قبل نحو سبع سنوات بالتمام والكمال، كتبت مقالاً ينبيء قارءه بما اسميته (ليلة السكاكين الطويلة) وذلك بوقائع رأيت فيها ما يرى النائم شراً ينضح من نفوس صانعيها، وشرراً تطاير من عيون مدبريها. وبعد نحو بضع سنوات من ذلك، كتبت مقالاً آخر بنفس العنوان، تساءلت فيه ما إذا كان قد دنا شواظها؟ إذ رأيت في ما يرى الصاحي أن سكاكينَ أُخرجت من أغمادها، وأصبحت قاب قوسين أو أدنى من القلوب التي في الصدور. غير أنه بين هذين الزمنين كانت هناك أحداثاً تتقاطع، فتُرجي مفعول لحظة الصفر حيناً، وتشعلها أحياناً آخر. والآن في عامنا هذا، لن أكون مغالياً إن قلت إنها تَرسِم خارطة طريقها بخطىً ثابتة في انتطار المجهول. هذا ليس رجماً بالغيب ولا تماهياً مع ترهات (بلة الغايب) خليل الرئيس المشير، ولكنها قراءة واقعية في تداعيات أزمة، يعلم رعاة الضأن في الخلاء متى منتهاها وأيان مرساها. غير أننا لا نركن لذلك بصورة مطلقة، فلدينا زاداً من الأخبار أتانا به من لم نُزود!


إن ليلة السكاكين الطويلة ليست من بنات أفكارنا، فهي ليلة ليلاء ظلت تتكرر وتتناسخ في حقب مختلفة من تاريخ البشرية، مع اختلاف الجغرافيا والثقافات والسلطات الحاكمة والبيئات الحاضنة لها. وتعلمون أن روادها دائماً ما يكونون من شاكلة العصبة ذوي البأس، الذين يغتصبون الحكم بليل، وينكبُّوا عليه حفاة عراة، بأوداج منتفخة وأصابعٍ مرتعشة ورؤوس مدججة بتراث السلف العاطل. ولأن طبيعتهم لا تعرف الاختلاف والذي هو أحد ركائز الحياة، وتجهل الحوار والذي هو سبيل المجادلة بالتي هي أحسن، فتراهم عندما يشتجرون حولها يرغون ويزبدون ويعمدون مباشرة إلى إخراج السكاكين من أغمادها. وليس في الأمر عجب، فإهراق الدم المراق أهزوجة يرقصون على أنغامها، وحيونة الإنسان نتاج لغيبوبة الأيديولوجيا، والتاريخ التليد محض أكذوبة!


عندما أُودِع الدكتور حسن الترابي غياهب (سجن كوبر) كتُقية تمويهية بعد الانقلاب، تطاولت أيام حبسه المعدودات إلى شهور، وعندما خرج وجد أن الدنيا ليس كما يعرفها، ومضى الأحباب كل في طريق. وكانت تلك بداية سيناريوهات ليلة السكاكين الطويلة في أجندة الحركة الإسلاموية، وذلك بعد أن دانت لها السلطة وناءت عليها بكلكلها الوثير. بيد أن الأمور كانت تتداعى حرباً صامتة، وتدهورت حتى أُخرجت السكاكين من أغمادها في العلن. ذلك ما سُميت (المفاصلة) في العام 1999 ثمَّ جاءت كتيبة مطافيء من خارج الحدود، فأعادت السكاكين إلى أغمادها، ولكن هنيهةً كادت أن تلتف الساق بالساق مرة أخرى بعد مذكرة التفاهم مع الحركة الشعبية والمؤتمر الشعبي في العام 2001. وعلى مدى عقد كامل من الزمن، طفقت العصبة الحاكمة تتوجس خيفة من ذاك الحلف الخفي، إلى أن مضى الترابي إلى رحاب ربه، فترك خلفه ميراثاً ضخماً من الدماء، وصدوراً ضجت بالمقت والضغائن والأحقاد، وتاريخ مليء بالدسائس والغبائن والمكائد والثأرات، وحروب يدور رحاها في الكواليس، وكراهية تتعتَّق كل يوم كما يتعتق الخندريس في القناني!


