عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أطل العام الميلادي الجديد 2011 على السودانيين في داخل وخارج الوطن وهم غارقون في بحور من الحزن والألم الدفين، تتناوشهم مشاعر البؤس والاحباط والتردي. ولم يكن بمقدورهم أن يتبادلوا التهانىء كما سائر خلق الله الذين يتمنون لبعضهم البعض حياة حافلة بكل ما هو جميل. فبالرغم من أنهم باتوا وما أنفكوا يرزخون في العذاب المهين لأكثر من عقدين من الزمن في ظل العصبة ذوي البأس ، إلا أن هذه هي السنة (الكبيسة) التي تمر على وطنهم منذ أن هبط سيدنا آدم وزوجه من الجنة، وخلّفوا أناثاً وذكوراً في هذه البقعة من الأرض واسموها بالسودان، وعملوا على تعميرها وحافظوا عليها موحدة كابراً عن كابر.
كنا نظن أن العصبة ستكتفي بالتقتيل والتنكيل الذي ألحقوه بنفوس بريئة صعدت أرواحها إلى بارئها. كنا نظن أنهم سيقنعوا بالتعذيب والترهيب الذي مارسوه ضد مواطنين ما زالت أجسادهم تحمل سمات الجرم المشهود. كنا نظن أن غاية همهم مصادرة الحريات وقطع الأرزاق الذي تمخض عنه دمار أخلاقي تقف تلك الدار ومثيلاتها شاهداً عليه. كنا نظن أن مبعث مقدمهم صناعة الفساد الذي أصبح معلماً من معالمهم. كنا نظن أنهم سيتوارون خجلاً من التشوهات التي ألحقوها بعقيدة سمحاء حتى كاد معتنقها أن يتبرأ منها. كنا نظن هذا وذاك، وبالرغم من أنهم فاقوا سوء الظن كما قال عنهم شهيد الفكر الإنساني الاستاذ محمود محمد طه، إلا أننا لم نكن نعتقد أن طموحاتهم تجاوزت المواطن بكل موبقاتها لتتجه نحو خاصرة الوطن فتقسمه إلى شطرين!
من الذي صنع الكارثة؟ من ذا الذي سيتحمل أوزارها؟ سؤال تجيب عليه تلك القصة الميلودرامية التي اختصمت فيها سيدتان لدى قاضٍ على طفل رضيع، كل تدعي منهن إنها أمه. فاستمع لهن القاضي وطلب إحضار سكين وقال: هذه حلها بسيط جداً، وهو أن نقطع الطفل لقسمين وسأعطي كل واحدة منكن نصفا. فوافقت إحداهن على الفور، بينما صرخت الثانية وقالت: لا ليس ابني فاعطها إياه. وهنا تبين القاضي من هي والدته الحقيقية وقال للأخيرة التي رفضت تقسيمه بل هو ابنك أنت فخذيه!
من هذه الحكمة سنتجاوز التشخيص في كارثة أصبحنا عليها شهوداً. ولسوف نقفز مباشرة إلى محاولة الاجابة على السؤال الذي أرهق عقول سامعيه: ما الذي يمكن أن يتمخض عنه الانفصال في الأسبوع المقبل. وفي هذا الصدد فليسمح لنا القراء الكرام أن ندلوا بثلاثة اجتهادات قد نتفق ونختلف حولها وهي ما أسميناه بالسيناريو المتشائم والسيناريو المتفائل والسيناريو المتشائل!
أولاً: ستواجه العصبة واقعاً معقداً بعد أن يتكشف لها صعوبة تسيير الدولة الأمنية والبوليسية التي صنعوها في العقدين الماضيين (خصصوا لها 70% من الميزانية للأمن والدفاع) بموارد اقتصادية محدودة (أقل من 30% بترول حوالي 180 ألف برميل يومياً) وسيبدأ التمايز الطبقي في الظهور السافر، بين الذين يملكون وهم عصبة والذين لا يملكون وهم السواد الأعظم. وهو أمر له تبعاته الكثيرة وفي طليعتها استيقاظ الحمية الوطنية وتقلص خيارات المسحوقين نحو ما يسمى بالحالة الصفرية، وهي الحالة التي كررت نفسها في حياة الشعوب حيال الأنظمة الشمولية والديكتاتورية، حيث تتساوى خيارات المقهورين بين الموت صمتاً والموت علناً!
