ملاحظات أولية عن مبادرة فاشلة لتجنب كارثة العراق
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
كثيراً ما نتهم نحن معشر الأكاديميين والمعلقين الصحفيين بأننا نهوم في آفاق الخيال ونتمنى على الله الأماني، ونقول ما لا نفعل. وهذا يصح في حق جميعنا معظم الوقت. ولكنا لا نكتفي دائماً بإنكار المنكر بالقلب واللسان، فنتحرك أحياناً لتلافي الكوارث التي تحل بربوعنا كضيف ثقيل دائم. لذا أحب أن أشارك القراء اليوم تفاصيل مبادرة كنت طرفاً فيها من أجل الوصول إلى حل ناجع لأزمة العراق، ليس بغرض التباهي بعد كتمان، ولكن استقاء العبرة وتحديد المسؤولية.

وكنت قد كتبت مراراً على هذه الصفحات أذكر بأن العرق لا يحتاج لأن يكون رجل العالم العربي المريض، بل بالعكس، يمكن أن يصبح إحدى النقاط المضيئة، ومصدر خير ودعم للمنطقة. فبإمكانه التحول إلى محور توافق بين طوائفه، وجسر للتقارب بين العرب وإيران، بدلاً من بؤرة توتر طائفي. يمكن للعراق كذلك أن يصبح بموارده قاطرة تنمية للمنطقة العربية بكاملها، بدلاً من أن يظل بؤرة عنف وخراب. فالعراق هو البلد العربي الوحيد الذي يتمتع بثورة نفطية هائلية، وموارد مائية وزراعية طيبة، وموارد بشرية غنية في العدد والقدرات، مما يجعله، لو أحسنت إدارته، مصدر خير عميم لشعبه أولاً ثم للأمة العربية والإسلامية ثانياً.

وحتى نتبع القول بالعمل، فاتحت بعض الأصدقاء العراقيين في ضرورة إطلاق مبادرة لتجنب الصراع الطائفي المفتعل في العراق. وبالفعل تجاوب معي صديق عزيز له صلة وثيقة بالمؤسسة الحاكمة بالعراق، حيث كان له نفوذ قوي داخل الحكم قبل أن يستقيل من الحكومة ويغادر العراق. وبعد سلسلة حوارات في عاصمة غربية ولندن خلال الصيف الماضي، تم اقتراح مبادرة يتولاها الشيخ راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة التونسي، لما تربط الشيخ من صلة صداقة ومعرفة وثيقة بطرفي النزاع. وبالفعل قمت شخصياً بابلاغ الشيخ الغنوشي الذي رحب على الفور بالفكرة واقترح إضافة شخصيات أخرى ذات نفوذ إليها. وتصادف أن زار صديقي العراقي تونس حيث تمت مناقشة الفكرة بتوسع. وعندما نقلت الفكرة إلى الأطراف العراقية المتنفذة سمعنا ترحيباً بها في الأول، ولكن الأمر ما لبث أن تحول إلى مماطلة فهمنا بعد فترة أنها رفض كامل للفكرة.

فقد كانت فكرتنا واضحة، ترى معالجة مصدر التوتر الطائفي الأساس بسبب خلافات بين الساسة، خاصة بعد الفوز غير المتوقع لقائمة العراقية  التي سعت لتخطي البعد الطائفي في انتخابات 2010. وقد أدى هذا إلى استهداف رموز القائمة من القيادات السنية كما هو معروف.
وكان رأينا أن هذه عملية انتحارية، خاصة في وجود قطاع مهم في الوسط السني كان يرفض العملية السياسية برمتها باعتبارها صنيعة الغزو الأمريكي. وعليه فإن التهجم على الفئة التي قبلت المشاركة في العملية السياسية يشكل تقويضاً لهذه العملية بكاملها. ولن يكون هذا في مصلحة العراق، لأنه سيسقط في قبضة استقطاب طائفي مدمر.

من هنا رأينا أن تقوم مبادرة للتوفيق بين المالكي والساسة السنة حتى تتم استعادة العملية السياسية وتعزيز مصداقيتها. وهذا يستدعي فتح حوار بين الأطراف المعنية عبر الوساطة التي اقترحناها.

وبدلاً من الاستجابة لهذا الاقتراح الذي رأيناه معقولاً، بل وملحاً، جاءنا مقترح بعقد مداولات فكرية حول الطائفية، وهو ما اعتبرناه تهرباً من المهمة الأساسية في مواجهة الأزمة السياسية في العراق والتعامل المباشر مع أطرافها. وكما رأينا، لم يكن هناك خيار غير الذي طرحناه سوى خيار الاقتتال و "الحل العسكري". أي أن المالكي رأى بأن في مقدوره تصفية وتدجين الساسة السنة، وإقامة بديل "شيعي" للاحتلال الأمريكي، لا مكان فيه إلا لمن يتعاون مع هذا "الاحتلال البديل".

