توقفنا في حديثنا الأسبوع الماضي عن معوقات الحوار في السودان عند نقطة تهيئة الجو إعلاميا للحوار بتجنب "خطاب الكراهية" وتسخير الاعلام للترويج للوفاق. وهناك في ظاهر الامر وجاهة في هذا المطلب، لانه من التناقض ان يجلس الفرقاء الى الحوار صباحا، ثم يلعن بعضهم بعضا في المساء، بل وأحيانا عند الظهر. واذكر في هذا المجال ان مفاوضات أبوجا الثانية في عام ١٩٩٢ انتقلت خلال ساعة واحدة من اختراق وشيك باتجاه توافق حول ملامح الحل السياسي إلى قطيعة كاملة نتيجة بيان تلاه رئيس وفد الحركة الشعبية سلفا كير، حفل بالتهجم على الحكومة. وكان مما ورد فيه ان مجرد الجلوس للتفاوض مع نظام معزول دوليا ومتهم بارتكاب الفظائع يعتبر تنازلا من الحركة. وبغض النظر عن صحة هذه التهم من عدمها -وكون الحركة بجناحيها كانت في تلك الفترة متهمة بدورها بارتكاب فظائع- فان تلاوة ذلك البيان فجر الأوضاع وقلب المعادلات. وكان الوفد الحكومي قد اعترض قبل البيان على رفع المفاوضات ابتداء، ثم قبل ذلك بشرط ان تعود الى الانعقاد خلال أسبوع. ولكنه بعد سماعه رفض مجرد الإجابة على طلب رئيس الجلسة اقتراح موعد للعودة للتفاوض، مما اخر الوصول الى حل تفاوضي لقضية الجنوب عشرين عاما.

وقد كان رئيس الجلسة (وزير الداخلية النيجيري) مدركا لتأثير البيان (بعد أن اطلع عليه مسبقا)، حيث طلب  من سلفا كير عدم تلاوته، ورد على إصرار الأخير على تلاوته حتى يسجل البيان في مضابط المفاوضات الرسمية باقتراح بتسليم نسخة الى السكرتارية لتضمينه في الوثائق الرسمية. ولكن البيان تلي،فكان ما كان، حيث لم تعقد جلسة مفاوضات في أبوجا بعد ذلك، واحتاج الامر الى وساطة جديدة وعاصمة اخرى وأكثر من عام قبل عقد جولة اخرى. اما جو التقارب الوفاق الذي ساد مؤقتا في فندق الشيراتون في أبوجا فلم تتم استعادته الا بعد عشرين عاما من الحرب والاقتتال.

ولعل الدرس الاول من تجارب الماضي القديم والبعيد هو تجنب تسميم الأجواء بخطاب عدائي وتحريضي، لان مثل هذا الخطاب لا يخدم اي غرض سوى "فشة خلق" بحسب تعبير أهل الشام. وكثير ممن يتفوه بمثل هذه الأقوال غالباً ما يتراجع عنها، أحياناً في نفس الجلسة، ولكن بعد أن تقع الفأس في الرأس. مهما يكن فإن لغة المفاوضات والحوار هي غير لغة المناكفة والتشاتم. وهذا لا يمنع أن الأجواء الديمقراطية تحتمل الخطاب اللاذع والناقد، بل وتفرضه. ولكن هناك فرق بين النقد والمعارضة، وبين لغة الإقصاء، بل "الإعدام" المعنوي للآخر.

وفي محاولة لتوضيح هذا الفرق، قمت بالبحث في عينة عشوائية من المداولات التي يحفل بها الإعلام السوداني والمواقع الالكترونية. وبدون كثير اجتهاد حصلت على العينات أدناه، وأمسك عن تحديد من نسبت إليهم، لأن الغرض ليس الدخول في مناكفات إضافية، فقط توضيح النقاط المحورية في هذا الصدد. ولنأخذ على سبيل الاقتباس أدناه حول انتقادات قديمة-جديدة لزعيم حزب الأمة، الإمام الصادق المهدي:


"الأنصاري الصميم خاصة و المواطن السوداني عامة ، يأتمن الحية الرقطاء ولا يثق لحظة بالصادق المهدي الذي أسماه رئيسه جعفر نميري ب" الكاذب الضليل". ذلك أن صفحته الوطنية أشدّ سواداً من الليل البهيم. فمنذ أن اُبتلي شعب السودان بهذا السياسي المتقلب غير المأمون الجانب و الذي يعتقد واهماً أنه مبعوث العناية الالهية فأصبح مثل مسيلمة يصدق نفسه ، وهو يتيه في سرابٍ عرضه السموات و الارض."

أو الاقتباس ادناه عن الشيخ حسن الترابي (ومنسوباً بدوره للمهدي):

"نعود لسؤالنا الذي طرحته على المهدي في الحوار المذكور حول شخصية الترابي، فقال لي "أنا اسميه كانديد" وقلت له من هو كانديد هذا؟ فقال لي "كانديد بطل في رواية للكاتب الفرنسي الشهير فولتير، كان يُقبِّح الجميل ويُجمِّل القبيح". وقبل أن ترتد إلىَّ اجابته، أضاف: "لو أن هناك أحداً من الناس قُطِعت رجله، لقال الترابي خير وبركة فقد وفَّر ثمن فردة الجزمة"!! (لعل المهدي يقصد شخصية الفيلسوف بانغلوس في مسرحية "كانديد" المذكورة لفولتير).

