عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
من باب الذكرى التي تنفع المُتابعين، نقول إننا خلصنا في الجزء الثاني من هذه السلسلة إلى إعادة إيراد السيناريوهات العشرين، والتي كتبناها والانتفاضة الأخيرة كانت كائناً يتخلّق في رحم الواقع السوداني. أي أنها بمعايير السياسة كانت محض خيال على الورق، ولكنها عندما اندلعت أصبحت حقيقة تجسد واقعاً قائماً، الأمر الذي فتح باب الاجتهاد لمقارنة هذا بذاك. وبناءً عليه يسوءني جداً على المستوى الشخصي أن أقرأ وصفاً للبعض يقول إنها أُجهضت أو وُئدت. ذلك لأن المُجْهض أو الموءود تذهب روحه إلى بارئها ولن ينفخ الله في صوره إلا يوم لا ظلَّ إلا ظلَّه. ولهذا يطيب لي عوضاً عنهما أن أقول إنها بدأت وتوقفت فلم تصل لنهاياتها المنطقية، وبهذا التوصيف يبقى تواصلها أمراً محتملاً أو وارداً ينتظر زماناً ومكاناً معينين. وحتى لا يقال إن تلك مجرد تخرُصات أو تمنيات تخص قائلها، سوف نخوض في الأسباب الواقعية التي أدت إلى توقفها، وما إذا كان هذا التوقف هدنة في سجال مستمر أم إنه لشيء في نفس صانعوها؟ وبالقدر نفسه سوف ننظر في إمكانية استمرارها، وهل تحفها فرص النجاح أم سيحيق بها فشل ذريع يطمرها في مقبرة التاريخ؟!
في البدء ثمة وقائع وحقائق واستخلاصات من الحدث بما لا يمكن لأي مراقب تجاهله أو غض الطرف عنه. ولأن البيوت تُدخل من أبوابها – كما يقال - نود أن نذكر بعض آيات سورة تلك الانتفاضة، وفق ما تلاها الثائرون والمنتفضون والساخطون والمتذمرون والمحرومون والمتمردون على سلطة الأمر الواقع:
أولاً: كانت تلك الانتفاضة هي الأولى من ناحيتيْ الكم والكيف طيلة السنوات الثلاث وعشرين التي حكمت فيها العصبة ذوو البأس السودان بالحديد والنار. ولعل تطاولها يُعبر عن خصيصة من خصائص الشعب السوداني، إذ أن حدوثها المتأخر قد يوحي للمراقبين كأنما هو إهمال ولكنه في الواقع يندرج تحت بند الإمهال المعروف في سايكولوجية شعب جُبل على الصبر على المكاره، وبالطبع ليس ذلك مبرراً لتقاعسه ولكنه الواقع الذي لا يمكن إغفاله أو تزيينه.. بغض النظر عن مساوىء الإمهال وتكلفته الباهظة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ونفسياً!
ثانياً: على غير ما كان سائداً، هذه الانتفاضة تميزت بتوسع مسرح الحدث، حيث انتفضت مدن وقرى ودساكر، بعضها لم يعرف ثقافة التظاهر منذ أن نزل سيدنا آدم من الجنة واستقرت بعض سلالته في تلك المناطق. على الرغم من أنه طاف عليها طائف الاستعمار بويلاته، وقبعت تحت نير أنظمة وطنية ديكتاتورية بجبروتها ولم تحرك ساكناً، وعليه تعد تلك ظاهرة جديدة تستحق الوقوف والتأمل والاستقراء!
ثالثاً: يخطىء كثير من المراقبين - ولا نبرىء أنفسنا منهم - عندما يقارنون بين الواقع العربي الذي أنتج ما سُمي بــ (ثورات الربيع العربي) وبين الواقع السوداني، مغفلين خصائصهما في كيفية تعامل هذه المجتمعات مع قضاياها المختلفة، ولنضرب مثلاً لا يستدعي كثير اجتهاد. عندما قام السودانيون بثورتين شعبيتين مشهودتين في تاريخهم السياسي عام 1964 و1985، كانت كل بلدان الربيع العربي بلا استثناء ترزح تحت قبضة حكم سلطوي ربما كان أكثر استبداداً من الحُكام السودانيين الموسومين بالديكتاتورية عصرئذ.. وثار عليهم الشعب وخلعهم من السلطة. أي أنها ذات المعادلة القائمة الآن بطريقة معكوسة. وعلى الرغم من أن المقام ليس مقام مِلح وطرائف، لكن في تقديري ما من ديمقراطي بصورة عامة وسوداني على وجه الخصوص، لم يضحك حتى بانت نواجذه عندما سمع رئيس العصبة الحاكمة في أحد لقاءاته الراقصة وقد أطلق لعقيرته العنان، وقال إن ثورة الربيع العربي حدثت في السودان في يونيو 1989 أي عندما نفذوا انقلاب التآمر في ذاك التاريخ التعيس!
