(1)

يبدو أن أحداً لم يخطر السيد نبيل العربي، أمين عام الجامعة العربية، بأن مؤتمر القمة العربية الذي انعقد في الكويت مطلع هذا الأسبوع كان لدفن أي فكرة لتطوير الجامعة العربية وتقوية مؤسساتها على حساب الدول، مثلما كان مؤتمراً لدفن آمال الشعوب العربية في تعزيز حرياتها على حساب الأنظمة، وشرب الأنخاب احتفالاً بهزيمة الشعوب وفوز الأنظمة. فالرجل طالب في خطابه القمة بالمسارعة بالموافقة على مؤسسات مثل المحكمة العربية لحقوق الإنسان (إي والله!) وإعطاء الجامعة مزيداً من الصلاحيات، كما لو كان سعادته يخاطب زعماء الاتحاد الأوروبي.

(2)

أمين عام المتحدة بان كي مون لم يخطر كذلك، ولا ممثله الاخضر الابراهيمي، بطبيعة المؤتمر وتوجهاته. فقد أسهب في رسالته، هداه الله، في مدح الثورات العربية والتأكيد على أن مطالب الجماهير في الحرية والديمقراطية لا راد لها. وهذا كان أشبه بتلاوة خطبة في مدح الرأسمالية في مؤتمر لزعماء الأحزاب الشيوعية. فلم يكن هناك بين الحضور، إلا من رحم ربك، ممن يرى لمطالب الجماهير وجاهة، مثلما لم يكن بينهم متحمس لمحكمة عربية لحقوق الإنسان يتحاكم إليها الزعماء وربما يحاكمون فيها.

(3)

لم يخطر أحد كذلك السيد أحمد الجربا، رئيس الائتلاف السوري، بأن الميزان العربي قد تحول من الحماس للثورة السورية كما تحول ضد كل الثورات، التي يراها أكثر الحاضرين كابوساً، ويصرح بذلك. ومن هنا فإن مطالبته بمقعد سوريا في القمة، وبدعم عربي فاعل للثورة، كانت من قبل الآذان في مالطا، مثلها مثل تمنيات العربي وتأكيدات بان كي مون.


(4)

ولكن هذه التجليات لم تكن وحدها المشهد السريالي في قمة كانت كلها أشبه بفيلم من الخيال العلمي، أو إحدى روايات جورج أورويل. فنحن هنا أمام خطب وبيانات لا علاقة لها بواقع العرب، ولا تخبرنا شيئاً عن الخلاف الحاد بين العرب حول أمور عدة، أبرزها الوضع في مصر. ولا تعلمنا هذه الخطب شيئاً عن أحوال مصر التي تنحدر بسرعة باتجاه الهاوية.

(5)

يكفي أنه خلال الأسبوع الذي حكم فيه قاض مصري بإعدام أكثر من خمسائة مواطن مصري خلال جلسة لم تستغرق سوى دقائق، تبارى الزعماء العرب (وتبعهم في ذلك بان كي مون) في الإشادة بالتقدم الذي تحرزه مصر في الانتقال الديمقراطي. ولعل السؤال هو: إذا كانت مصر تحقق كل هذه الديمقراطية، فلماذا تأتي الإشادة بها من أنظمة ترى الديمقراطية شراً مستطيراً؟

(6)

كل هذا يدفعنا لكي لتأمل أعمق في مجريات الأزمة العربية المزمنة، وهي أولاً وأخيراً أزمة دفن الرأس في الرمال، في مهارة تكاد تنفرد بها الأمة العربية بين الأمم. فالقمم العربية تشبه دوماً قمة تعقد في المريخ لمناقشة أوضاع كوكب زحل. فالمسكوت عنه من القضايا المهمة أكثر من المنطوق به، وما يقال لا علاقة له بالواقع.

(7)

ولعل المحير حقاً ليس هو إدمان دفن الرأس في الرمال، وتغييب الواقع والغياب التام عنه، ولكن استمرار نجاح أنظمة تحترف هذا العمى والصمم. فكيف تتنفس الأنظمة التي تدفن رأسها في الرمال، وكيف ترى وتسمع؟ هذا السؤال يتعمق عندما نرى كيف تسارع هذه الأنظمة إلى إغلاق أي منفذ وكوة ضوء يمكن أن تساعد في إبصار الحقائق، كما رأينا من قيام النظام المصري بإغلاق كل أداة إعلام لها شبهة استقلال، وإسكات أي صوت لا يردد فقط ما يقوله رجال المخابرات، وكما نرى حالياً من ابتزاز ضد قناة الجزيرة.

(8)

ليست لدي إجابة شافية على هذا السؤال، ولكني أعتقد أن المسألة تحتاج إلى دراسة عميقة من الخبراء، فهي هديتنا إلى العالم بتقديم نموذج تعيش (بل وتزدهر) فيه كائنات لا تسمع ولا تبصر ولا تتنفس. ولعل بعض ملامح الإجابة تأتي من تعميم العمى وفقدان البصيرة، وذلك بإقناع المبصرين بأنهم هم المغيبون عن الحقيقة، كما في أسطورة الملك العاري الذي أقنعه بعض المخادعين بأنه يلبس أفخر الملابس، والمشكلة هي فيمن لا يراها.

(9)

أثبتت القمة هذه الفرضية، حيث أن الكل يتحدث عن "التقدم" الديمقراطي في مصر التي يحاكم فيها القاتل المقتول، ويلقى بالشريف في السجن، بينما يوسد الأمر إلى محترفي الكذب. ففي عالم أوريل العربي، القتل إنقاذ، والمجرم بطل، والفاسد مصلح، والأعمى مبصر. أما من يقول بخلاف ذلك فهو إرهابي متطرف، عميل لأمريكا وإسرائيل، وموالٍ لإيران!

(10)

يجب أن نكف إذن عن ذم قادتنا العرب الكرام، والتحدث المتكرر عن "فشل عربي". فأي نجاح ياترى هو أعظم من هذا النجاح في قلب الحقائق، ثم إقناع السواد الأعظم بالواقع المقلوب، وبأن السلاطين العراة يرفلون في حلل بهية، وأن من لا يراها هو الخبيث الأعمى؟
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////