(1)

أثارت رسالة إدانة المحرقة اليهوية التي بعث بها الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى الشعب اليهودي أواخر الشهر الماضي لغطاً كثيراً، خاصة حين استخف بها نتياهو وأدانتها حماس بحجة أن الاولوية هي للتذكير بمعاناة الشعب الفلسطيني. وكان خبر الرسالة تسرب قبل صدورها بأسبوع، بعد لقاء لعباس مع نائب رئيس المؤتمر اليهودي العالمي الحاخام اليهودي "مارك شناير". وتأتي الرسالة على خلفية اتهامات مستمرة للفلسطينيين والعرب عموماً، وعباس خصوصاً، بمعاداة السامية، خاصة على خلفية رسالة الدكتوراه التي نشرها عام 1983 وقلل فيها من أعداد ضحايا المحرقة، واتهم قيادات يهودية بالتواطؤ مع هتلر.

(2)

ليس خبراً إدانة شخص لأبشع جريمة ضد الإنسانية في العصر الحديث، بحسب وصف عباس للمحرقة. فمن الطبيعي أن يدين كل صاحب ضمير حي مثل هذه الجرائم ويستبشعها. ولكن الخبر هو إحجام البعض عن إدانة الجرائم، أو محاولة التقليل من شأنها أو تبريرها، حتى حين تكون ظاهرة للعيان ومتلفزة كما هو الحال في سوريا المنكوبة اليوم.

(3)

ولكن الرسالة الأهم التي يجب أن تفهم من هذا الصخب ليست هي أن المحرقة أصبحت موضع تجاذب وإنكار من البعض، وتجارة ومزايدة من بعض آخر، وإنما السؤال الذي تطرحه هو: لماذا لا تدين غالبية العالم، فضلاً عن الإسرائيليين، النكبة الفلسطينية كذلك؟


(4)

عندما تتعرض شعوب بكاملها لنكبات كبرى، كما حدث ليهود أوروبا في الحقبة النازية، أو للتوتسي في رواندا وللمسلمين في البوسنة، فإن الضمير العالمي يتحرك، ولو بعد حين. ولا يكتفي عندها بإدانة الجرم ومن ارتكبه، بل ويضيف من أنكر، ومن تواطأ، ومن قصر، وحتى من سكت. ومع تكشف الحقائق يتسابق المتسابقون على إعلان التضامن والاعتذار والتكفيرعن الذنب بشتى الوسائل.

(5)

هناك صف طويل ممن ينبغي عليهم الاعتذار للفلسطينيين عن نكبتهم التي لا تزال مستمرة، بل ومتجددة كما هو الحال اليوم في معسكر اليرموك وقبل ذلك في صبرا وشاتيلا وتل الزعتر. وفي مقدمة المعتذرين يجب أن تكون بريطانيا التي اغتصبت فلسطين، وعائلة روتشايلد وغيرها ممن ساهموا في وعد بلفور، وعصبة الأمم ثم الأمم المتحدة، وكل القوى الكبرى، والأنظمة العربية التي قصرت وتآمرت، ثم زادت النكبة نكبات عبر اضطهاد الفلسطينيين المهجرين لديها. وبالطبع كل رئيس أمريكي منذ ترومان، وكل زعيم إسرائيلي منذ بن غوريون.

(6)

ولكن الأولى من كل هؤلاء بالاعتذار للشعب الفلسطيني عباس نفسه، وكل القيادات الفلسطينية منذ أيام المفتي، وكل المفكرين الفلسطينيين والشعراء والفنانين، وحتى "المناضلين". فعندما تخسر قيادة أعدل قضية في العالم، وعندما تضطر القيادة الفلسطينية لتقديم ما يشبه الاعتذار عن جريمة لم ترتكبها لمن يرتكبون الجرائم في حقها اليوم، وليس في الماضي، وتحت سمع العالم وبصره، فإن هذه قيادات لا تستحق الحياة، فضلاً عن أن زعامة شعب ساهمت في معاناته وإذلاله. فلو كانت هناك قيادة فلسطينية قادرة ومؤهلة، لكان الأولى بنتياهو وريث الفاشية أن يجثو على ركبتيه في رام الله طلباً للصفح والمغفرة. ولكن القيادة الفلسطينية فرطت، وحولت الرصيد الأخلاقي الفلسطيني كأمة مظلومة هباءً منثوراً.

(7)

لم يعد من المجدي أن نقول إنه ينبغي على القيادات الفلسطينية، من سياسية وفكرية وثقافية، أن تتولى مراجعة نقدية شاملة للسبب في نكبة النكبات الفلسطينية، وهي نزع السلاح الأخلاقي عن الفلسطيني، بحيث أصبح وهو الضحية يعامل كمجرم عليه أن يكفر عن ذنبه أمام من أذنبوا في حقه. بل من الواجب اليوم قبل الغد عقد محاكمة لعباس وبقية القيادات الفلسطينية بتهمة التفريط في حقوق الشعب الفلسطيني، والنجاح في تحويل الضحية إلى مطلوب. فهذه بالفعل معجزة كبرى لا بد من التامل في كيفية اجتراحها.

(8)

نفس السؤال ينبغي أن يطرح حول أنصار الديمقراطية في مصر، صاحبة أعظم ثورة شعبية في العصر الحديث، حول كيفية تحول ثورة مصر من مصدر إلهام للعالم كله، حتى أن حركة "احتلوا ووال ستريت" استلهمتها، إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية؟ وكيف، في غمضة عين، تحول مجرمو ميدان التحرير وأشاوس معركة الجمل، وقادة الأجهزة الأمنية الذين كانوا يطلقون رصاص القناصة على الثوار، إلى أبطال اليوم، بينما أصبح أبطال ثورة مصر هم مجرمون مطاردون، تغص بهم السجون، ويتهمون بالإرهاب؟

(9)

هنا أيضاً نطالب بمحاكمة الرئيس محمد مرسي وكل قيادات المد الثوري، وتحديداً قيادات الإخوان، ولكن ليس بتهمة مقاومة الظلم والطغيان، كما يحدث اليوم، ولكن بتهمة التفريط في الرصيد الأخلاقي للثورة وبعثرته، بحيث أصبحت الكائنات الطفيلية ورموز الإجرام من عهد مبارك، تصول وتجول في مصر التي تحررت منهم لبرهة وجيزة –وستتحرر مرة أخرى قريباً إن شاء الله- بينما أنصار الحرية. فهذه "المعجزة" أيضاً اجترحها من تصدى للقيادة وهو من غير أهلها. فكما في الحالة الفلسطينية، نجد القيادات هنا جعلت رصيد الأحرار سالباً، وحولت حسنات المقاومة والثورة سيئات. فلا بد من الحساب والمراجعة، ولا بد من التوبة والاستغفار.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.