رابعاً: لكن لابد لعاقل أن يتساءل لماذا قال الرئيس "الضرورة" ذلك في الأصل؟ الاجابة ببساطة: كان ذلك تعبيراً يسيراً لدرس من دروس الانتفاضة رغم قصره، وجاء هكذا مجسداً حالة الهلع والخوف التي اجتاحت العصبة ذوي البأس حتى أيقن المراقبون أن بينهم وبين الرحيل بضع فراسخ. وفي هذا الصدد يذكر القراء الكرام كيف أقبل بعضهم على بعضٍ يتلاومون، ومنهم فسطاط آوى إلى نقد ذاتي حتى ظنَّوا أن ذلك سينجيهم من المركب الغارقة. ولعل قمة التراجيكوميدي أن يحاول غازي صلاح الدين البراءة، أو أمين حسن عمر تزوير التاريخ، وينعي قطبي المهدي عصبته وتنظيمهم الشمولي، علماً بأن الأخير هذا يعد أحد الذين ابتدعوا ظاهرة (البنك المنزلي)!
خامساً: بالعودة لفقه المقارنات سالفة الذكر، والقائلة أن ثمة فارق جوهري بين ثورات الربيع العربي وبين انتفاضة أهل السودان. بالطبع كلنا يعلم أن السبب الحقيقي للأولى جاء على إثر غياب الحريات العامة، مما حدا بديكتاتوريات تلك البلدان التوهم بأنها ستعيش أبداً في ظل سلطتها الغاشمة. في حين أن مبعث الحالة السودانية كان الجوع، نعم الجوع في البلد المفترض فيه إنقاذ العالم إن تكالبت عليه المسبغة. ومن المعروف أن الخبز ظلَّ منذ عصر لويس السادس عشر وزوجه الغريرة ماري أنطوانيت سبباً رئيسياً في قيام الثورات وإن تفرعت مطالبها بعدئذٍ. ذلك بالطبع لا ينفي أن موبقات نظام العصبة الأخرى يعجز عن رصدها أي جبار عتيد، ولهذا نجنح للتأكيد أن الجوع كان سبباً رئيسياً وليس أوحداً، والجوع كما تعلمون يهدر إنسانية المرء ويفقده كرامته، وجاء في الأثر أنه قد يقود إلى الكُفر (قال فيما أخرجه ابن أبي شيبة، قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن يزيد الرقاشي عن الحسن، قال قال رسول الله كاد الحسد أن يغلب القدر وكادت الفاقة أن تكون كفراً) ولذا فقد استعاذ منه الرسول الكريم أيضاً!
سادساً: من خطل ما وقع فيه البعض من أخطاء، استغرابهم من غياب الأحزاب السياسية، التقليدي منها والعقائدي. كأن هؤلاء لا يعلمون أن تلك الانتفاضة كانت نتاج واقعاً جديد، واقعٌ كُتبت فيه شهادة عجز القوى السياسية، ومُهرت فيه شهادة ميلاد قوى اجتماعية جديدة، هم فئة الشباب. والذين ظهروا بقوة وفاعلية حيّرت أهل النظام والأحزاب معاً. ومن المفارقات أن معظم هؤلاء الشباب هم من ولد وعاش في حقبة الحكم الاستبدادي العصبوي الماثلة، وصبروا حتى ظنهم البعض جيلاً مدجناً أو (حناكيش) بلغة الثقافة الشعبية السائدة!
