عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
على الرغم من مرور نحو عشرين سنة بالتمام والكمال، إلّا أنني ما زلت أذكر وجه ذاك الشاب الذي كان ينضح غضباً. استوقفني من بين ثلةٍ من الزميلات والزملاء. كنت أحسبه يريد مساعدة ما عندما حدّق في وجهي لبرهة من الزمن دون أن ينبس ببنت شفة. ولكن عندما مدّ نحوي يداً مرتعشة، وتناول ديباجة تعريفية كانت معلقة على صدري دونما استئذان، ظننت أنه تشابهت عليه الوجوه وبدا كمن يبحث عن شخص ضاع منه في دروب الحياة الوعرة. ثمَّ تغيرت ملامحه وراح يقرأ في بياناتها ولم يكن ثمة شيء مكتوب في البطاقة سوى اسمي والمناسبة التي كنت أحد حاضريها.. وأعاد الكرَّة مرة ومرتين كأنه يختبر نفسه في القراءة. بيد أنني استربت قليلاً عندما أطال النظر في وجهي بين الكرّتين، فظننته أضمر شراً. وكمن وجد ضالته بعد لأيٍ قال ساخراً (حقوق إلانسان.. آأأ.. أها.. هيني في تونس.. حقوق إنسان) أي تماماً مثلما يقول اخوتنا في شمال الوادي بلهجتهم الدارجة الساخرة (آل حقوق إنسان آل) ثم أدار صاحبنا ظهره ومضى في غمرة الزحام لا يلوي على شيء. وتركني متسمراً تتناوشني مشاعر شتى، ادناها مرارة كمرارة الحنظل وجدت ضالتها في حلقي، ووخزاً كوخز الأبر داهمني من حيث لم احتسب. وفي محاولة يائسة مني لفك طلاسم الحصار، باغتتني رغبة جارفة في أن ألحق به وأقول له كلاماً كثيراً، غير أني عدلت عن ذلك كرهاً وليس بغضاً. وقلت لنفسي وما يدريك لعل الفتى يعلم ما لا تعلم!
على كلٍ لم يكن ذلك مسكاً في ختام أسبوعين قضيتهما في تونس الخضراء كما يصفونها. كان ذلك في أغسطس من العام 1991م لحضور دورة حول حقوق الإنسان في الوطن العربي، والتي كان ينظمها وما يزال المعهد العربي لحقوق الإنسان. وحضرها يومئذٍ أكثر من عشرين مشاركاً من مختلف الدول العربية. منهم من كانت بلاده تنعم بشيء من الديمقراطية أياً كان قصورها أو منتهاها، وآخرين مثلي ممن كانت بلدانهم ترزخ تحت نير الديكتاتوريات واتّخذوا المنافي مقراً لهم. فقد جئتها من العاصمة المصرية القاهرة ممثلاً للمنظمة السودانية لحقوق الإنسان، والتي كانت عصرئذ تدير نشاطها على الكفاف، كان ذلك قبل أن يسطو عليها الدكتور محجوب التيجاني وينفذ مخططه الإجرامي في نهبها نهب من لا يخشى الفقر. وتلك عادة ظلّ يمارسها سنوياً منذ عشر سنوات أو يزيد، حتى تكدست في يديه أموال السحت والخزي والعار. ورغم ذلك ارتدى جلداَ سميكاً أمام بينات المُدّعين، ولا أدري كيف ينام الرجل أو يمشي بين الناس! لكن دعونا نعود لموضوعنا الذي صرفنا عنه هادم اللذات هذا، ونضيف أن المشاركين في تلك الدورة تباروا في توصيف الانتهاكات التي تمارسها حكوماتهم في مجال حقوق الإنسان، وبدأوا كأنهم يتبارون في مسابقة صعبة لا يستطيعون خوضها داخل أوطانهم!