إن الذي لا يتجادل فيه اثنان ولن تنتطح فيه عنزتان، هو أن الطغمة الحاكمة عملت بهمة عالية طيلة الثلاثة عقود زمنية على تهيئة (المذبح) تماماً لمشاهِد الليلة الليلاء التي ستخرج فيها السكاكين من أغمادها. فهي ليلة تشبه من يرمي حجراً في بركة راكدة، فتنداح دوائراً دوائراً أمام نظر من يتابعها إلى أن يقضي تلاشيها على اتساعها. هي ليلة قوامها الحاكمون الذين اتسعت صدورهم لكل وسواس خناس، وسيظل فيها الحادبون على الوطن وسلامته يتابعونها بعيون زائغة وقلوب وجلة وخوف لم يخطر على قلب بشر. أما الذين ملأوا الساحة زعيقاً وضجيجاً فسيظنون أنها القيامة التي يفر فيها المرء من أبيه وأمه وأخيه. ودون هؤلاء طوبي لمن استظل بالوطن في يومٍ لا ظلَّ فيه إلا ظلِّه!


لقد ظلَّ وما فتيء الرئيس المشير أكثر عصبته همةً في إعداد ذلك (المذبح) بتفلتات لا تُحصى ولا تُعد، ولكن مما لا يُنسى له بعد المفاصلة وهو في غمرة نشوته بالسلطة، قوله لغريمه عراب النظام الذي أجلسه على كرسي الرئاسة، إنه (يستحق الضبح) واضعاً سبابته على عنقه، فذلك حديث لا يمكن أن يُبلى وإن تطاولت السنون. والذي يظن أن المشاعر الموروثة السالبة التي ورد ذكرها من قبل، قد دُفنت مع الترابي فهو واهم. ومن يظن أن مكائد الخفاء التي تواترت بين علي عثمان طه ونافع على نافع، قد طاف عليها طائف النسيان فهو واهم، ومن يظن أن فساد الطغمة وتسترها على بعضها بعضا، قد أسدل عليه الستار فهو واهم، ومن يظن أن الأيدي الآثمة في جرائم القتل التي جرت في الكواليس والعلن ستفلت من الحساب فهو واهم، وأخيراً من كان يظن أن موت عكاشة محمد أحمد الذي اكتنفه الغموض، ليس بداية الليلة الليلاء فهو واهم. فالصادقون وحدهم هم من ظلوا يتحرونها كما يتحرى الصائم مدفع الإفطار، وثمة شواهد لنا برصد الموبقات العشر التالية:


أولاً: لقد ضعضعت الطغمة الحاكمة القِيم السودانية السمحة، والتي كانت تشكل حزام أمان للأمن المجتمعي تحسباً ليوم شره مستطيرا. وعوضاً عن ذلك وسَّعت من إطر الثقافة السالبة. ففي ظل انعدام العدالة الاجتماعية زادت وتائر الحقد والحسد، وكنتاج لسياسة التمكين استشرى (الجوع الكافر) وتفاقم الفقر الذي لا يعرف الفضيلة، وجراء الفساد تمددت الكراهية، وتمطى القهر، وانحسر سلوك الأمانة والمروة والشجاعة!
ثانياً: أدى عنف السلطة خلال الثلاثة عقود إلى اتساع دائرة القتل بأشكاله كافة، وتنوعت طرائقه، حتى كاد يصبح عُرفاً سائداً في مجتمع مسالم، كانت الدهشة فيه تعقِد حاجبيها جراء جرائم تُعدُّ في حكم العادية. كما أن الحروب المتصلة والتي لم تستثن رقعة جغرافية في الوطن إلا وطالتها، جعلت من الموت طقساً لا يحرك ساكناً في النفوس، ولا يثير غرائز التعاطف مع الضحايا!


