كعادة النظام السوداني في تضييع الفرص، تعامل بمنهج تنقصه الروية والتدبر مع إعلان باريس الذي وقع في العاصمة الفرنسية في وقت سابق من هذا الشهر بين الجبهة الثورية وحزب الامة القومي بقيادة الإمام الصادق المهدي. فقد سارع برفض الإعلان وإدانته ثم باعتقال الدكتوره مريم الصادق المهدي، نائب رئيس الحزب، بمجرد عودتها إلى البلاد من لقاء باريس. ولو كان هناك ما يكفي من الذكاء والفطنة في صفوف قادة الحزب الحاكم، لكان الأولى الترحيب بمبادرة حزب الأمة، لأنه وفر عليهم نصف الطريق، وأقنع الحركات المسلحة بوجوب وضع السلاح والإقبال على الحور. وبما أن وقف الحرب أولوية لكل السودانيين عامة، وللحكومة خاصة، فلماذا لا تسارع بالترحيب بهذه الهدية التي أهديت إليها، وتجتهد في البناء عليها؟
وإذا تأملنا في فحوى الإعلان، فإننا نجده ركز في معظمه على أمور لا خلاف عليها، مثل توفير الأمن للمواطن ومعالجة الأزمات الإنسانية، وتشجيع النازحين و اللاجئين على العودة إلى مناطقهم الأصلية بعد توفير الأمن لهم، و إنهاء الحروب و التحول الديمقراطي الكامل و بناء دولة المواطنة بلا تمييز ورفع المعاناة المعيشية عن كاهل المواطن، و مواصلة الحملة لكشف الفساد، والحفاظ على وحدة السودان على أسس العدالة و المواطنة المتساوية. أكد الإعلان أيضاً على ضرورة وقف الحرب تميهداً لحوار وطني وعملية دستورية جادة مع توفير الحريات والوصول لترتيبات حكم انتقالي، وزاد فعرض وقف العدائيات من جانب واحد لمدة شهرين قابلة للتجديد. ولا شك أن أي شخص عاقل لا يستطيع معارضة هذه المبادئ والمقترحات، كما أن كل مسؤول يجب أن يرحب بأي مقترح لوقف الحرب والدمار، والانخراط في حوار جاد من أجل بناء السودان على أسس توافقية.
صحيح أن البيان أورد في جوانب منه نقاطاً خلافية، مثل تحميل النظام كل المسؤولية في تدهور الأوضاع، والحديث عن العدالة كأنها عملية أحادية موجهة للنظام وأنصاره فقط، وأن قادة الجبهة الثورية أبرياء لم يسفكوا دماً بريئاً ولم يرتكبوا جرائم حرب، وكذلك طرح موضوع الحكومة الانتقالية، ومسائل خلافية أخرى. (وللإنصاف فإن النظام أيضاً يتعامل مع كل دعوة لتطبيق العدالة بمنطق "يكاد المريب يقول خذوني"!).ولكن هذا من حق الموقعين، وهي مواقف لا تلزم غيرهم، كما أن مواقف النظام المعلنة عن ضرورة عقد الانتخابات في موعدها بلا تأخير، وتحت إشراف الحكومة القائمة لا تلزم غيره. وإنما هذه مواقف يأتي بها أصحابها إلى مائدة الحوار، ثم يتم التداول حولها وصولاً إلى مواقف توافقية.
لقد كانت الحكومة هي المبادرة بالدعوة إلى الحوار، وهي دعوة تلقفتها معظم القوى السياسية، حتى تلك التي كانت على عداء تاريخي مرير مع النظام. وقد انتقدت الحركات المسلحة وبعض القوى السياسية الأخرى، هذه الدعوة، وطالبت بأن يكون الحوار شاملاً. وقد اقترحت لجنة حكماء الاتحاد الافريقي بقيادة الرئيس تابو امبيكي حلاً وسطاً، يجري فيه الحوار على مرحلتين. المرحلة الأولى تشمل حواراً بين الحكومة والحركات المسلحة، ويقتصر التدول فيها على وقف الحرب، والترتيبات الامنية وما في حكمها. ثم يعقب ذلك مؤتمر جامع لكل القوى السودانية يناقش كافة قضايا الوطن، ويتوافق على الترتيبات الدستورية التي تضمن الاستقرار والعدالة للجميع.