نعود أيضاً لسيرة ذاك الفتى الذي نفث غضبه في وجهي ولم يكن يعلم أن كلاً منّا يغني على ليلاه. قلت في نفسي، ليته كان معنا في الأمسية التي سبقت لقائي به. إذن لكان قد سمع حديثاً طرب له زملائي وتململ من خطره آخرون. حدث ذلك عندما انتقدت بحِدة بالغة، جميع الأنظمة العربية التي تنتهك حقوق الإنسان من المحيط إلى الخليج. وحتى لا يقال عني ضرب مثلاً ونسى بلده. صوبت حديثي في البداية نحو العصبة والتي لم تكن في حاجة لمتبرعٍ وهي تعيش جاهليتها الأولى آنذاك. إذ كانت عهدئذٍ ترفل في حلل بيوت الأشباح، وتتباهى بكرنفالات قطع الأرزاق، وتفتخر بعلاقتها المتميزة مع عزرائيل ملك الموت. ولأن الطيور على أشكالها تقع، طالت سهامي أيضاً الذين يدعمونها، وكانوا قلّة منهم منظمة التحرير الفلسطينية. ولم تكن آنذاك قد تقلصت طموحاتها في بضع كليومترات من الأرض المحتلة، وعوضاً عن تحرير ما تبقى منها، اصبحت الدويلة نموذجاً في الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان. والواقع كما ذكرت يومئذ أن لرئيس المنظمة ياسر عرفات تاريخ حافل في هذا المضمار. ونظراً لغضبي من مواقفه حيال العصبة ذوي البأس، عمدت على انتقاده انتقاد من لا يخشى الحِمام. ولا تحسبن يا عزيزي القاريء أن تلك جرأة مني في وجود زميلين فلسطينيين ينتميان للمنظمة.. قال لي أحدهما فيما بعد، هذا تهور يمكن أن يكلفك كثيراً. وفي الحقيقة لم أكن في حاجة لقوله هذا لأستدل به على ديكتاتورية عرفات، ليس لأنني في حماية الداعي، ولا لأن للمنظمة نفوذ قوي في تونس مقرها الجديد بعد الخروج الكبير من لبنان، ولكن لأني شهدت ذلك يجري أمام عينيّ وإن اختص به غيري!
كان ذلك في بغداد قبيل كارثة غزو الكويت، يوم أن كان الرئيس العراقي المستبد يخرج بين الفينة والأخرى للناس حاملاً شكلاً مخروطياً أشبه بالبيضة، وكلما لوّح به في الهواء وقال عنه إنه القنبلة التي ستحرق نصف إسرائيل، أشعرت سعاد الصباح بين يديه (قصيدة حب إلى سيف عراقي) وذات مناسبة مثل تلك المناسبات الكثيرة، جئت إلى بغداد موفداً من صحيفتي (الوطن الكويتية) لتغطية ما سُمي بالمؤتمر الشعبي لدعم العراق، لكن كنت وآخرين لنا مآرب أخرى. إذ تزامن حضورنا لبلاد الرافدين مع مأساة الثمانية وعشرين شهيداً الذين نُحِروا بين النيلين، كما تنحر الخراف صبيحة عيد الأضحية، وأيضاً تلك قصة أخرى. المهم أنه على هامش ذاك الحدث، عقد ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية مؤتمراً صحفياً. وعندما فرغ من حديثه تقاطرت عليه أسئلة الصحفيين، فرفع شاب فلسطيني يده ووقف ليلقي سؤاله، ولكن عوضاً أن يصغي له عرفات سمعناه يقول له بغضب اجلس يا حمار! وكررها بصوتٍ عالٍ مرة ومرتين وثلاث، فوقف زميلنا كحمار الشيخ في العقبة، لا يقدر على مواصلة السؤال ولا يقوى على الجلوس. لكن أخيراً فعل الثانية وبدا أنه مرغم حينما تحرك الأشاوس الذين يحيطون بالزعيم لتحرير الأرض التي يقف عليها وهم يتحسسون مقابض أبغض الحلال. وبعدها أردف عرفات كأنه يتلو قصيدة شعر، وقال للزميل (والله لولا خالك شيخ المناضلين.. لأنتف لحمك نتف الطير) ذلك كان أنموذجاً من التعامل الحضاري الذي دأب عرفات على ممارسته مع  مخالفيه الرأي والتوجهات وما ناجي العلي ببعيد. لكن أين هؤلاء الطغاة.. كلنا يعلم، منهم من قضى نحبه كعرفات وصدام والشاه ومانغستو وشاوسيسكو ورئيسنا المخلوع، ومنهم من ينتظر، ولا أريد أن امتحن فراستك يا عزيزي القاريء ولكن (كلك نظر) كما يقولون!