ثانياً: هذه التداعيات ستنعكس على الأوضاع في دارفور، والتي من المتوقع أن يحدث فيها تصعيد نوعي على المستويين الداخلي والخارجي!
ثالثاً: ذلك قد يؤدي إلى انتقال الحالة بكل تعقيداتها إلى ولايات أخرى، تعيش ظلماً مماثلاً في ظل التهميش المتوارث، الذي تمظهر في التمايز الطبقي بين فئتين!
رابعاً: عدم الاتفاق الكامل على القضايا المتصلة بالانفصال وبخاصة الحدود الادارية، سيزيد من معدلات التوتر وبخاصة في مناطق التمازج (تسعة ملايين نسمة) والتي سيكتشف ساكنوها مرارة اللا انتماء وما سيتبع ذلك من مترتبات اقتصادية واجتماعية وغيرهما!
خامساً: أبيي وما أدراك ما أبيي، أو كعب أخيل الأزمة القادمة أو (كشمير السودان) كما أطلق عليها البعض. هذه هي البؤرة التي رشحتها دوائر كثيرة لأن تكون الشرارة التي يمكن ان تشعل حرباً ضروساً!
أما السيناريو المتفائل: ففي الواقع ليس لهذا السيناريو روافد كثيرة، فهو يعتمد على رافد واحد أو إن شئت فقل احتمال واحد لا غير. والذي يتمثل في امكانية حدوث ضغوط سلمية على العصبة. وخلالها قد تتسع دائرة الذين يعتقدون أن الكارثة القادمة لن تبقي ولن تذر، أي أنها ستجرفهم أمامها أيضاً. وهؤلاء هم الأحرص على الاستمرار في السلطة وعلى استعداد للتخلي عن جزء منها لصالح آخرين. بشرط اسقاط مبدأ المحاسبة، بما يعني استمرار حالة الدولة الفاشلة. وهي الحالة التي ستنجم عن محاصرة المجتمع الدولي للنظام بغية تقديم تنازلات اساسية بصورة سلمية، ذلك ما كشفت عنه ما اسماه البعض بسياسة الجزرة والعصا!
أماالسيناريو المتشائل: فيتجلى أولاً في تزايد مؤشرات الصراع داخل السلطة. والذي قد يبدأ بقيام تيار تحميل تيار آخر أوزار الانفصال وتبعات الأزمة، وحينها ستبدأ أسرار العقدين الماضيين في الدولة الماسونية في الظهور. وسيدرك الناس حينها أبعاد الكارثة التي صنعها هذا النظام في أوضح صورها!
ثانياً: ليس بعيداً أن يعيد التاريخ نفسه بصورة أكثر دراماتيكية. فالظروف التي أودت بالدكتور حسن الترابي عراب النظام إلى السجن، تبدو ماثلة بصورة أخرى. فمن المتوقع ان تزداد وتائر المحكمة الجنائية والتي قد يترتب عليها دخول البلاد في (كرنتينة) ومع تنامي هذا الواقع قد تبدأ العصبة في التفكير في إزالة مسبباتها، فالذي اقدم على زج شيخ النظام في غياهب الجب لن يتردد في التخلص من رئيس النظام. وهذا واقع لن تحكمه أي ضوابط أخلاقية، لاسيما في حالة الدولة الدينية سواء كانت وهماً أو حقيقة، ذلك ما اكدته وقائع التاريخ!
