(1)
لم نكن في حاجة لإعلان داعش السافر خروجها النهائي من دائرة العقل والإنسانية بإعدامها العلني لصحفي جاء إلى سوريا للدفاع عن أهلها وتبصير العالم بما يرتكب في حقهم من جرائم أسدية، لندرك أن هذه الفئة المارقة الباغية هي عدو نفسها قبل أن تكون عدو الإسلام والمسلمين. فإذا كانت هذه الفئة الفقيرة في العقل والدين تعتقد أنها بهذه العملية الإجرامية الغبية ستخيف أمريكا وتوقف العملية الدولية ضدها فإنها بحق لا تفقه شيئاً، لأنها بالعكس، حققت إجماعاً لا سابقة له في أمريكا وخارجها حول ضرورة استئصالها من على وجه الأرض.
(2)

ليس هذا سوء الفهم الوحيد من قبل هذه المجموعة، حيث أن مجرد اختطافها للصحفيين الشرفاء الذين غامروا بحياتهم من أجل إيصال صوت ضحايا نظام الأسد من السوريين المحاصرين يكشف عن خطأ فاضح في الحساب، إن لم يكن سوء نية. ذلك أن من رزق أدنى حظ من العقل يدرك أن الإعلام هو السلاح الأمضى في يد الضعفاء من ضحايا الاستبداد، سواءً أكان ذلك في سوريا والعراق أو في غزة. ولنفس السبب، فإن النظام السوري دأب على استهداف الصحفيين قتلاً وخطفاً، وحظر دخولهم إلى المناطق التي يستهدفها.
(3)
من هنا فإن من يحسن الظن بداعش وقادتها –وهو أمر في غاية الصعوبة- يحكم بأنها ارتكبت خطأً فاضحاً حين دأبت على اختطاف الصحفيين الشرفاء والمساومة بهم بثمن بخس دراهم معدودة، مقابل الأثر السلبي الكبير لقضية سوريا وشعبها. فهي بهذا تؤدي خدمة للنظام بإحجام الصحفيين عن دخول مناطق الثوار، كما أنها تظهر الثوار بالصورة التي يريد النظام تحديداً إظهارهم بها، وهي أنهم برابرة إرهابيون، النظام أفضل منهم ألف مرة.

(4)
إلا أن إحسان الظن بهذه الجماعة يحتاج إلى قدر كبير من السذاجة. فهي منذ بداية أمرها تجتهد في خدمة نظام الأسد بأفضل مما استطاع إعلامه وأجهزة مخابراته. فبمجرد إعلانها القيام بحملة مزدوجة في العراق وسوريا في آن واحد جندت النظام العراقي ضدها، كما أن إعلانها الانتماء للقاعدة جند العالم كله ضدها، ومنع حتى الأنظمة الصديقة للمعارضة السورية من دعم المعارضة. وبنفس قدر أدت هذه الخطوات إلى إحجام الدول الغربية عن دعم المعارضة عسكرياً. ثم جاءت الفظائع وأعمال الخطف لتكمل الدائرة، وأخيراً العدوان على بقية فصائل المعارضة بأشد من عدوان النظام الأسدي عليها. فهل هي مصادفة أن هذه الجماعة تنفذ كل هذه الخدمات للنظام السوري؟
(5)
نفس الخدمات أدتها هذه الجماعة لنظام المالكي وداعميه في إيران، حيث جندت لأول مرة معظم جيوش ومخابرات العالم والمنطقة لخدمة النظام العراقي، ودعم البشمركة وحكومة كردستان العراق. فهل هذه مصادفة أيضاً، خاصة حين قامت هذه الجماعة باستهداف الأقليات التي لم تكن تشكل أي تهديد لها، فخلقت باستهدافهم صورة سالبة أكثر (إن كان ذلك ممكناً) لها وتجيش الرأي العام الدولي ضدها؟ هل قيادات هذه الجماعة بكل هذا الغباء حقاً، أم أن الأمر أكبر من ذلك، وتنفيذ لمخططات الغير بتشويه صورة الإسلام والخلافة؟ 
(6)
هل هي مصادفة كذلك أن هذه الجريمة الداعشية جاءت في نفس الأسبوع الذي شهد انتقاد المنظر السلفي الجهادي الأردني أبو محمد المقدسي، لما وصفه بتشويه "فيديوهات القتل والذبح والنحر" لصورة التيار الجهادي و "حقيقة الدين"؟ وكان المقدسي نشر على موقع التوحيد والجهاد السبت الماضي رسالة صوتية جاء فيها: "من غير المقبول أن يُصبَغ هذا التيار (الجهادي) بمقاطع الفيديو لصغار وكبار يُنحرون، ومن ثم تنتشر صورهم في العالم لتشويه الدين"، مما يمنح "أعداء التيار مستمسكات، ليزيدوا من تشويههم هذا الدين... وتساهم أيضا في وصف الأنصار بأنهم أصحاب ذبح يسفكون الدماء، وهو ما يصد الناس عن الإسلام والخلافة والدولة الإسلامية التي ندعو إليها ونتمسك بها". وختم المقدسي باتهام داعش بالسفه والجهالة والإساءة إلى الإسلام. فهل فهمت داعش هذه الرسالة بأنها دعوة للتمادي في مثل هذه الممارسة التي رآها حتى منظر الجهاديين الأول ممجوجة وبغيضة؟
(7)
قبل ذلك وردت انتقادات لممارسات داعش حتى من زعيم القاعدة أيمن الظواهري، وانشقت عنها جبهة النصرة، جناح القاعدة في سوريا. وهذا دليل آخر عن أن هذه الجماعة قد أخجلت بممارساتها حتى أشد الجماعات تطرفاً. فعلى أي فكر تستند هذه الجماعة؟ أم أي مصالح تخدم؟

(8)
في سبعينيات القرن الماضي، كانت الإذاعة السودانية تذيع باستمرار إعلاناً لعقار "الأسبرو" المسكن، كان شعاره الخاتم" "أسبرو: أفضل صديق". وقد استلهم شاعر سوداني هذه المقولة في قصيدة له عنوانها: "مرثية لزمن أصبح فيه الأسبرو أفضل صديق". وقد استلهمت بدوري هذه المقولة حين علقت في 2005 على هروب شارون من غزة بتدبيج "مرثية لزمن أصبح فيه شارون إمام الاعتدال". ويبدو أننا في عصر لم يصبح فيه نتنياهو إمام الاعتدال، بل أصبح فيه كذلك أبا محمد المقدسي وأيمن الظواهري من أئمة الاعتدال كذلك. ولله الأمر من قبل ومن بعد!  

(9)
وكانت قيادات داعش قد اتهمت منتقديها، ومنهم الظواهري، بأنهم من "مثيري الفتنة"، ولكن هؤلاء ينطبق عليهم الحكم القرآني في أمثالهم: "ألا في الفتنة سقطوا"! وأي فتنة أكبر من تشويه الإسلام والصد عن سبيل الله، وإقامة "خلافة" إسلامية تقتل الأبرياء للابتزاز مثل أي عصابة إجرامية؟
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////