نستأنف اليوم نقاشنا حول "خطاب الكراهية" السوداني ومصادره وموارده. وقد نبهني صديق كريم إلى أن الأصح هو "خطاب التباغض"، كما جاء في الحديث: " لا تَبَاغَضُوا وَلا تَحَاسَدُوا وَلا تَدَابَرُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا." وفي القرآن: "قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر". والتباغض هو الكراهية المتبادلة، وهو شر الشرور.

وكنا قد توقفنا في الأسبوع الماضي عند التساؤل عن أصل المشكلة: أخطاب التباغض نفسه، أم مصدره في مسببات الكره والبغضاء؟

ولأول بديهة تبدو الإجابة غاية في البساطة: بالطبع إن المظالم والتعديات هي التي تسبب الكراهية والبغضاء، وبمجرد رد المظالم تنتهي المشكلة ويعود الوئام.

وهناك بالطبع الكثير من الصحة في هذه الفرضية، لأنه من الصعب مطالبة الضحايا باتباع نصيحة المسيح عليه السلام بأن يحبوا من يعتدي عليهم، أو النصحية القرآنية بأن يدفع المؤمن بالتي أحسن السيئة، وأن يعفو عمن ظلمه. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وذلك بعد أن نكلوا به وبأصحابه. ولكن القرآن كذلك يذكرنا بأن هذه منزلة لا يلقاها إلا الذين صبروا، ولا يلقاها إلا ذو حظ عظيم.

ولكن الأمر مع ذلك ليس بهذه البساطة، فإن العداوة والضغينة لا بد أن تعتمد على تحديد هوية الضحية وهوية المعتدي. فمن الممكن اعتبار نشوب صراع بين مجموعة من الأفراد على ممتلكات، أو تنافس على كسب ود فتاة، مسألة شخصية بين أفراد يحسمها القضاء. ولكن من الممكن أن يقوم أحد المتنازعين أو كلهم بتصوير هذا النزاع على أساس قبلي أو ديني أو عرقي، فينادي: يا لخندف! وعندها يصطف إلى جانبه مناصرون قد لا يكون لأكثرهم علم بأصل القضية. وبالمقابل يصطف مع الآخر جمع رداً على الاصطفاف الآخر.

وكل هوية في نهاية المطاف هي هوية متخيلة، وخيار بين خيارات كثيرة. فقد بدأ الصراع في الجنوب على أنه صراع بين أهل الجنوب وأهل الشمال، رغم أن غالبية مواطني شطري البلاد لم يكونوا طرفاً في ذلك الصراع الذي بدأ كتمرد مسلح من جنود فرقة الاستوائية، وتصدى له جيش سوداني كان وقتها ما يزال تحت إمرة الحاكم العام البريطاني. وفي بداية الأمر، كان أهل إقليم الاستوائية هم عماد التمرد، بينما انقسم بقية أهل الجنوب بين حزبين متباغضين، هما حزب سانو بقيادة وليام دينغ، وجبهة الجنوب بقيادة أبيل ألير. وبعد اتفاقية السلام والحكم الذاتي، وقع انقسام سياسي بين أهل الاستوائية من جهة، والقبائل النيلية (الدينكا والنوير والشلك) من جهة أخرى. ثم تحول الأمر في مرحلة لا حقة إلى نزاع بين الدينكا والنوير. وبقية القصة معروفة.

في شمال السودان، تحول الانقسام السياسي بين مؤيدي الوحدة مع مصر وطلاب الاستقلال في بداية فترة النضال الوطني إلى انقسام طائفي بين الختمية والأنصار. ثم انقسم الاتحاديون فيما بعد، وتحالف بعضهم مع الانصار، وتوحد كل هؤلاء ضد الحكم العسكري، الذي وقف معه بعض الختمية. وفي وقت لاحق، انقسم الانصار وتحالف بعضهم مع الاتحاديين، ثم توحد الجميع ضد حكم النميري العسكري الذي أيدته في أول الأمر فصائل اليسار قبل أن ينقلب عليها. وفي وقت لاحق توحدت كل القوى السياسية في السودان ضد الإسلاميين في انتخابات عام 1986، ثم ضد حكمهم منذ عام 1989. ولكن كثيراً من القوى السياسية، بما فيها الحركة الشعبية، عادت فعقدت اتفاقيات مع النظام الإسلامي القائم.