من هذا المنطلق فإن المالكي يتحمل، بموقفه هذا، وزر التدهور الذي شهده العراق مؤخراً، لأنه بإصراره على الإقصاء والتخندق الطائفي أضعف الدولة العراقية. وها هو الجيش العراقي الذي بني سياسته عليه ينهار ويذوب، فيكون رده هو أسوأ الخيارين، وهو تجييش ميليشيات طائفية وعودة إلى سيادة فرق الموت. وفي هذا نهاية العراق الموحد.

وعليه لا بديل عن تنحي المالكي، لأنه يتحمل المسؤولية في نظرنا عن التمادي في السياسات التي أدت إلى تمزيق العراق وسقوطه في إسار حرب لا تعرف نهاية لها. وقد كان يمكن لو تمتع ببعد نظر وقليل من الأريحية أن يجنب العراق هذا المصير، ولكنه للأسف اختار الطريق الذي لا يأتي بخير. وستفرض عليه الآن لو بقي في السلطة تنازلات وتراجعات أكبر من تلك التي كان يمكن أن تفرض عليه في حال لو استجاب لمبادرات الصلح. فالعراق في حاجة إلى رجال دولة لا إلى زعماء عصابات طائفية، يرهنون سيادة الوطن للنقيضين: إيران وأميريكا. ولنا حجتنا الدامغة على المالكي ومن وقف معه.

وختاماً أريد أن أستبق هنا التعليقات المعهودة التي ستقول: ما شأنكم بالعراق وساسته وأهله؟ أليس لكم في بلدكم السودان شغلاً بأزماته المتكاتفة، خاصة وأن الأمس صادف مرور ربع قرن على انقلاب يونيو 1989؟ وحتى لا يتمادى البعض في هذا المنحى، نقول إن مبادرتنا لمعالجة الأزمات السودانية لم تنقطع، وكانت أولها مبادرة مشتركة تقدمت بها مع الأصدقاء الأعزاء فرانسيس دينغ وبونا ملوال عقب لقاء في أتلانتا في يناير عام 1992. ولكن زعيم الحركة الشعبية الراحل جون قرنق رفض تلك المبادرة. عقب ذلك شاركنا بفعالية في مفاوضات أبوجا في صيف عام 1992 و 1993، ثم مفاوضات نيروبي. ومنذ مطلع عام 1995 نشطنا في مجموعة استشارية من سبعة أشخاص كانت تعمل مع وسطاء منظمة إيغاد والوسطاء الغربيين، حيث ظللنا نعمل بلا كلل متطوعين حتى عام 2001. وبعد تفجر أزمة دارفور عملنا كذلك على الاتصال بكافة الأطراف، إضافة إلى تأليف كتابين عن الأزمة ومئات المساهمات الأخرى. وبعد اتفاق السلام شاركنا في كثير من المبادرات التي نظمت لدعم الوحدة، بما فيها مبادرات الأمم المتحدة والإيغاد، كما قمت بكتابة مقال مشترك مع الصديق فرانسيس دينغ في دعم الوحدة.

وبعد تعيين اللجنة رفيعة المستوى من قبل الاتحاد الافريقي برئاسة الرئيس تابو امبيكي، تعاونا مع اللجنة، بما في ذلك اصطحاب الرئيس امبيكي في جولة لزيارة معسكرات النزوح حول الفاشر ثم نيالا في 2009. وما زلنا نتعاون مع هذه اللجنة وندعمها بكل ما نستطيع. وبين هذا وذاك، ظللنا نلتقي المسؤولين السودانيين رغم خلافاتنا معهم، ونسدي لهم ما استطعنا النصح لما ينفع البلاد. وفي آخر لقاء لي مع النائب الأول السابق لرئيس الجمهورية الاستاذ علي عثمان محمد طه في عام 2010، اقترحت عليه التوسط لفتح مفاوضات مع قيادات حركة العدل والمساواة، وأبلغته بأنني قد تحدثت مع بعض قادة الحركة ولمست منهم عقلانية في المواقف تستحق التعامل معها، ولكنه رفض الفكرة. وبالطبع فإن الحكومة قبلت التفاوض مع الحركة بعد عام من ذلك، بوساطة قطرية، وذلك بعد إضاعة وقت ثمين.

والعبرة في الحالين هي أن الساسة المغترين بالسلطة لا يستبينون النصح إلا ضحى الغد. فلم يتعظ المالكي بمصير سلفه صدام كما لم يتعظ على عثمان بمن سبقه. ولهذا فإن الحل الأنجع هو في استبدال من يدمر البلاد بالقادرين على بنائها والراغبين في ذلك.