سابعاً: اتساقاً مع ما جاء أعلاه فإن الانتفاضة أيضاً كشفت بل عرّت مواقف قيادات سياسية وأفرغت بعض أطروحاتهم من محتواها بعدما شنّفوا بها آذان العباد ردحاً من الزمن. اتصالاً مع ذلك عندما أكدت الانتفاضة أن السودان ليس جزيرة معزولة، وأنه يؤثر ويتأثر مع محيطه الإقليمي والدولي. وقتئذٍ لم يجد المتظاهرون الشباب من يوصل صوتهم للمنابر الإعلامية ويفتح لهم أبواب المحيطين بغية مؤازرة مرجوة ومطلوبة ومحمودة، وهو حديث المواجع الذي سنخوض فيه تفصيلاً وتوثيقاً دون أن نخشى لومة لائم، وذلك حتى يعرف الناس فيما هم فيه مختلفون؟
ثامناً: يقولون لا فضيلة مع الفقر، ونحن أيضاً نقول لا فضيلة مع الأمن. ذلك لإن كانت الأولى هي المسؤولة عن الانحطاط الأخلاقي الذي طفح كيله في ظل العصبة ذوي البأس وأدى إلى ظهور (دار المايقوما لفاقدي السند) ومثيلاتها. فإن الثانية قد أوضحت بما لا يدع مجالاً للشك أن المنتمين لجهاز الأمن هم من شاكلة ما قال عنهم كبيرهم الذي علمهم التعذيب وبشاعته، الفريق أول صلاح عبد الله قوش وصفاً تقشعر له الأبدان. جاء ذلك في حوار بصحيفة الصحافة 26/7/2012م نجتزيء منه المقتطف المذكور التالي:
-    طيب إحساسك شنو ورجال الأمن يتصدون للمظاهرات؟
-    أنا قادر أعرف، أستطيع تقييم هذه الحساسية، وعارف الناس بتقول عن ناس الأمن شنو.
-    بقولوا شنو؟
-    بقولوا ديل أولاد حرام وأولاد....
-    يا راجل؟
-    والله..
والحقيقة هم ليسوا في حاجة لشهادة شاهد من أهلها، فقد أثبتت الأحداث التي صاحبت الانتفاضة ذلك، إذ ذهل الرأي العام من طبيعة الممارسات اللا أخلاقية التي نالت من جسوم المعتقلين والمعتقلات وإن لم تنل من عزيمتهم وإصرارهم وإرادتهم. وحتى لا يحزن هؤلاء نقول إنها وضعت ما ظلَّ السودانيون يتغنون به شعراً ويتباهون به نثراً في مهب الريح!
تاسعاً: أكدت الانتفاضة أن من كان دينهم الفساد، وظلوا يعبدون الدولار والدينار والدرهم هم أول من سيولي الأدبار يوم الزحف العظيم. فقد كشفت الانتفاضة عن أن النظام الذي ظل يخصص 70% من الميزانية للأمن والدفاع طيلة سنواته في الحكم، أي لأكثر من عقدين من الزمن (بما فيها عصر البترول الذي أفل نجمه) هو مجرد نمر من ورق، ولكن من ذا الذي يقول للأنظمة الشمولية والديكتاتورية أن العبرة ليست في القوة المادية بقدر ما في القوة المعنوية والتي لا تعرفها قواميسها وأجندتها وكواليسها!
عاشراً: خلاصة الأمر واتساقاً مع ما ورد أعلاه أيضاً، فقد أكدت الانتفاضة حقيقة أزلية، وهي أن الأنظمة الديكتاتورية مهما أسرفت في القتل، وبالغت في استخدام البطش والعنف والتنكيل، وسخّرت موارد الدولة بغية الحفاظ على وجودها في سدة السلطة، وتظاهرت للرائي بتطاول أمدها وطول سلامتها، فإنها حتماً ستشيع على آلة حدباء لتقبر في مدافن الذُل والخِزي والعار!
تلك حقائق أفرزتها الانتفاضة التي لم تبلغ نهايتها المنطقية، ومع ذلك لن يستطيع أحد أن يمسح هذه الحقائق من خارطتها سواء نهضت أو قُمعت.. تواصلت أو تقاعست.. نجحت أو فشلت!
وإلى بقية السلسلة التي سنحاول أن نجيب فيها على المخبوء بين طيات الأحداث.. ونعم أجر القارئين!
آخر الكلام: لابد من الديمقراطية وإن طال السفر!!