بقدرة الشعب التونسي العظيم، أصبح زين العابدين بن علي آخر الراحلين، وكلنا تابع سيناريو سقوط نظامه.. أما أنا فلم أكتف بالمتابعة وحسب، فقد طاف بذهني ذاك الشاب الغاضب قبل عشرين سنة. ولم استطع أن أكذب خيالي إنه هو (محمد بوعزيزي)  الشاب الجامعي الذي أضرم النار في جسده في ولاية (سيدي بوزيد) احتجاجاً على مصادرة عربته التي يبيع فيها الخضار، رغم أن الأخير هذا عمره نحو ستة وعشرين سنة. أي أنه عندما تسلم بني علي السلطة كان عمره ثلاث سنوات، فتأمل – يا عزيزي القاريء - الرؤية الثاقبة لمن كان في درب النضال صبياً. وبالطبع توالي سيناريو السقوط، إذ اندلعت المظاهرات في الولاية، وامتدت إلى ولايات أخرى منددة بارتفاع نسبة البطالة واتساع دائرة الفقرة وازدياد انتهاك الحريات بغضبة مضرية، حينئذٍ تعاملت قوات الأمن والشرطة بصورة عنيفة كان ضحيتها عدد من القتلى والجرحى، ومع ذلك لم تثن الجماهير الغاضبة من مواصلة أهدافها النبيلة. فقُتِل شاب آخر (محمد العماري) وهو أيضاً من حملة الشهادات العليا وعاطل عن العمل. وعلى إثر هذا تضامن بعض الحقوقيين والقانونيين مع المتظاهرين احتجاجاً على قمعهم، ولم يجد ابن علي تفسيراً أكثر من وصفهم بـ (العناصر المأجورة والعملاء المندسين) وعندما لم يجدِ ذلك فتيلاً، لجأ إلى وصفة آخرى مجربة أيضاً.. مهد لها بقوله (خدعوني وسيحاسبون) أي بطانته التي تحوقلت حوله منذ أكثر من عشرين سنة حسوماً. وتبعاً لذلك كان من الطبيعي أن يختار منهم أكباش فداء، إذ أجرى تعديلاً وزارياً عزل بموجبه أربعة وزراء.. الاتصال، والشباب والرياضة، والتجارة والصناعة، ثم الشئون الدينية، وزاد عليهم بمحافظ ولاية سيدي بوزيد!
مع ذلك لم يقل له أحد جزاك الله خيراً.. فتواصلت التظاهرات وعمت معظم الولايات حتى عجزت قوات الأمن عن تطويقها. وبدأ المحامون عصياناً مدنياً أضربوا بموجبه عن العمل في المحاكم. الأمر الذي دعا زين العابدين بن علي إلى استخرج وصفة أخرى من جرابه، عطلّ بموجبها المدارس والجامعات. وعندما وصلت التظاهرات العاصمة التونسية وازداد أوارها، أقال وزير الداخلية. ثم أخرج آخر وصفة ابتزازية وقال إنه لن يرشح نفسه لولاية سادسة  في العام 2014 ولم ينتبه أنه بذلك يكرِّس كراهية متأصلة. وقال إنه سوف يطرح 300 ألف وظيفة للحد من البطالة، فقالوا له: وأين كانت مخبأة من قبل يا رئيس؟ وقال إنه سيخفض الأسعار للحد من معاناة الناس، فقالوا له (خبز وماء بن علي لا)؟ وقال إنه أمر قوات الأمن بعدم استخدام الذخيرة الحيّة مع المتظاهرين، فقالوا له ما قاله شاعرهم واصبح دستوراً تهتدي به الشعوب (إذا الشعب يوماً أراد الحياة/ فلابد أن يستجيب القدر/ ولابد لليل أن ينجلي/ ولابد للقيد أن ينكسر) عندئذ شرعت بطانته في الهروب كما تهرب الجرذان الجزعة من المركب الغارقة. وعندما قرر الرحيل ضاقت به الأرض بما رحبت..  إلى أن وجد من قال أنا ربكم الأعلى مأوى بالقرب من بيت الربّ العتيق!
