيابها؟ هل يعرف الحزب الاتحادي (الديمقراطي) الديمقراطية غير الصفة التي أُلحقت باسمه؟ هل ثمة معيار آخر غير (المصالح الشخصية) يبتغيها أعضاء الحزب وهو يتقلبون بين الأحزاب جيئة وذهاباً؟ ما الذي صنعه الميرغني ليبقى جديراً بالبقاء على رأس حزب لنحو نصف قرن؟ ما هذا الحزب الذي يرحل أينما رحل صاحبه؟ كيف يعرف أهل السودان الذين يتحدث الميرغني باسمهم ما يدور بخلده وهو زاهد في الحوارات الصحافية واللقاءات الجماهيرية والمؤتمرات التنظيمية؟ كيف يمكن أن يجمع المرء بين زعامة طائفة دينية وحزب يعد من منظمات المجتمع المدني؟ هذه أسئلة يمكن أن تتواصل بلا نهاية.. بل حتى لو كان النيل مداداً والشجر أقلاماً لما استطاع المرء لها حصراً ولا عداً!
كفانا وهماً وينبغي علينا الخروج من دائرة الغيبوبة، فهذا قدر حطّه السيد علي. لم يكن غريباً أن يلعب السيد الميرغني دوراً سالباً في الانتفاضة التي لاحت بشائرها، وليس مدهشاً أن يعمل على عدم تواصلها نتيجة الاتفاق الباطني بينه وعصبة النظام كما ذكرنا. وعليه من كان ينتظر تغييراً من (حزب الميرغني) فإن ليله سيطول، وإن كان هناك حقاً شباب ناهض في الحزب كما يزعمون، وهناك إصلاحيون يتوخون أهدافاً وطنية كما يرددون، فعليهم أولاً الثورة على هذا الواقع البئيس حتى يستقيم السير في الطريق الصحيح، إذ لا يستقيم الظل والعود أعوج!
آخر الكلام: لابد من الديمقراطية وإن طال السفر!!