وفي كل مرحلة من هذه المراحل كان يمكن توصيف الظالم والمظلوم بحسب هوية سياسية معينة مختارة. فبحسب تحولات السياسة وتحالفات الميدان، كانت هناك فصائل جنوبية تعتبر النظام عدواً، ولكنها تحولت فيما بعد لتعتبر الحركة الشعبية هي العدو، وما يزال الأمر كذلك عند البعض حتى بعد الانفصال. في دارفور أيضاً، تتغير التحالفات بصورة يومية، ويصبح عدو الأمس هو حليف اليوم، وبالعكس. وفي خطاب البعض، يصنف كل أهل الشمال (أو "الجلابة")، على أنهم العدو، رغم أن قطاعات كثيرة منهم تعادي النظام وتحاربه.

من هنا فإن نوعية الخطاب وتقلبات الهوية السياسية والتحالفات تلعب أدواراً محورية في رسم خطوط الصراع التي ترسم بدورها حدود التباغض، كما حدث عند ما أصبح زعيم الجنجويد الذي كان رمز الشر ومحور البغضاء عند حركات التمرد، حليفاً لها اليوم.

إضافة إلى ذلك، فإن خطاب التباغض كثيراً ما يمهد للحرب والنزاع، كما حدث في نزاعات عديدة، مثل مذابح رواندا عام 2004، وحروب يوغسلافيا، والصراعات الانتخابية في كينيا. وفي الهند كذلك ولد الخطاب التعبوي لليمين المتطرف انفجارات متكررة من أعمال العنف ضد المسلمين. وفي معظم الحالات التي درسناها، ينشأ خطاب البغضاء في بداية أمره من خطاب نخبوي يعيد رسم الهوية وملامح الذاكرة في اتجاه تجريم الآخر. على سبيل المثال، نجد في الحالة اليوغسلافية أن مفكرين بارزين، كانوا في الغالب "شيوعيين تائبين"، أعادوا رسم وصياغة الهوية والذاكرة لدى الصرب والكروات معاً عبر التركيز على مظالم رافقت الحرب العالمية الثانية وتبعتها. فمن جهة، ركز الصرب على تعاون بعض الكروات مع النازيين، وحملت الكروات وزر ضحايا معتقل نازي شهير. بالمقابل، فإن الكروات تذكروا المذابح التي عانى منها عشرات الآلاف على يد الشيوعيين عقب انتصار هؤلاء في الحرب. وكما هي العادة، يبالغ كل طرف في أعداد ضحاياه وعظم مصيبته، بينما يقلل من مصيبة الآخر.

ولا يعني هذا أن الجرائم المعنية لم تقع، ولكن الاستغلال سياسي لتلك الكوارث لصالح أجندة معينة يحول نقاش التاريخ إلى ثأرات، وتكون النتيجة ضحايا جدد أضعاف من سبق، وكوارث ومجازر هانت أمامها تلك السوابق.

وفي الحالة السودانية، سبق خطاب التعبئة والبغضاء اندلاع النزاعات المسلحة ومهد لها. فالناس لا تحمل السلاح إلا بعد أن تعبأ بخطاب لا يكتفي بتصوير المظالم، ولكن بتحديد العدو، وغالباً رسم سيناريوهات تصور الحرب بأنها الخيار المحتوم، لأن البديل هو الهلاك والدمار. فالحرب هنا أهو الشرين. وبالمقابل فإن الخصم بدوره يصف الطرف الآخر بأنه هو الخطر الماحق الذي يصبح التصدي له فرض عين. وبعد أن يبدأ القتال، فإن له منطقه الذي يوري الأحقاد ويورثها. فعندما تسيل الدماء وتهدم الديار ويشرد الخلق، ينسى الناس بداية القتال وسببه، وتصبح الثأرات والأضغان مناط تنازع جديد. وقديماً ما اندلعت حرب البسوس بسبب قتل ناقة، وداحس الغبراء حول نتيجة سباق خيل. ولكن كل منها استمرت لعقود. وقد بدأت الحرب العالمية الأولى حول اغتيال رجل واحد، ولكن ضحاياها بلغوا الملايين، وقادت بدورها إلى الحرب العالمية الثانية التي مات فيها أكثر من خمسين مليون.

ويشبه الأمر إلى حد كبير متابعة فيلم سينمائي يرتكب فيه "الخائن" جرائم بشعة، ويتلذذ بذلك، حتى تحين المواجهة بنيه وبين البطل، فيتمنى جميع المشاهدين له أسوأ مصير، ولا يرضون ما لم يلق مصيره الأسود. وكذلك الحال في الواقع: فنحن نرسم صورة الخائن وننتظر له النهاية السوداء. فالحرب أولها كلام، وفي الحديث: هل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟ ولو اتبع الخلق الأمر النبوي بأن يقول المرء خيراً أو يصمت لقطعنا تسعة أعشار الطريق نحو السلام. ولو رسم الناس لأنفسهم سيناريو التعايش والتواد فلربما نشاهد فيلماً آخر له نهاية سعيدة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.