هناك ما يشبه الإجماع في كثير من السجالات التي استمعت إليها مؤخراً في الشأن المصري بأن خطأ ثوار مصر كان قلة اجتهادهم في استئصال مكونات النظام السابق من جذورها. فقد اتهم الرئيس محمد مرسي من قبل كثير من أنصاره بأنه قصر في اتخاذ قرارات "حاسمة" ضد عناصر الثورة المضادة. ويرى هؤلاء أن الكرة القادمة لأي ثورة يجب أن تتجه إلى الحسم والقطع مع الماضي.

ولكن لعل الأصح هو أن خطأ مرسي وأنصاره خصوصاً، والثوار عموماً، كان الفشل في بناء ما يكفي من التوافق حول هدف الثورة الأسمى، وهو خلق نظام ديمقراطي توافقي مستقر. فهناك خطأ مفهومي راسخ، تعود جذوره إلى تاريخ الثورة الفرنسية و"إرهابها" الثوري، وإلى الفكر الماركسي الذي استلهمها، يكرس الفهم العدواني الاستئصالي ل"الثورة". وتعكس تجارب الثورات البلشفية والماوية الهوس والشعوذة التي تشربتها بعض أطياف الفكر الماركسي، وإيمانها بقدرة العنف على اجتراح السحر.

وإذا تجردنا من شعوذة الفكر الماركسي وبعد تجلياته في الممارسة العربية الراديكالية، فإن هذا المفهوم الذي يجعل من الثورة عقيدة، ومن "الثوار" كهنة معبد يتلون التعاويذ ويقدمون القرابين لإله الثورة المزعوم، فإن غاية الثورة ضد الظلم والطغيان هي تدمير أسس الطغيان وأصنامه، ثم ترك الناس أحراراً ليختاروا ما يشاءون. وقد كان هذا هو شأن الثورات الديمقراطية، من الثورة الأمريكية إلى الربيع العربي.

ولعل المفارقة هي أن المفكر الإسلامي الراحل سيد قطب، والمتهم بالراديكالية، نقل متأثراً بالمودودي رؤيا تتطابق مع هذا المنطق، حيث أكد أن غاية الإسلام هي تحرير البشر من الطغيان، ثم تركهم أحراراً يختاروان ما شاءوا من دين. ولم يكن هدف الجهاد، بحسب قطب والمودودي، هو نشر الإسلام بحد السيف كما زعم المرجفون، وإنما كسر القيود التي تكبل البشر عن الخيار الحر، حيث أنه لا إكراه في الدين. والغريب أن بعض من يزعمون أنهم تأثروا بفكر سيد قطب يخالفونه تماماً حيث يؤمنون أن هدف الجهاد ليس تحرير العباد من العبودية للبشر، وإنما استعبادهم لمن يسمون أنفسهم الجهاديين.

بنفس القدر، فإن من يسمون أنفسهم "ثواراً" في مصر وغيرها يرون أن مكانتهم تخولهم فرض رؤيتهم على الناس، بحد السلاح أحياناً، وبالابتزاز أحياناً أخرى. فكأن هؤلاء "الثوار" الأماجد يمنون على عباد الله أن حرروهم (أو حاولوا تحريرهم) من طغاة سابقين ، ويطلبوان لقاء ذلك أن يسجد الناس لهم إجلالاً. فما الفائدة إذن إذا كان تحطيم صنم قديم بهدف وضع صنم جديد على المنصة الخربة؟

ليست مهمة الثورة الديمقراطية خلق جنس "براهمة" جدد يسمون أنفسهم الثوار ويمنون على عباد الله أنهم حرروهم. وبالقطع ليس الهدف هو خلق دكتاتورية جدية باسم الثورة، وبالأحرى ليس تحول "الثوار" إلى ميليشيات مرتزقة، تمارس الابتزاز، بل وحتى الخطف والاغتصاب وبقية الكبائر، تحت غطاء "ثوري". وليست مهمة الثورة الديمقراطية سفك الدماء والتخريب كما فعل الخمير الحمر وأضرابهم، وإنما مهمتها هي حصراً تحطيم القيود وإسناد الأمر إلى الشعب يختار من يشاء، وإرساء حكم القانون، بحيث تتم المساءلة وفق القواعد المرعية، وليس بالهوى.

من هذا المنطلق فإن التهم التي وجهت للإخوان المسلمين في مصر بأنهم تأخروا عن الثورة أولاً، أو مالأوا العسكر ثانياً، كلها تهم باطلة. فلو أن الإخوان تصدروا صفوف الثوار، لكان البعض صدق مزاعم النظام حول إخوانية الثورة واتخذ ذلك مبرراً للتقاعس كما حدث مراراً من قبل. وعليها فإن موقف الإخوان كان الموقف الصحيح تماماً، حيث تركوا واجهة الثورة لغيرهم، ولكنهم أسندوها عند الجد بقوة وعزيمة لم توجد عند غيرهم. فلولا تراجع الإخوان إلى الصفوف الخلفية لما قامت الثورة، ولولا وقوفهم في الصفوف الأمامية عند الصدام لما نجحت.

