عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الديكتاتورية الثالثة ومصنع الكذب الكبير: كان هذا هو عنوان فصل في كتابي الأول الذي صدر في العام 1993م بعنوان (محنة النخبة السودانية) وفيه تحدثت عن ممارسات العصبة ذوي البأس التي أجهضت نظاماً برلمانياً منتخباً وتسنمت السلطة في العام 1989م آنذاك لفت نظري كما لفت أنظار الكثيرين أن النظام الذي بدأ خطاه بكذبة بلقاء، جاء إلى السلطة رافعاً شعار جوزيف جوبلز وزير الدعاية النازي في عهد أدلوف هتلر (أكذب وأكذب حتى يصدّقك الناس) فكان النظام وما يزال يطلق الكذبة ويصدقها، ثم يتوهم أن الخلق صدقوها أيضاً، وكنت قد ختمت الفصل المذكور بالتأكيد على أنهم (أقاموا مصنعاً كبيراً للكذب، وقوده إنكار ما تراه العين ونفي ما تسمعه الأذن، ولي ذراع الحقائق) فإن كانت تلك هي رؤيتنا – يا هداك الله -  قبل نحو أكثر من سبعة عشر عاماً، أي عندما كان فيها عمر السلطة الغاصبة أقل من أربعة أعوام. فلك أن تتخيل يا عزيزي القاريء هذا المصنع وقد أصبح مدينة صناعية كاملة الآن، اتَّخذ فيها كل غطرس من غطاريس العصبة موقعاً وراحوا ينثرون الأكاذيب بسخاء من لا يخشى لومة لائم!
بعد السيناريو التونسي، ومن ثم المصري، بدأت الأنظمة الديكتاتورية المماثلة تتحسس في مواقع أقدامها خشية ذات الطوفان. ولأكثر من سبب - على رأسها انهيار جبل الأكاذيب - بات كثير من المراقبين والمحللين السياسيين يوجهون أصابعهم نحو النظام السوداني باعتباره مرشحاً لإعادة إنتاج السيناريو. الأمر الذي دفع العصبة للنفي أو تطمين نفسها - سيان – وفي هذا الصدد أضحكني الدكتور مصطفي عثمان كما لم أضحك من قبل. ففي حالة من حالات هذيان السلطة، تقمصته روح مسيلمة بن حبيب الملقب بـ (مسيلمة الكذاب) ففي رد على سؤال حول احتمال تكرار السيناريو التونسي في السودان؟ استبعد سيادته ذلك وقال لا فضّ فوه (الثورة في تونس قامت نتيجة للفساد والقمع والإرهاب والمحسوبية وهي أسباب لا تتوفر في السودان) ولم يكن المذكور وحيد زمانه، فعلى ذات المنوال سار مندور المهدي الذي قال لصحيفة الرائد 27/1/2011م: (لا توجد ظروف موضوعية تدفع الشعب للثورة ضد الإنقاذ) ونافع علي نافع الذي تحدث لقناة السلطة الفضائية منكراً ضوء الشمس من رمد في قوله (لا نخشى السيناريو التونسي لأن الشعب في السودان ملتف حول قيادته) أما المشير البشير أو كبيرهم ، فقد قال في مدينة الدامر يوم 25/1/2011م إنه لا يخشاه أيضاً، وزاد بما لن يستطيع له وعداً: (وفي حال حدوث ثورة شعبية زي ما حدث في تونس فنحن ما حنهرب، لكن حنطلع لشعبنا عشان يجدعونا بالحجارة).
على الرغم من إعجابنا بالسيناريو التونسي الذي سارت به الركبان، وأجبر الرئيس الطاغية زين العابدين بن علي على الهروب حتى ضاقت به الأرض بما رحبت، ولم يجد بلداً يأويه سوى المملكة السعودية. لكن الحديث على أنها تجربة لا مثيل لها فيه ظلم كبير للسودانيين الذين كان لهم قصب السبق في تجربتين مشهودتين، الأولى في أكتوبر 1964م والثانية في أبريل 1985م ونحن نورد ذلك ليس للذكرى فحسب، وإنما للعظة والاعتبار، فمن استطاع أن يفعلها مرتين بقادر على الثالثة، حتى وإن بدت مستحيلة كما يتراءى للواهمين. لكن الذي نود أن نتعرض له في سياق التجربة التونسية هو ذاك الخلط في حيثيات حدوثها. فالثورة التونسية لم تندلع بسبب الفقر وإن أصبح أحد أجندتها، ولم تلتهب بسبب الفساد وإن أضحى أحد ركائزها، ولم تنطلق بسبب غياب الحريات وإن أمست أحد قضاياها الأساسية. فالواقع أن الثورة التونسية اندلعت أساساً بسبب الكرامة، فقد ثار الشعب التونسي لكرامته، ذلك عندما حرق الشاب محمد بوعزيزي نفسه. تماماً مثلما اجتاح العنف مدينة بلفاست في أوائل السبعينات من القرن الماضي، عندما وجهت نائبة إيرلندية صفعة لوزير الداخلية البريطاني أثناء مناقشة البرلمان مقتل ثلاثة عشر شاباً إيرلندياً بواسطة بنادق الشرطة. فخرجت بعض الصحف البريطانية في اليوم التالي للصفعة وهي تحمل عنواناً مثيراً يقول (الآن اشتعلت الحمية الإيرلندية)!