ثالثاً: تبعاً لذلك يمكن القول إن العصبة الحاكمة نجحت في تحويل البلاد إلى مخزن للسلاح. فقد ذكرت إحصائية لمنظمة دولية (جلوبال فير بور) أن السودان يعد في صدارة الدول العربية والأفريقية، التي سجلت رقماً قياسياً في وفرة السلاح كمياً ونوعياً، ومن بلدان مُتعددة!


رابعاً: لعل من الظواهر المُقلقة والمُستحدثة إبان حكم العصبة ذوي البأس، إعلاء شأن القبلية لدرجة أصبحت كعبة تُزار من قبل الحاكمين، ويلجأون لها في الملمات كما قال علي عثمان محمد طه. وجريرة القبلية تلك اكتشفها الراحل داؤد يحى بولاد مبكراً، ففي سياق تبريرات تحوله من الحركة الإسلامية إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان قبل اغتياله، وضع بين يدي جون قرنق عبارته التي زلزلت كيان كل من سمعها، وقال إنه أدرك أن (الدم أثقل من الدين) عند الإسلاميين!


خامساً: من الأشياء التي لا تخفى على المراقبين، هو أن العصبة الحاكمة ينطبق عليها قول المولى عز وجل (بأسُهُم بينهُم شديد تحسبُهُم جَميعاً وقُلُوبُهُم شتَّى..) وهذا مظهر واضح لكل من تمعن في طبيعة السلطة، واستدعى أحداثاً طالت بعض أزلامها وأدت إلى مقتلهم، خاصة في حوادث الطائرات التي تعددَّت، وعلى سبيل المثال ما تزال وقائع ما حدث لإثنين هما اللواء الزبير محمد صالح والعقيد إبراهيم شمس الدين تثير فضول الكثيرين، إذ تطفو للسطح بين الفينة والأخرى تساؤلات واستفهامات وروايات تشحذ همم الفضوليين على البصاصة. فضلاً عن جرائم قتل خُطط لها بصورة تعجز (أجاثا كريستي) عن تأليفها. وذلك مثلما حدث للمتهمين في محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا، ووثقنا لها في كتابنا المسطور (الخندق/ أسرار دولة الفساد والاستبداد في السودان) كذلك اغتيال المهندس علي البشير بصورة مأساوية أمام زوجه وأطفاله. والحبل على الجرار في جرائم أُخر أوردنا تفاصيلها أيضاً في كتابنا الآخر الموسوم (بيت العنكبوت/ أسرار الجهاز السري للحركة الإسلاموية السودانية)!


سادساً: عملاً بتطبيق بروتوكلات آل صهيون، والمتمثلة في التحكم في ثلاثية الأمن والاقتصاد والإعلام، كان لافتاً للنظر اهتداء الحركة الإسلاموية بها، وطبقاً لهذه تعددت الأجهزة الأمنية منذ الانقلاب حتى تصادمت بعضها بعضا، ومنذاك الوقت صارت تُحل وتتغير وتُدمج مع بعضها البعض، وجراء ذلك أصبحت هناك منظومات باطنية اتخذت من الطرائق الماسونية هادياً، مثل جهاز الأمن الشعبي الذي وردت سيرته بقضها وقضيضها في الكتاب المذكور، بل إن بعضهم خصخص الأمن لصلاحه بتأسيس أجهزة تتبع له وتأتمر بأمره كما فعل كل من مجذوب الخليفة وعوض الجاز وآخرون خلف ستار!


سابعاً: من الأشياء التي لا يُعرف عقباها في دولة العصبة ذوي البأس، خلق حركات إرهابية متطرفة، والسماح لأخرى موجودة أصلاً بممارسة أنشطة تكفيرية بصورة سافرة. ولعل من المثير للقارئ أن يعلم أن هناك أربع عشر حركة وتنظيم متطرف يذرون ترهاتهم نهاراً جهاراً على أسماع البسطاء من الناس، الذين يتأثرون بمثل تلك الدعاوي الباطلة. وكلنا يعلم ما حلَّ ببعض هذه التنظيمات، مثل الذين اغتالوا جون غرانفيل موظف المعونة الأمريكية وسائقه السوداني عبد الرحمن عباس، وتابع الناس بسخرية مريرة رواية هروبهم المفبركة من سجن كوبر، والتي تصلح سيناريوهاتها لأفلام (بوليوود/ Bollywood) وكذلك خلية الدندر وخلية السَلَمة جنوب الخرطوم ومجموعة كمبو عشرة بالقرب من مدينة واد مدني.. وهلمجرا.