بحسب هذا المنطق فإن إعلان باريس قد اختصر هذه المراحل، حيث أعلن في خطوة واحدة الشروع في إنهاء الحرب وبدء الحوار مباشرة بدون تطويل. وكان ينبغي على الحكومة أن ترحب على الأقل بمقترح وقف العدائيات، وتعلن من جانبها خطوات تتمثل في إطلاق سراح المعتقلين والمحكومين، وإعلان العفو المشروط عن قيادات الحركات المسلحة ووقف كل الملاحقات في حقها، حتى يتاح لهذه القيادات الدخول إلى البلاد والمشاركة في الحوار، فيكون هذا كسباً حقيقياً لقضية الحوار. ولكن بدلاً من ذلك، نجد النظام يتعسف حتى مع المعارضين المسالمين، ويواصل قمع الحريات. وفي حقيقة الأمر، لا معنى لحوار يتم في غياب الحريات. فأصل الحوار هو أن يقول كل طرف رأيه بحرية ويدافع عنه. وإذا كانت الأفواه مكممة، فكيف يسمى ما يدور بعد ذلك حواراً؟
وإذا كان المعارض المسالم يتعرض للاعتقال لمجرد التعبير عن رأيه، ولمجرد فتح حوار مع قوى سياسية محاربة ودعوتها للسلام، فكيف يأمن المقاتل أن يقبل دعوة النظام للحضور إلى الخرطوم والمشاركة في الحوار؟
يجب أن يتعظ الجميع من سوابق تضييع الفرص. فقد شهدنا مثل هذا الموقف في نوفمبر من عام 1988، حين وقع السيد محمد عثمان الميرغني اتفاقاً مع العقيد جون قرنق في أديس أبابا يشمل وقف العدائيات واتخاذ إجراءات تفضي إلى السلام، كان من بينها تعليق تطبيق الحدود الإسلامية وإلغاء اتفاقيات الدفاع المشترك مع مصر وليبيا. ولكن رئيس الوزراء وقتها (الصادق المهدي نفسه) تمنع في قبول الاتفاق، وذلك بدعم وتشجيع من الجبهة القومية الإسلامية، الشريك الثالث في الائتلاف الحاكم وقتها. ثم قبل المهدي بالاتفاق بعد ضغوط دولية وإقليمية ومحلية، ولكن الجبهة بزعامة الترابي واصلت معارضة الاتفاق. وقد جادلنا وقتها بعدم موضوعية ذلك الرفض، لأن الاتفاق وقتها لم يلزم أي طرف بشيء سوى شكليات لا معنى لها، مثل تعليق الحدود التي كانت معلقة أصلاً، وإنهاء اتفاقيات تعاون عسكري مع مصر وليبيا لم يكن لها وجود إلا على الورق. ولكن قيادات الجبهة لم تكتف بالاستمرار في المعارض المتعنتة للاتفاق، بل نفذت انقلاب يونيو 1989 الذي أجهضه. ثم دارت الدورات وقامت نفس تلك القيادات بتوقيع اتفاقيات مع قرنق منحته أكثر بكثير مما كان يطالب به وقتها، وبعد أن تم إزهاق آلاف الأرواح، وخسرت البلاد من مواردها وطاقاتها ووقتها الكثير.
نفس الأمر وقع بعد توقيع اتفاق نافع-عقار في عام 2011، ثم التراجع عنه، والعودة مجدداً إلى تفاوض حول نفس الأمور، أيضاً بعد إزهاق آلاف الأرواح وتدمير ما لا حصر له من الممتلكات والارزاق. فلماذا يضرب الناس في عماية، ثم ينتقلون إلى مثلها على غير هدى، ويدورون في حلقات مفرغة لا نهاية لها؟
البلاد اليوم في حاجة أكثر من أي وقت مضى للحكمة وبعد النظر، والبعد عن العبثية التي تدور بالبلاد في حلقة مفرغة من المبادرات البناءة، ثم العودة للقبول بمثلها، ولكن بعد فوات الأوان وخراب البصرة وأم درمان، إلخ. فلعل إعلان باريس، على علاته، يكون هو طوق النجاة لإنقاذ الحوار المتعثر، وإعطائه دفعة يحتاجها بضم المجموعات المسلحة في إطاره، وأهم ذلك وقبله، بإعطاء البلاد والمتضررين من الحروب فترة التقاط للأنفاس والنجاة –ولو لحين- من جحيم الحرب. 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////