من باب فقه المقارنات، وبغض النظر عما قاله دهاقنة العصبة ذوي البأس، لعل السؤال الذي يثور هذه الأيام: ترى هل ثمة قواسم مشتركة بين النظامين السوداني والتونسي وثالثهم المصري الذي سار على خطى ثورة الثاني؟ في التقدير أن الإجابة لن تكتفي بالتأكيد فحسب، إنما يمكن إحصاء أضعافها من الكبائر التي جبَّ بها نظام العصبة مثيليه في الضراء. فعلى سبيل المثال لم يقدم النظامان التونسي والمصري على نحر 28 ضابطاً وعشرات الجنود عشية العيد مثلما فعل نظام العصبة، ولم يؤجج كلا النظامين حرباً أهلية أودت بحياة الآلاف من مواطنيهم، ولم يقدم أي من النظامين على فصل جزء من بلده كما فعلت العصبة. ولم يشعل كلا النظامين حرباً أهلية في جزء ثانٍ من بلادهم بمثلما استباحت العصبة دارفور، ولم يعرف عن أي من النظامين أنهما قتلا أكثر من ثلاثمائة ألف من المواطنين، بمثلما غدرت العصبة وادّعى رئيسها أن العدد لا يتعدى العشرة آلاف! ولم يحدث أن زج رئيس أي من البلدين بنحو مليونين من مواطنيهم في معسكرات ذل وهوان لأكثر من سبع سنوات عجاف. ولم نسمع أن رئيسي البلدين مطلوبان لمحكمة جنائية دولية. ولم نقرأ أن أي من الرئيسين فصل مئات الآلاف من بني شعبه فصلاً تعسفياً من وظائفهم وقطع أرزاقهم بدعوى أنهم ليسوا من أهل الولاء. ولم نعلم أن أي من النظامين ادّعى أنه مرسل من لدن عزيز مقتدر لتطهير الأرض بعد أن امتلأت ظلماً وجوراً. ولم يقل كلا النظامين إنهما يحكمان بشرع الله وتوجد في بلديهما دار أطفال لفاقدي السند، تستقبل ما يقارب الألف طفل سنوياً، غير من تنهشهم الكلاب ويوسدون الثرى في غفلة رقيب!
أما إن شئت الحديث عن القواسم المشتركة، فتلك قد ضارع فيها النظام كلا النظامين حذوك الكتف بالكتف. فالفساد الذي نفاه الدكتور مصطفى عثمان، أو الطفل المعجزة (ولا يظنن أحد أننا نتهكم عليه، فذلك وإن بدا لناظره قدح في مكان مدح، فحقوق الطبع محفوظة لرئيس تحرير صحيفة الرأي العام النحرير، ولكن يبدو أن الموصوف نفسه استحسن الوصف) فقد استباحت العصبة البلاد وخيراتها وكانوا كغزاة دخلوا مدينة ولم يتركوا فيها شجراً أو حجراً إلا ودمروه. فالبلد الذي يعد من أغنى دول العالم وجمع موارد بترولية ومعدنية وزراعية ومائية وحيوانية، ترك التتار خزينته اليوم خاوية على عروشها، بدليل إرسالهم وفوداً للدول العربية يدعونها للاستثمار. ووزير المالية أو (سيد الزيجات الثلاثة) قدم الميزانية مؤكداً أنها لن تحتوي على أي ضرائب وجبايات جديدة، ومن قبل أن يضيع صوته في الظلام، قدم هو نفسه زيادات ضريبية جديدة على سلع إستراتيجية تؤثر تأثيراً مباشراً على حياة الشرائح الفقيرة، بما فيها الوقود الذي يمس كل شيء. ومن عجب أن المراجع العام ظلَّ ولأكثر من عشرين عاماً يقدم تقاريره بصورة روتينية، وهي تحتوي على جبال من الفساد المدعوم بأرقام يشيب لها الولدان. ومع ذلك لم تجد العصبة واحداً طيلة هذه السنين ليقدموه قرباناً وحتى يقال لهم يحيا العدل! وإن شئت الحديث عن فساد الحاشية أسوة بالنظامين التونسي والمصري، فيكيفك من حاشية العصبة إخوة المشير وهم محمد وعبد الله وعلي، الذين وجد لهم خالهم الطيب مصطفى سنداً فقهياً لفسادهم، فعندما سئل عن تمددهم طولاً وعرضاً قال للشرق الأوسط 25/12/2010م: (هناك أمور وتسهيلات يمنحها الله لعباده) علماً بأن إخوة عمر الرئيس الظالم لو جلسوا في بيت أبيهم كما قال عمر الخليفة العادل، لما ملكوا قطمير مما يدّخرون الآن، حتى ولو كدّ الواحد منهم مائة عام!
