عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(1)

بقدر ما لنا من ذكريات حميمة عن جامعة الخرطوم، -قبلة العلم ومنارة المسؤولية الاجتماعية في السودان- لنا كذلك فيها ذكريات مؤلمة. فقد قضينا في ذلك الصرح العلمي الشامخ أجمل سنوات العلم وأخصبها بالإبداع، ولكنا شهدنا فيها مأسي مؤلمة، من أبرزها حادثة مقتل أحد الطلاب على يد زملائه، وكفى به إثماً مبيناً. ولكن هذا الحادث كانه له انعكاسات شخصية مأساوية على أسرتي، فقد غير مجرى حياتنا، وكان أحد المؤثرات التي دفعت بنا لمنفىً سعى إلينا ولم نسع إليه.

(2)

المفارقة المؤلمة أن هذه المأساة التي ساهمت –مع مثيلات لها كثر- في تعطيل مهام الجامعة، نجمت عن الجانب الآخر لجامعة الخرطوم، وهو موقعها كساحة تجاذب بين التيارات السياسية. وهذه الوظيفة للجامعة لا تقل أهمية عن وظيفتها الأساس كصرح علمي. فلا فائدة لعلم يعزل الطالب عن مجتمعه، ومن لم يهتم بأمر الأمة فليس منها. فالطلاب الذين ينشغلون بالعمل السياسي يضحون بكثير من وقتهم وجهدهم، أحياناً على حساب تحصيلهم الأكاديمي. وما تشهده أركان النقاش الجامعية وغيرها من ساحات التنافس السياسي هو أفضل تدريب للطلاب على القيام بأدوارهم المرتقبة في الحياة العامة.

(3)

إلا أن المؤسف هو أن قلة من الطلاب لا تؤدي هذا الدور بحقه المتمثل في جعل الجامعة المكان الأصيل لمقارعة الحجة بالحجة. ومن قصرت به حجته عليه أن يفعل ما يفعله من لم يوفق في الامتحان: العودة إلى صومعة الدرس والاجتهاد في تلافي مكان تقصيره. إلا أن البعض للأسف، يلجأ للعنف لإسكات من حجه بالقول، فيكون ما شهدناه من مآسٍ وكوارث خلال الأيام الماضية.


(4)

كثيراً ما اتهم الإسلاميون بأنهم وراء العنف الطلابي، وفي هذا جانب من الحقيقة، ولكن الآخرين مذنبون بنفس القدر. يكفي أن نقول أن المأساة التي أشرنا إليها في مطلع هذا المقال كان المجرم فيها من خصوم الإسلاميين. ولكن هذه ليست القضية، وإنما المطلوب من الجميع هو احترام الحرم الجامعي كما يحترم الحرم المكي، وإبعاده عن العنف والصراع غير الفكري، حتى يؤدي الحرم الجامعي دوره المنوط به. فهناك ما يكفي من ساحات الاحتراب في السودان، ومن أرادها فهي لا تخفى عليه.

(5)

ما شهدته الجامعة خلال الأيام الماضية من عنف وعدوان أدى إلى حرق بعض مرافقها، ثم لإغلاقها للمرة الثانية خلال هذا العام بعد ما سبق من عنف، ليس له مبرر على الإطلاق. ليس هناك عذر لمن ساهم فيه، سواءً أكان من العناصر الطلابية أو إدارة الجامعة أو الشرطة أو بقية أجهزة الدولة. وتقع المسؤولية الأكبر على من بادر بالعنف، ولا بد من اتخاذ إجراءات ضده، ليس فقط من قبل إدارة الجامعة والأجهزة العدلية، ولكن كذلك من قبل المجتمع بكامله الذي ينبغي أن يرفض ويدين ويلفظ من تولى كبره.

(6)

في الكتاب الذي أصدره مركز الجزيرة للدراسات نهاية العام بالماضي بعنوان "دارفور: حصاد الأزمة بعد عقد من الزمان" بمساهمة نخبة من الأكاديميين والخبراء السودانيين والأجانب، تمت الإشارة إلى دور المكون الشبابي في دارفور، ودوره المتعاظم في تشكيل ردود الفعل الدارفورية للأزمة. وكان هناك تركيز على دور إعادة تقييم هذا الدور باتجاه إشراك الشباب في مسارات الحل المختلفة.

(7)

وغني عن القول أن هذا الدور لا ينبغي أن يكون تكراراً لما تقوم به الحركات المسلحة، وإلا فما الفائدة؟ وكنا قد أشرنا في الكتاب إلى أن أهم مركبات العنصر الشبابي هي الطلاب، سواءً أكان ذلك في المعسكرات أم في الجامعات والمدارس. وهذا بدوره يؤكد ضرورة أن تكون المساهمة الشبابية فكرية وسياسية واجتماعية في الأساس، بمعنى أن يكون الدور هو التعبير بصورة أفضل عن آلام وتطلعات أهل دافور، والاجتهاد في توحيدهم، وكذلك إقناع المتشككين بعدالة القضية، وتوسيع الدعم لها.

(8)

من هذا المنطلق فإن الجامعة يجب أن تكون أبرز الساحات لهذا الدور. ولا ينبغي أن يقلل وجود استقطاب حاد بين طوائف الرأي في الجامعة من هذا الدور، بل ينبغي أن يعززه. فإذا كان هناك حديث متكاثر هذه الأيام عن ضرورة الحوار بين أطياف الرأي السياسي في السودان، فإن جامعة الخرطوم وغيرها من مؤسسات التعليم العالي يجب أن تعتبر –بالتوافق بين كل التيارات السياسية داخل وخارج الجامعة- حرم سلم وتداول سلمي للرأي.

(9)

المطلوب هو إذن –وهذا أضعف الإيمان- بناء توافق حول تحييد الحرم الجامعي في الصراعات وتحصينه من العنف، بدون أي استثناءات. يجب أن تصدر كل الحركات السياسية تعهدات أحادية (فليس هناك حاجة لحوار وتفاوض حول هذا الأمر) ترفض كل من يبادر بالعنف والتبرؤ منه. كذلك ينبغي تشديد العقوبة على كل من يبادر بالعنف وأن يتم فصل كل من يتورط في ذلك، إما بصورة مؤقتة أو نهائية حسب عظم الجرم. فليس من العدل أن تحرم الغالبية المسالمة من ممارسة نشاطها العلمي بسبب قلة من المشاغبين.


(10)
أكتب هذه الملاحظات من ريو دي جانيرو عاصمة البرازيل، حيث أشارك في مؤتمر نظمته الجامعة الكاثوليكية حول الهوية والصراع في الساحة الدولية المعاصرة. وكان أول المشاركين متحدث باسم الأقلية السوداء في البرازيل، بدأ بالقول بأنه سليل رجل خطف من افريقيا قبل مئات السنين وأجبر على العمل في ظروف تشبه معسكرات الاعتقال لصالح المهاجرين البيض. وبعد أن فصل المشاكل التي يواجهها السود والسكان المحليين على يد الدولة، خلص إلى أن هناك عنصرية مؤسسية في الدولة البرازيلية، وأن حكم القانون بالنسبة لهذه الطوائف هو أسطورة لا صحة لها. وختم بأن دعا الشباب السود إلى اليقظة والنضال. عندما فرغ، صفق له الحضور طويلاً، ومعظمهم كان من الطلاب والأساتذة البيض.

(11)

ما أريد أن أقوله هو أن أوضاعنا ليست أسوأ من أوضاع أقليات البرازيل، وجامعاتنا لا يجب أن تكون أقل شأناً من الجامعة الكاثوليكية وغيرها.