بنفس القدر، فإن موقف الإخوان الرافض للصدام مع الجيش، والمطالب بالانتقال التوافقي باتجاه الديمقراطية، كان عين الحكمة، بدليل أن من تصدوا للمواجهة مع الجيش وقتها بحجة إتمام الثورة هم اليوم أول المقبلين لأحذية العسكر اليوم، والمتخاذلين عن نصرة الديمقراطية. فالتطرف دائماً يقود إلى نقيضه، لأن المنبت، كما قال الصادق الأمين، لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.

درس الثورة المصرية والثورات العربية الأخرى الأبقى هو إذن ضرورة توحد الشارع ضد أي دكتاتورية، ثم التوافق بعد ذلك وقبله على الخطوط العريضة لأسس إدارة البلاد، حتى يكون التنافس بين الأحزاب والقوى السياسية يجب أن يتم على هذه الأرضية المشتركة، وعلى من هو الأحق بخدمة الشعب في الإطار المتوافق عليه. وهدف الثورة لم يكن "استئصال" أعضاء المؤسسة الدكتاتورية عبر المقاصل كما فعلت الثورة المصرية، أو عبر الإعدامات الجماعية كما فعلت الثورة الصيينية التي أعدمت سبعمائة ألف شخص خلال عامها الأول، وإنما عبر إعدام المناخ الذي سمح للدكتاتورية أن تنشأ وتستدام. فما أجبر مبارك وعسكره على الانحناء لإرادة الأمة كان إدراكهم لأن الشعب قد توحد ضدهم.

بنفس القدر، فإن الخطوة الأولى لاستعادة الدكتاتورية بدأت بتقسيم الشعب وتخويف طوائفه من بعضها البعض حتى تسقط في أحضان الدكتاتور ليحميها. وقد ساهمت حركة الإخوان المسلمين للأسف في هذا المخطط حين أعطت الانطباع برغبتها في الانفراد بالأمر، فسهلت على مجرمي النظام السابق التجييش والكذب الممنهج من أجل بذر بذور الفتنة بين المصريين.

ولا أريد هنا أن أستعيد ما كررناه سابقاً حول أخطاء الإخوان وحكومة مرسي، فالإشكال ليس ما حدث في الماضي، وإنما ما يحدث اليوم. فقد تعمق الانقسام بحيث أصبحت مصر أمماً، تتحدث كل "أمة" منها لغتها الخاصة. فمن يتابع الإعلام المصري الرسمي والمؤسسات التي تسبح في فلكه يرى صورة عن مصر لا علاقة لها بالصورة التي يرسمها إعلام المعارضة، وكلا الصورتين  مفارقة لما يرسمه الإعلام الدولي، وإن كانت  الأخيرة أقرب إلى صورة المعارضة منها إلى صورة الحكومة.

عند الإعلام الرسمي، فإن "مصر" موحدة خلف الزعيم السيسي، والجيش والشرطة تحميان الشعب من المخربين والإرهابيين، ومن يعارض خارج على الإجماع، بل هو خائن لمصر، عميل للخارج. أما عند المعارضة، فإن النظام "الانقلابي" نظام احتلال مدعوم من الصهاينة وأعداء الأمة، ولا علاقة له بمصر ومصالحها. ولعل المفارقة أن نقطة الالتقاء الوحيدة بين الخطابين هي اتهام الخارج، والغرب خاصة، بأنه سبب المشكلة. فخطاب مؤيدي الانقلاب والثورة المضادة ظل منذ بداية الثورة يصورها على أنها "مؤامرة" أمريكية، ويتهم أوباما والسفيرة الأمريكية بأنهما من الإخوان. وقد أصبحت تهمة "الأخونة" تشبه تهمة "اليهودية" في الخطاب النازي، الذي كان يرى خلف كل معارضة مؤامرة "يهودية" عالمية. فكل انتقاد يوجه لمصر اليوم هو "مؤامرة إخوانية" مدعومة بالطبع من قطر.

هذا التقاطع في الخطاب هو ما ظل يميز الحروب الأهلية ويمهد للإبادة الجماعية، كما شهدنا في يوغسلافيا ونشهد اليوم في أوكرانيا وافريقيا الوسطى وبورما. وما لم يتغير هذا الخطاب، فإن ما حذرنا منه سابقاً من "صوملة" مصر سيبدو طرحاً متفائلاً بالمقارنة. يكفي ما نشهده اليوم من أحكام إعدام جماعية ما هي إلا ترجمة لخطاب الإقصاء والاستئصال الذي يفيض به الإعلام الرسمي المخيف.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////