أليس هذا يا أعزائي القراء هو نفس السيناريو الذي ظل الطُغاة يتبعونه منذ لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت وحتى زين العابدين بن علي. وكلنا يعلم بأنه لم يتمرد شعب في الدنيا إلا وكان الخبز والحرية هما دافعه في الثورات. وكثيرا ما كانا مصدر جدل ليس في أهميتهما ولكن في أولوياتهما، فهناك من قدم الحرية على الخبز، وهناك من اعتقد في الخبز قبل الحرية. هما في واقع الأمر متوالية يصعب تفضيل احداهما على الأخرى، تماماً كما البيضة والدجاجة فقد أثبتت التجارب أنهما صنوان، ويشكل الفساد في تحريكهما قاسماً مشتركاً في صنع الثورات. ولا شك أن وقائع 26 يوماً عاشها الشعب التونسي تعد تطبيقاً عملياً للتنظير. بيد أنه حق للشعب السوداني أن يفتخر في أنه صاحب هذا الإرث الإنساني التليد في ثوريتين شعبيتين مشهودتين. أما الشيء الثاني الذي لا يدركه الطُغاة إلا بعد فوات الأوان، هو أنه عندما تنضج مكونات الثورة، فقد يضع الشعب سره في أضعف بني وطنه. فلو أن أحداً قبل السقوط المريع، قال لزين العابدين بن علي أن شاباً كان نسياً منسياً في ملكوتك، هو نفسه الذي هدّ عرشك المكين لما صدّق. ولو أن أحداً قال لزين العابدين بن علي أن الشعب الذي كان يخرج عنوة ليصفق لك، هو نفسه الشعب الذي شيعك باللعنات وضرب صورتك بالأحذية لما صدّق. لو أن أحداً قال لزين العابدين بن علي أن بطانتك التي كانت تسبح بحمدك صباح مساء، هي ذاتها بطانتك التي هربت أمامك كالجرذان لما صدّق. هكذا هم الطغاة الواهمون!
كلنا يعلم أن هؤلاء الطُغاة الواهمين يعيشون في غيبوبة من فرط نشوة الكراسي، ولا يفيقون منها إلا عندما يسمعون هدير الشعب. فما فعله بن علي هو نفس البؤس الذي يكدر حياة كثير من الشعوب. حياة طابعها القهر وتكميم الأفواه ومصادرة الحريات وفتح المزيد من السجون. وحتى يطمئن قلب الطاغية يعمل على تجميع بطانة السوء حوله، ثمّ يتيح لأفراد وعائلات معدودة السيطرة على ثروات البلاد وتحديد مصائر العباد. مثل عائلة الماطري صهره، وعائلة شيبوب، والطرابلسي أي عائلة زوجته ليلى أو كما سميت بـ (حاكمة قرطاج) والمصنفة بأكثر الناس فساداً، والتي قامت بتعيين أفراد من عائلتها في مناصب حساسة، واصبحوا من ذوي النفوذ الماكر، واستحوذوا على الثروات بلا رقيب أو حسيب. بطانة كلما ازدادت غني زاد الشعب فقراً. ولابد أنك يا عزيزي تساءلت وقلت إن هناك من هو أسوأ من بن علي ونظامه وما زالوا في غيهم يعمهون، ألا يتذكر هؤلاء نفس المصير المحتوم؟ وربما مضيت أكثر في التساؤل وقلت من التالي يا ترى في جدلية الطغاة واليوم المشهود؟ لا سيما، وأن هناك من سدر في غيّه وأرهق العباد وضيع البلاد وقال إن (الجنوب المفصول كان عبئاً)؟ أنا مثلك يا عزيزي القاريء لا أعرف ضرب الرمل، ولا التنجيم، ولا أعلم الغيب. ولكني يعلم الله مالك الملك لمن يشاء ونازعه ممن يشاء، ويعلم الله باسط الأرزاق وقابض الأرواح.. إنني أكاد أرى شجراً يسير!
آخر الكلام: لابد من الديمقراطية حتى ولو طال السفر!!