ثامناً: لعل أخطر ما في أجندة الطغمة الحاكمة، هي وجود ارتباطات أيديولوجية وأذرع خارجية للسلطة، فمن غرائب الأمور أن تكون هناك سلطة حاكمة لها مثل هذه العلاقات الشاذة بلا مواربة، فكلنا يعلم الارتباط الخفي بين الحركة الإسلاموية والتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، والتي كانت تذهب لدرجة تدخلها في تفاصيل الواقع السوداني، لا سيِّما، في بواكير استيلاء العصبة على السلطة. وهي علاقة كلفت السودان والسودانيين من أمرهم رهقاً. ونضرب مثلاً بأسامة بن لادن وتنظيمه (القاعدة) وكذلك حركة الجهاد المصرية وزعيمها أيمن الظواهري، والتي شاركتها أوزار محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك، إلى جانب حركات أخرى إقليمية ودولية. غير أن ما زاد الطين بلَّه ثلاثة أحداث سيكون لها تأثيرات مستقبلية بلا ريب على الوطن وأهله. الأولى زج الجيش السوداني في حرب اليمن بصورة لا يستطيع أحد أن ينفي فيها الارتزاق وانحطاط الكرامة السودانية، والثانية دعوة الرئيس المشير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لحمايته ونظامه ضد ما أسماه (العدوان الأمريكي) وأخيراً دخول تركيا الساحل الشرقي (سواكن) بدعوة مماثلة، خطورة هذه الخطوات الثلاثة تكمن في أنه متى ما انفرط عقد الأمن في الوطن جراء وقائع الليلة الليلاء كما ذكرنا، فهؤلاء لن ينتظروا أحداً لإيجاد موطيء قدم لهم في بلد سيكون مفتوحاً على مصراعيه لكل معتد أثيم!
تاسعاً: تكاثر المليشيات الخاصة وأكبرها ما يُسمى بقوات الدعم السريع، والتي تضخمت عدداً وعدة وعتاداً. ذلك يأتي في ظل توتر عالي الحساسية بين هذا الكيان اللقيط والأجهزة النظامية المختلفة. فليس سراً ما يدور همساً بين هذه المليشيا والقوات المسلحة وجهاز الأمن والشرطة، والمعروف أنها تجد الرعاية المباشرة من الرئيس المشير، بغية حمايته الشخصية حتى لو أدى ذلك لإنفراط الأمن في الوطن كله.


عاشراً: يُعلِّي من سقف هذه الاحتمالات في ما اسميناه ليلة السكاكين الطويلة، وجود طغمة أدمنت السلطة على مدى ثلاثة عقود زمنية، وباتت لا تتخيل - مجرد التخيل - وجودها خارج السلطة، ولذلك فهي تتشبث بها تشبث الغريق بقشة، وهي تعلم أن زحزحتها من كرسي الحكم تعني محاسبتها على موبقاتها التي ارتكبتها طيلة سنوات الجفاف والتصحر التي حكمت فيها البلاد. ولذلك فالسلطة بالنسبة لها أصبحت حالة إدمان، طبقت فيه مثلاً ساخراً لأحد السياسيين السودانيين الراحلين في قوله (إن لذة السلطة أقوى من لذة الجنس)!


ملحوظة: في الجزء التالي من المقال... هل عكاشة محمد أحمد هو أول ضحايا السكاكين الطويلة!؟


آخر الكلام: لابد من المحاسبة والديمقراطية وإن طال السفر!!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.