ثالثاُ: إزاء فلتان محتمل تزداد مؤشرات تدخل دولي، وبخاصة من الدول التي تسمى بأصدقاء الايغاد الراعي لاتفاقية السلام. شئنا أم ابينا هو طريق مليء بالمحن والإحن وبيننا من الأمثال ما تعجز عنه دفتا كتاب!
بيد أن السؤال الذي يبرز في خضم هذه التداعيات، ما موقع الحركة الشعبية أو الشريك الذي يقف على الضفة الأخرى وسيتفرغ لحكم الدولة الجديدة في الجنوب؟
أولاً: ستكشف الحركة الشعبية بعد أن (تطير السكرة وتأتي الفكرة) كما يقولون. إنها تواجه واقعاً معقداً في تسيير دولة، ليست بذات الكيفية التي تدار بها شئون حركة ثورية وإن اتخذت من الفترة الانتقالية نموذجاً. هو واقع سيتكالب عليها فيه ثعالب السياسة وسماسرة الدول، سواء من دول الاقليم أو دول كبرى تطمح إلى أن تجد من الكعكعة نصيباً. وسيقوم هؤلاء تحت مبررات كثيرها ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، الظهور بمظهر الحريص على تقديم يد العون والمساعدة. ولسوف تتصادم المشاريع الوطنية والأجنبية، ولسوف تصبح الدولة الجديدة في حالة توهان حقيقي لفترة من الزمن قد تطول وقد تقصر، ولكن لا أحد يعلم أيان مرساها.
ثانياً: بالموارد البترولية التي سيذهب نحو 70% منها إلى الدولة الجديدة (380 ألف برميل يومياً) اضافة إلى موارد أخرى كثيرة، مقارنة بعدد السكان القليل وانعدام الخبرة في إدارة شئون دولة جديدة، ستزداد تبعاً لذلك معدلات الفساد بصورة مفزعة، وهي صورة بدأت أصلاً في الفترة الانتقالية، وسيخلق الفساد طبقة برجوازية في مجتمع يسوده الفقر والتخلف. وهذه الطبقة هي التي ستحدد مسارات الحكم وفق مصالحها الخاصة.
ثالثاً: ليس مفاجئاً أن تظهر النعرات القبلية، وليس بعيداً أن تبدي طموحاً شرساً نحو السلطة والثروة، مما يشي بظهور متمردين جدد، مستندين على ثقافة السلاح التي اختطتها الحركة الشعبية نفسها، حيث يسود شعور عام بأنها نجحت عن طريق البندقية في تحقيق أهدافها. ولسوف يكون لثقافة القوة هذه اليد الطولى في مجتمع تلعب فيه القبيلة دوراً رئيسياً في تسيير شئون الأفراد والجماعات، ويعقد من هذه الفرضية تسريح جيش جرار للالتحاق بالحياة المدنية، وهي غاية نبيلة بالرغم من كونها عقبة كؤود فشلت فيها دول كثيرة مرت بذات الحالة النمطية!
رابعاً: ستزداد مؤشرات التوتر بين الدولة الشمالية والدولة الجنوبية في ظل ما ذكرناه من قبل، حيث ستعمل الدولتان على ترحيل مشاكلهما معاً، وتزداد معدلات ذلك كلما تفاقمت مشاكل إحداها فتهرب منها بتصديرها للأخرى!
خامساً: الاستمرار في حالة الدولة الفاشلة، أي ستمضي في ركاب عشرات بل مئات الدول الفاشلة في العالم. تولد ولا ينتبه لها أحد، وتستمر ولا يشعر بها أحد.