أو هذا الاقتباس الخبري الآخر في نقد اتفاق باريس: "انتقدت الحركة الشعبية بقيادة اللواء عبد الباقي قرفة الإعلان الموقع بين رئيس حزب الأمة الصادق المهدي والجبهة الثورية بباريس، مبينة أن الاتفاق لا يخدم القضايا الوطنية التي تحتاج لجمع الصف الوطني، ووصفته بالفبركة سيئة الإخراج. وأوضح قرفة لـ «إس. إم. سي» أن ... الاتفاق يؤدي لفتح الباب للتدخل الأجنبي في شؤون السودان... وأضاف قائلاً: "إ، إعلان باريس أعدته الدوائر الصهيونية التي تحمل آراءً سالبة تجاه السودان".

ولننظر بالمقابل الاقتباس ادناه من إحدى صحف الخرطوم في تبرير التكفير والتهجم: "إذن فإن تناول الأشخاص في مفهوم (...) سلوك بدائي حتى لو جاء به القرآن الكريم من رب العالمين الذي "شخصن" قضية الشرك والإيمان حين رجم أبا لهب بقوله: "تبت يدا أبي لهب". وبالتالي فإن شخصنتنا للقضية من خلال رجم "أبي لهب السوداني" المسمى عرمان سلوك بدائي فإذا قلنا وقال أبناء النوبة والنيل الأزرق إن عرمان ظل ولا يزال يتاجر بدمائهم كما ظل يفعل زعيمُه قرنق من قديم لأهداف لا علاقة لها بقضاياهم وإن هدفه هو مشروع السودان الجديد ينبري لنا من ينظرون تحت أقدامهم ليصمونا بالعنصريين وبدعاة الحرب وكأن عرمان وعقار والحلو كانوا يوزعون الحلوى والزهور على سكان أب كرشولا وأم روابة حينما اقتحموا المدينتين الوادعتين وروعوا وقتلوا نساءهما وأطفالهما."

أو المقطع أدناه في الإشارة إلى موقع مسجد في إحدى ضواحي العاصمة السودانية يرتاده الإسلاميون (أو "الكيزان" كما يسميهم بعض شانئيهم): "مقر الكيزان اولاد الحراميه منعول ابوهم علي ابوهم علي ابو اللي يتشد ليهم .. والغريبة عندهم بنت بتجي تتنطط في الاركان وتكورك وتلعب دور السافله يا رب يغتصبوها عشان تعرف ان الاركان للرجال وليس للـ...".

ولولا أن أصبح من ناقلي الكفر لزدت ووفيت مما تفيض به ساحات التواصل الاسفيري من تصريحات تشيب لها الولدان، وتعكس بدورها مرارات ومشاعر بغض من المجموعات تجاه بعضها البعض، ومن ضيق صدر بالرأي المخالف، وعدم الاكتفاء بنقد صاحبه، بل التوجه نحو إلغائه عبر وصمه بما لو صح فإنه لا يؤهله للوجود، ناهيك عن المشاركة السياسية. وهذه الذهنية وما ينضح عنها من خطاب ذهنية لا تصب في توجه حوار ينتهي بتوافق، وإنما مقتضاها أن يستمر التقاتل حتى يقضي طرف على الآخر. وغالباً ما يختلق الطرف المنتصر بعد ذلك طائفة أخرى يوجه إليها كراهيته وبغضه ومساعيه للإبادة.

وكنت قد عكفت خلال السنوات القليلة الماضية مع بعض كرام الزملاء من الأكاديميين والمفكرين على دراسة متعمقة للخطاب الذي يسبق أعمال العنف المفرط وعمليات الإبادة الجماعية في ساحات كثيرة من التاريخ القريب والمعاصر. وقد غطينا في هذه الدراسة (ستصدر إن شاء الله في كتاب باللغة الانجليزية خلال الأشهر القليلة القادمة) تجارب كثيرة منها يوغسلافيا وكينيا ونيجيريا والهند والعراق والصراع الفسلطيني الإسرائيلي، والحرب على الإرهاب، وبالطبع السودان. وكانت كل الدلائل تؤكد أن أول حروب الإبادة الجماعية كلام يشيطن الآخر ويصوره خطراً ماثلاً.

وبحسب تحليلنا فإن الخطاب الذي تفيض به الساحة السودانية هذه الأيام ليس خطاب حوار وتوافق، وإنما هو خطاب حرب إبادة. ويطرح هذا السؤال: هل تكون بداية الحوار التخلص من مثل هذا الخطاب المسموم، أم من الأسباب التي أدت إلى توالده ورواجه؟ لنا عودة إن شاء الله.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.