بيد أنني لا أتأمل الأمور المتشابهات، وإنما جل تفكيري اتّجه نحو المعنوي والذي كان حرّك تلك الحرائق، فكان من وراء تداعيات الأوضاع في تونس ومثلها مصر الآن. ما أقصده هو الكرامة، فعندما يتأمل المرء ما فعله النظام بكرامة شعب طالما تباهى بكبريائه وافتخر بمحتده، يأخذك العجب من كل حدب وصوب. هناك العديد من المواقف التي داس فيها هذا النظام القمييء على كرامة المواطن السوداني. ولكن دعونا نضرب أمثلة قليلة، من باب الذكر وليس الحصر.. حدث ذلك في بواكير عهد العصبة عندما طرحت الشعار النازي الاستفزازي (إعادة صياغة الإنسان السوداني) وأهدرت كرامتنا عندما حدث الانقسام الإسلاموي، وانداحت الفضائح أنهاراً والناس يتفرجون على استغفالهم. ثمَّ واصل أسد البرامكة مسيرته الظافرة وكأنه كان يقدم عرضاً مسرحياً شيقاً. فظلّ يتحرى الكذب وهو يقسم بالله العظيم، ويقول إذا دخلت القوات الأممية خير له أن يكون قائد مقاومة بدلاً عن رئيس جمهورية، وبطانته تردد من خلفه (باطن الأرض خير لنا من ظاهرها) فتدخل القوات الأممية بالآلاف وهي الآن تجوس وتدوس وتعوس كيما اتَّفق، والرئيس الهزبر لا يحرك ساكناً. ومن منّا – يا كرام - لم يشعر بالعار في أنه ينتمي لبلد يشاركه رئيسها المواطنة، بعد أن خرج للملأ وقال إن الجنوب كان عبئاً على الشمال، وهو حديث لا يقوله إلا كاره لوطنه أو مكروه من مواطنيه!
لله درهم هؤلاء النشامى، أيضاً نحن نحفظ لأحدهم قولاً ثقيلاً، كان كفيلاً بإسقاط الأجنة من الأرحام. فقد أبت نفس دكتور مصطفى عثمان ألا يفوته مولد إهدار الكرامة السودانية، فقال ذاك النزق الغرير إن (الشعب السوداني كان عبارة عن شحادين من قبل أن تأتي الإنقاذ) وظلت سهام العصبة تتوالى وهي مصوبة نحو الكرامة السودانية. فكان أقصاها وأقساها وجعاً استنزال رئيس دولة العصبة القبلية في أنتن صورها. حدث ذلك عندما سدّد طعنة نجلاء لحرائر أهل السودان. جاءت الرواية على لسان الدكتور الترابي الذي قال في ليلة سياسية محضورة من قبل جمهور غفير، إن شخصية ما أسرَّتْ له (أشارت الدلائل والقرائن إنه دفع الله الحاج يوسف، الذي رأس لجنة تحقيق في التجاوزات التي حدثت في دارفور) بعد أن أدى القسم الجمهوري أمامه - أي المشير البشير – قال له بحسب ما ذكر الترابي (يعني الغرباوية دي لو وطأها الجعلي ده شرف ليها ولا اغتصاب) وهذا حديث إن كان من يدعى غيرته على الشريعة صادقاً، فهو لا يحتمل سوى جلد القائل أو من اتهمه بحد القذف! ولكن يبدو أن القائل الحقيقي استمرأ طعن الحرائر، فلم يكتف بالإهانة التي ألحقتها سياط (قدو قدو) بفتاة الفيديو المجلودة، ولكنه تبارى وعصبته من أمثال نافع علي نافع وعبد الرحمن الخضر في قذف البنت نفسها، وأيضاً لو كانوا صادقين في تطبيق الشريعة التي يتحدثون عنها لحكموا على أنفسهم بحد القذف. إن سجل العصبة في إهدار كرامة السودانيين مما لا يحصى ولا يعد، فأين نحن من الرصاص الذي حصد طلاباً يفعاً في معسكر السليت بضاحية العيلفون، وأين نحن من الرصاص الذي أزهق أرواحاً بريئة في بورتسودان وكجبار، ولكن أصحاب الأيادي المتوضئة يقتلون باسم الله، وينهبون باسم الله، ويفسدون باسم الله، ويكذبون باسم الله، سيمائهم دقون تخدع الآخرة، وبطون تغش الدنيا!
من أجل هذا وذاك، أقول لست من الذين يرجمون بالغيب، ولا ممن يؤمنون بضرب الرمل، ولست ساذجاً حتى أقطع وأحدد ميقاتاً معلوماً، ولكن يعلم الله فاطر السموات، العزيز الجبار قابض الأرواح، لولا خشيتي من أن يفرط القاريء الكريم في التفاؤل لقلت له جهراً، إنني بت أرى الطامة الكبرى أقرب إلىّ من حبل الوريد!

آخر الكلام: لا بد من الديمقراطية وإن طال السفر!!