ثمة سؤال آخر يطرح نفسه: أين القوى السياسية الأخرى، تلك التي يطلق عليها المعارضة الشمالية أو منبر جوبا أو قوى التجمع الوطني الديمقراطي سابقاً؟ أين موقعها من هذه السيناريوهات؟ هل ستكون صانعة حدث أم متلقية؟ هل ستلعب دوراً رئيسياً أم هامشياً؟
بالطبع هذه الأسئلة ومثيلاتها تعصف بأذهان الكثيرين دون أجابة شافية تضع النقط فوق الحروف، وعلى كلٍ من قبل الخوض في التفاصيل، لابد من التأكيد مبدئياً على أن هذ القوى السياسية مجتمعة أو منفردة دخلت (الكرنتينة) من قبل أن يدخلها النظام الذي تدعي مناهضته. ولن تخرج من هذه الكرنتينة إلا بعدة تدابير، هي في تقديرنا:
أولاً: القيام بمراجعة شاملة لتجربة النشاط المعارض منذ (مهد) الميثاق الذي ولد في سجن كوبر 1989 وحتى (لحد) اتفاقية القاهرة والتي بموجبها شارك التجمع الوطني السلطة في العام 2006 وعليه يفترض أن يستعرض تجربته الماضية تلك بشفافية وصدق مع الذات والآخرين، ومن ثم مخاطبة الشعب السوداني بكل سلبياتها وايجابياتها، وتبرئة النفوس والشخوص من الأموال التي ضُيعت والأرواح التي قُتلت والفرص التي أُهدرت. فالمعلوم أن البعض ظن أن تلك التجربة كانت مجرد نزهة، طووا كتابها وكل ذهب في حال سبيله. لكن الواقع إنها تجربة تحمل أثقالاً على ظهرها، وتجربة لها مترتبات على صعيد العلاقات الإقليمية والدولية، إذ أن هناك الكثير الذي جرى في الغرف المغلقة، وبما أن التجمع الوطني كان يعارض باسم الشعب السوداني، فعليه أن يقف بجرأة ويواجه الشعب السوداني بمحصولها وحصادها. وعليه وهو الرافع لشعار محاسبة النظام أن يقوم بمحاسبة نفسه أولاً من قبل أن يحاسب النظام!
ثانياً: على القوى السياسية المنضوية تحت هذا التجمع أو أي تجمع قادم أن تحدد موقفها بوضوح شديد من القضايا الأساسية في الساحة السودانية، وعلى رأسها قضية الدين والدولة، ذلك على أنه برغم الاتفاق عليها في مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية، إلا أن البعض وبالذات الحزب الاتحادي الديمقراطي بدأ التنكر لما تم الاتفاق عليه ووقع عليه بيد زعيمه، كذلك بدرت سمات تذبذب من حزب الأمة. لذلك إن لم تعمل هذه القوى السياسية على تحديد رؤيتها الفكرية من هذه القضية، لن يستقيم ظلها والعود أعوج!
ثالثاً: على القوى السياسية أن تحدد وسائل وآليات مقاومتها أو مفاوضتها لهذا النظام. والمعروف أنها في الحقبة قبل نيفاشا كانت قد تبنت ثلاثة آليات للمقاومة وعملت على تفعيلها بغض النظر عن نتاجها، وهي الضغوط السياسية والإعلامية، ثم الانتفاضة الشعبية ثم الكفاح المسلح! بيد أن المأزق يتمثل في أن كل خيار من هذه الخيارات اختلفت ظروفه المكانية والزمانية الآن.
رابعاً: وهو ما يمكن أن يسميه البعض بالسيناريو المتشائل في أروقة المعارضة، ذلك فقد تراءى لنا أن السيد الميرغني الذي ساند حديث الرئيس المشير في مدينة القضارف، بدأ التنكر  لتاريخ صنعه مع آخرين في مقررات اسمرا، ويقيني أنه وضع نصب عينيه المقاعد التي ستخلو برحيل الحركة الشعبية نحو الجنوب. وليس بعيداً إنه نوى احتلالها في شراكة جديدة تجمعه مع عصبة المؤتمر الوطني. وهذا حديث كفر بعد إيمان سننظره في جهنم أخرى!

آخر الكلام: لابد من الديمقراطية وإن طال السفر!

صحيفة (الأحداث) 2/1/2011